تتملك موجة من الذعر الخبراء الاقتصاديين والسياسيين الاتراك تجاه ما يمكن ان يحمله المستقبل حتى انهم ما برحوا يواصلون الدعاء من اجل ان يستمر بولند اجاويد، رئيس الوزراء التركي البالغ من العمر 77 عاما، والذي يرقد فيما يبدو على سرير الموت، على قيد الحياة .فأجاويد كان بعيدا عن مكتبه طيلة الشهرين الماضيين تقريبا، بسبب مشكلات صحية يعانيها في حبله الشوكي ومعدته والجهاز العصبي وهو الامر الذي يجعله يبدو مرتبكا وغير ثابت. وبينما كان اجاويد يبدو ان المرض قد تمكن منه فشحب وجهه وضعف جسمه، قابل مؤخرا عددا من اعضاء الهيئة البرلمانية لحزبه المنتمي الى يسار الوسط حيث سافر من منزله الى مقر البرلمان في انقرا ليوضح انه لايزال يمسك بزمام الامور. وقال اجاويد انه بامكانه ان يرى ان هناك انتخابات مبكرة في الافق وينبغي على النواب ان يعودوا الى دوائرهم الانتخابية ويستمعوا الى الشعب من اجل الاعداد للحملة الانتخابية، تلك الانتخابات التي ظل يتحدث الكثيرون عنها منذ ان بدأ غياب اجاويد الطويل عن ممارسة مهامه الرسمية، فقد اهتزت الاسواق المالية بشدة. وبعد الاجتماع بساعة ظهر تصحيح على شكل بيان مكتوب صدر عن مكتب رئيس الوزراء التركي مفاده ان أجاويد ارتكب خطأ فليست هناك خطط لانتخابات مبكرة وسوف تكمل الحكومة فترة حكمها الى النهاية وعلى الرغم من ان رئيس الوزراء التركي مشهور بعمل تصحيحات وايضاحات بشأن تصريحاته فان التصحيح الاخير كان بالفعل تغييرا مؤثرا في الاتجاهات. فتركيا الآن تعد اكبر دولة عليها ديون مستحقة لصندوق النقد الدولي وسبب الشكوك التي اعترت الاسواق المالية في تركيا بشأن نوايا احزاب المعارضة فيما يتعلق بتنفيذ خطط صندوق النقد الدولي فقدت الليرة التركية اكثر من 20% من قيمتها منذ ان بدأ مرض رئيس الوزراء التركي (الجنيه الاسترليني يساوي 2.5 مليون ليرة تقريبا) وارتفعت اسعار الفائدة بحوالي 15%. وتم وضع واحد من اكبر البنوك في تركيا تحت اشراف حارس قضائي، مؤخرا، في حين فقدت اسهم بنك آخر يعد ثاني أكبر بنك في تركيا، نصف قيمتها. لقد اصبحت تركيا وهي احد اعضاء حلف الناتو الرئيسيين بجانب كونها دولة كبيرة يبلغ تعداد شعبها 65 مليون نسمة، على شفا هاوية اقتصادية واجاويد تقريبا هو بالتأكيد الشخص الوحيد القادر على الحفاظ على التحالف الحكومي ومنعه من الانهيار وتلمح استطلاعات الرأي الى ان التحالف الحكومي سيقصى من السلطة خلال الانتخابات الجديدة. واشهر المجموعات السياسية الموجودة في البرلمان هي حزب العدالة والتنمية الاسلامية واكثر اعضاء التحالف نشاطا وعزيمة هو حزب العمل القومي اليميني ولقد كانت الامور سيئة في السابق ولكن من النادر ان كانت على هذا القدر من السوء منذ فترة طويلة. في ناد رياضي يقع في احدى المناطق المتميزة من اسطنبول تلعب مجموعة من الشباب والشابات نوعا صعبا من انواع الكرة الطائرة حتى تغرب الشمس. وبعد ان انتهوا ذات يوم من اللعب، ذهبوا لتناول العصير والقهوة، ولم يكن هناك أحد منهم متيقن من مستقبله. ونم حديثهم عن امتعاض شديد لجميع السياسيين من كل لون ونوع. يقول حقي يغيت «41 عاما» وهو موظف من مصرف ايه بي ان