تزدحم دور العرض السينمائي الجزائرية منذ أيام بجمهور جاء ليشاهد فيلم «السنغال الصغير» لرشيد بوشارب المخرج الجزائري المقيم منذ سنوات بالولايات المتحدة الأميركية، فيلم أنجزه المخرج بكثير من الحرفية والدقة في المعالجة السينمائية. وقد صاحبت هذا العرض عروض أخرى شملت مجمل أعمال رشيد بوشارب التي بدأت في منتصف الثمانينيات بالعصا الحمراء وغبار الحياة اضافة إلى أفلام شارك في إنتاجها كبيروت العربية للبناني زياد الدويري. وعلى هامش العرض الأولى الذي حضره المخرج وعدد كبير من سفراء عدد كبير من بلدان إفريقيا وأميركا اللاتينية المعتمدين في الجزائر وجمع غفير من الصحفيين خص المخرج رشيد بوشارب «البيان» بهذا الحوار: ـ في كل أفلامك التي أخرجتها هناك فكرة الذهاب والإياب فما هي خلفية هذا الهوس؟ ـ بالفعل حركة الذهاب والإياب موجودة في أفلامي كلها تقريبا، وأعتقد أنهما يعكسان حالتي ووضعيتي الإجتماعية، فأنا مهاجر ومغترب منذ 35 سنة رفقة عائلتي في فرنسا واليوم أعيش في نيويورك، وهي غربة أخرى. هذا الموضوع الذي أعيشه داخليا يهمني جدا وأظن أنه يهم الآخر. ـ في فيلمك الأخير السنغال الصغير تنجز عملا بعيدا عما يحدث في بلدك الجزائر ليس له أية علاقة بواقع الجزائريين، فما الذي دفعك إلى الاهتمام بقضية الأفارقة الذين هاجروإلى أميركا. ـ لقد عالجت في أفلامي السابقة قضايا مرتبطة أشد الإرتباط ببلدي تعرضت فيها للجذور وتقاطع الثقافات بيننا وبين أوروبا. وفي السنغال الصغير أردت أن أعطي مفهوما وبعدا إنسانيا للسينما انطلاقا من كوني إفريقيا، وهذه ليست المرة الأولى التي أطرح فيها مثل هذه القضايا الإنسانية، ففي غبار الحياة تحدثت عن أطفال الفيتنام. أعتقد أن اللون لا يهم وإنما هذه الحرارة والمواقف التي تدفع إلى التأمل والمكاشفة. ـ كيف جاءتكم فكرة الفيلم؟ ـ كما قلت لكم هو ليس فيلما عن الجذور والهوية وإنما هوصورة تعكس هذا اللقاء بين إفريقيا وأميركا السوداء. لقد عشت سنوات في أميركا واحتككت بشوارعها الفقيرة التي يقطنها الأفارقة وعرفت الكثير عن هؤلاء المهاجرين ومعاناتهم، أردت أن ألخص هذا كله في السنغال الصغير وتسليط الضوء عن العلاقة المتشنجة بين أجيال بكاملها . أنا مخرج أسافر كثيرا وتستقطبني القضايا الإنسانية المستعصية ولا أريد أن أنغلق على ذاتي أحبذ الانفتاح على الآخر وتجاوز حدود الوطن. ـ نلتمس في فيلمك الأخير مسحة تشاؤمية. فالبطل علون بعد عثوره في نيويورك على سلالة العائلة التي هاجرت من السنغال إلى أميركا يعود في المشهد الأخير خائبا نوعا ما. ما رأيك في هذه القراءة ؟ ـ الفكرة الرئيسية التي يدور حولها الفيلم هي الرق أتكلم بكثير من الشفافية عن المجموعات البشرية التي هجّرها الرجل الأبيض من إفريقيا باتجاه أميركا، وحاولت أن أبحث عن الروابط الثقافية التي توجد بين الأميركيين السود وماضيهم، هذا الموضوع أعتبره تراثا عالميا. أقاسمكم هذه القراءة غير أن ما أريد الإشارة إليه هو أن البطل علون سافر بقيمه وعاد بقيمه أيضا وهذه صورة عن ذات إفريقيا في أعمق معانيها. ـ من جماليات الفيلم نجد الموسيقى التصويرية التي قام بإنجازها الموسيقي العالمي صافي بوتلة، ونلاحظ أن في كل أفلامك تتعامل مع جزائريين، لماذا هذا الاختيار؟ ـ هناك أيضا المصور العالمي يوسف صحراوي الذي رحل عنا قبل سنتين وكنت تعاملت معه في غبار الحياة. أردت أن أقول بأن الجزائر تمتلك طاقات ومواهب متميزة أكثر تميزا من الأوروبيين، وأرى هذا الاختيار صائبا، فبوتلة هو موسيقي موهوب وأعماله عالمية. ـ تم ترشيح فيلم غبار الحياة في 1998 لأوسكار، أحسن فيلم أجنبي. كيف عايشت هذا النجاح؟ ـ كانت لحظات مهمة في مسيرتي الفنية. فليس هينا أن تختارك أكاديمية فنون وعلوم السينما بأميركا وترشحك أسماء كبيرة في الفن السابع. ـ حسب رأيكم لماذا السينما الجزائرية تعيش وضعا مأساويا ؟ ـ أعتقد أن الدولة الجزائرية غابت عن الساحة ولم تساير الأوضاع بالشكل اللازم، واليوم أكثر من أي وقت مضى، عليها أن تدعم قطاع السينما كما تفعله دول أوروبا. وربما تطلب الأمر إنشاء هيئة تشرف على انعاش القطاع. والأكيد بعدها أننا سننجز أفلاما رديئة وأخرى جيدة ولكن الأهم أن يكون هناك سينما. وحسب ما ألاحظه أنه لا توجد إرادة حقيقية للنهوض بهذا القطاع الحيوي، الذي هُدمت بناه التحتية منذ مطلع الثمانينيات. ـ هل من السهل أن يكون مخرج من أصل عربي إسما كبيرا في أوروبا وأميركا؟ ـ بدون شك في سينما اليوم لا يهم أن تكون عربيا أوإيرانيا أو تايلانديا أواميركيا، فالمهم أن تكون مبدعا . والمقياس في المستويات الفنية العليا ليس الانتماء الجنسي ولكن المستوى الثقافي والفكري. بالنسبة لي لدي رصيد لا بأس به في المهرجانات التي شاركت فيها ككان وبرلين والبندقية، وإنشغالي اليوم هو أن انجز فيلما كبيرا ومهما.