الانطباع الذي ارتسم لدي من زيارة قصيرة لمقر المقاطعة المثخن بالضربات والقذائف، ومن محادثتي المطولة مع ياسر عرفات، ومن ردود الفعل الكثيرة على المقابلة التي أجريتها معه في صحيفة «هآرتس»، هو ان ارييل شارون قد نجح بالفعل في تحويل الزعيم الفلسطيني الى شخص خارج اللعبة وغير ذي صلة، قبل اكثر من سنة تقريبا فقط كان صدور تصريح عن عرفات (في جهاز تسجيل) حول التزامه بمقترحات كلينتون ليتصدر جدول الاعمال خلال ايام كثيرة، واذا كان تصريح عرفات هذا بمثابة بالون اختبار فان لامبالاة المؤسسة الاسرائيلية ستدفع عرفات لتفجيره، عندما يتجاهل حزب العمل تصريحا استطاع حتى الآن ان يعرض عرفات لنيران كثيفة من جانب منظمات الرفض، فمن الممكن ان نتوقع تحقق نبوءة تراجعه عن أقواله هذه ذاتها. رئيس هيئة الاركان موشيه يعلون قال قبل مدة وجيزة ان المعركة الأهم تجري حول الوعي العالمي، عمليات تأجيل خطاب بوش والدعم الاميركي الصامت للعمليات العسكرية الاسرائيلية وضبط واشنطن لنفسها في قضية المواقع الاستيطانية غير القانونية هو برهان على ان شارون يحقق نجاحات كثيرة في هذه المعركة، رد فعل المؤسسة السياسية والأصح غياب رد فعلها يشير الى ان يد شارون هي العليا في الوعي الاسرائيلي ايضا. (الارهاب) أدخل الى هذا الوعي أنماط تفكير خرافية فوق عقلية على شاكلة الاعتقاد بأن الصراع يبدأ وينتهي في عرفات، وان إبعاده سيحل المشكلة، الفرح الذي برز في الشارع الفلسطيني أمام مشهد صور الاطفال الذين يتضرجون بدمائهم بشكل بشع لا يترك مكانا للتمعن في المجريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحدث هناك. شارون ليس وحده في معركة كسب الوعي الاميركي والاسرائيلي، ومن المشكوك فيه انه كان سيحظى بمثل هذا النجاح الكبير لولا مساعدة حزب اوسلو وايهود باراك على رأسه، عندما يتجول الزعيم السابق «لمعسكر السلام» هنا وهناك محدثا الجميع عن أكاذيب عرفات فمن الذي يكترث ان نفس شارون الذي يعد الفلسطينيين بتقديم «تنازلات مؤلمة» يقوم في ذات الوقت بالمصادقة على تمويل حراسة أكثر من 60 موقعا استيطانيا غير قانوني (يوسي ساريد سأل شاؤول موفاز مؤخرا في لجنة الخارجية والامن اذا كان سيسمح للشرطة بحراسة نوادي القمار ودور البغاء بصفته «رئيس هيئة اركان غير سياسي»). العنف والاحتلال والضائقة والابعاد تلتهم كل شيء جيد وطيب في الحوار الجماهيري الشعبي، فماذا اذن اذا قال رئيس السلطة (واقواله نشرت في الصحافة الفلسطينية) انه يؤيد بيان المثقفين المناهض للارهاب.. حتى اذا أنشد ياسر عرفات نشيد «هتكفا» الوطني الاسرائيلي فسيقولون عنه في أحسن الاحوال انه غير ذي صلة، وفي اسوأ الاحوال سيقال ان اقواله زائفة، التركيز الاستحواذي المهووس على مصداقية عرفات يعتق حكومة اسرائيل والولايات المتحدة ايضا من الحاجة لاتخاذ قرارات شجاعة جريئة. من الأسهل عليهم اكثر الغاء تصريح عرفات من خلال القول «هل تصدقونه حقا؟»، من ان يتذكروا ان حكومة اسرائيل لم ترفض مقترحات كلينتون فعلا الا انها لم تصادق عليها بالمرة ايضا، من الأسهل عشرات المرات الغاء أقوال عرفات من خلال القول «هل تذكر ذلك الآن؟» على ان نصل حتى الصفحة 366 في كتاب جلعاد شير «في متناول اليد» جلعاد شير الذي كان رئيس طاقم باراك اقتبس أقوال رئيسه في النقاش الذي جرى في المجلس الوزاري في 27 ديسمبر حول أفكار كلينتون: «لست أنوي التوقيع على وثيقة تنقل السيادة على الحرم الى الفلسطينيين»، جلعاد شير نفسه كتب في الصفحة 361 ان «كلينتون اقترح ان يكون الحرم الشريف - الساحة والمساجد الموجودة عليها - تحت سيادة فلسطين». الكذب الذي صرح به كلينتون في تلك الايام «(لم أُقم علاقات مع هذه المرأة») لم يؤثر على مصداقية شهادته بشكل سيء في قضية محادثات كامب ديفيد، حقيقة ان شارون لم يقل الحقيقة لمناحيم بيغن وهو يتوجه لشن الحرب التي أسقطت مئات القتلى لم تكن عائقا أمام وصوله الى رئاسة الوزراء، من الممكن جدا ان يكون عرفات قد مارس الخداع على العالم كله، وان المقابلة التي أجريتها معه في المقاطعة لم تهدف الا الى تخليصه من الابعاد، ولكن ماذا اذا كان في ثنايا هذه المقابلة ذرة من احتمالية ايقاف دائرة الدماء من اجل التوصل الى تسوية تقوم على دولتين، وحل مشكلة اللاجئين خارج حدود اسرائيل؟ عن «هآرتس»