امرو: «بعض السياسيين اميون، فأحدهم لم يكمل المرحلة الابتدائية من التعليم! وبعضهم الاخر لا يمكنه التحدث بشكل سليم، وبعضهم لديه زوجتان أو ثلاث زوجات. وتقول نيسلي ماناكر «29 عاما» وهي امرأة تعمل في مجال التصدير: «لابد ان يحدث تغيير في تعامل السياسيين مع الاقتصاد. فهناك امر خاطئ بشأن هؤلاء الساسة، فاذا لم يكن معك نقود فلا يمكن ان يتم انتخابك». ولقد كان التهديد الذي يمثله المتشددون الذين يتزعمهم طيب اردوجان، هو الأمر الذي اثار معظم التعليقات وليس ذلك الزعيم اليميني يفليت باسيلي الذي يتمتع حزبه بعلاقات مع منظمة «الذئاب الرمادية»، وهي منظمة تتبع الفاشية الجديدة كانت قد قامت بأعمال ارهابية في السبعينيات واغتالت عددا من زعماء اليسار. يقول يفليت: «ان الاسلاميين نشطاء. فقد قاموا بتغيير نظام التعليم في مدارسهم الدينية. ثم عندما وصلوا الى السلطة في 1997، قاموا بتغيير القائمين على الشركات التي تملكها الدولة حتى تتبع نظامهم». وربما لا يبدو الامر مفاجئا فقد قامت الصحف، التي يمتلكها أناس يحبون ان يظلوا قريبين للحكومة القائمة، بصب جام غضبها على اردوجان ولفقت له فضائح بمجرد ظهوره وتهديده الانتخابي. وهناك صحيفة واحدة لم تتبع خطى الصحف الاخرى وهي صحيفة الكاريكاتور الاسبوعية: «لومان» حيث يجد القارئ الكثير من الرسوم الساخرة في هذه الصحيفة، ولكن هناك ايضا قدر كبير من السياسة. يجلس رئيس تحرير الجريدة في مكتب صغير في الطابق الثالث من احدى البنايات في اسطنبول. ويوجد على مكتبه عدد من الرسومات الكاريكاتورية الساخرة تحمل صورا لرئيس الوزراء التركي وعليها تعليقات ساخرة. ولكن الرجل يقول انه صدم من اردوجان وباسيلي. ويقول: «انهما يملكان قليلا من الايحاءات التي ينبغي ان تكون لدى الانسان العادي ولديهما قدر كبير من التعالي المزعج. وتتمتع السياسات التي ينتهجونها بالشفافية، فلا يمكنك ادراك وفهم ما يدعوان اليه. من الصعب للغاية ان تشعر بهما، وبالتالي لا يعتبران من الاشخاص الكارتونية الجديدة. وعندما يتولى هؤلاء السلطة، سوف نفتقد اجاويد. ولكن اقلامنا ستكون اكثر حدة، في هذه المرة. وسوف ندفع باقلامنا مباشرة في قلوبهم». وتشعر تركيا بالتجاهل من قبل العالم الخارجي، والاجانب الذين يعيشون في تركيا لا يتفهمون السر في هذا القدر الضئيل للغاية من الاهتمام بمثل هذا البلد الكبير المعقد، ولكن ربما سيتغير هذا الوضع، فسوف يؤدي عدم الاستقرار في تركيا الى دق اجراس الخطر على ابواب وزارات الخارجية في غرب أوروبا. ليس هناك كثير من الامل في صفوف هؤلاء الذين يكتفون بمشاهدة السياسيين يراوغون في الوقت الذي يواصل الاقتصاد تدهوره. لقد ظل احد اللاعبين الذين ذهبوا الى المقهى بعد اللعب صامتا طوال حديث زملائه. فالمصرف الذي يعمل به هذا الشخص الذي يدعى ديليك اكان اعلن عن عزمه على فصل نصف الموظفين بسبب وجود عمالة زائدة. ويقول أكان: «السياسيون لا يريدون التعامل مع المشكلات التي تواجه تركيا، فهم يريدون كسب الاموال وحسب وبالنسبة للمستقبل فانه لن يكون جيدا امامنا، فأنا اعتقد اننا اخذون في الانحدار بصورة متفاقمة». ترجمة: حاتم حسين عن «أوبزرفر»