يحن جونتر جراس الفائز بجائزة نوبل للأدب الى اولئك السياسيين الاشتراكيين الديمقراطيين الاوروبيين، مثل ويلي برانت، الذين لم يتحالفوا بشكل آلي مع الولايات المتحدة الاميركية، ويقول جراس بصوت عال وحازم يعكس حكمة بسنواته الخمس والسبعين «ان ما ينقصنا هم السياسيون ويضيف في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات كان لدينا في اوروبا برونوكرايسكي في النمسا، وويلي برانت في المانيا، واولوف بالمه في السويد، وجميعهم سياسيون متميزون وقادرون على التعبير عن آراء بعيدة كل البعد عن الخط الاميركي وكانت الولايات المتحدة مضطرة للقبول بذلك فعندما حدثت الثورة في البرتغال حاولت الولايات المتحدة وخصوصا وزير خارجيتها دكتور هنري كيسنجر تقديم بعض التلميحات بتدخل عسكري بحجة التهديد الشيوعي لكن كرايسكي وبرانت وبالمة أقنعوهم بالتخلي عن هذه الفكرة واليوم ينقصنا سياسيون من ذلك النوع». ويعارض جراس الستين مثقفا اميركيا الذين برروا تحت شعار «لماذا نناضل؟» سياسة بلادهم مشيرا الى ان النضال ضد الارهاب بالنسبة له لايفضي الى شيء حتى انه في الولايات المتحدة لايمكن التساؤل حول «اصول الارهاب» لان ذلك محرم، لان الجواب هو اساءة المعاملة والازدراء حيال بلدان العالم الثالث وسيطرة الدول الغنية والحقد الذي يتولد منه الارهاب. وبالاشارة الى ويلي برانت لابد من التذكير بانه في اوقات الصراع بين الشرق والغرب سيطرت على الاجندة السياسية فكرة اولية تفيد بان الصراع بين الشمال والجنوب كان سيكون الاهم، لذلك اقترح برانت سياسة داخلية عالمية، وحث على نظام اقتصادي جديد يقوم على المساواة في الحقوق بالنسبة للعالم الثالث والبلدان الصناعية. كما يعارض مؤلف جونتر جراس صراحة نشاط بوش العسكري، حيث يقول ان نظام حركة طالبان هو نظام رهيب لكن هناك انظمة كثيرة رغيبة في العالم على سبيل المثال النظام العسكري الحاكم في ميانمار مع ذلك لا يخطر ببال احد ان يتدخل عسكريا هناك ومع العلم بان الضحايا دائما هم من المدنيين الا ان هذا النشاط العسكري لا ترافقه حملة انسانية او معاملة اكثر عدلا لبلدان العالم الثالث بدءا من شطب الديون التي تثقل كاهل هذا العالم أما مهاجمة العراق فلن تحظى بأي تبرير قانوني ومع انه ليس مع الرئيس العراقي الا انه يرى ان الولايات المتحدة لا تملك الحق في الاغواء بالحرب مقسمة العالم الى ابيض وأسود اي بلدان خيرة واخرى شريرة. وينتقد جراس استكانة اوروبا امام دور البطولة العسكري الذي تمارسه الولايات المتحدة في جميع هذه النزاعات كما هي الحال في كوسوفو حيث كان ضروريا التدخل المسلح وحيث تركت القيادة للولايات المتحدة وشنت هناك حربا هوجم خلالها مدنيون بصواريخ من المفترض انها تتمتع بقدرة فائقة على التصويب ومع ان القيادة بيد الولايات المتحدة الا ان جميع اخطاء حرب البلقان تحملتها اوروبا اذ اعلن ان الحكومة الالمانية هي المسئولة واعترف هانز ديتريش جينشر وزير خارجية المانيا حينها بكرواتيا بشكل احادي ومن دون الحاجة الى القيام بذلك ومن ثم اعترفت فرنسا بصربيا وانطلقت من عقالها عملية رهيبة لم تنته بعد، لا احد ينكر ان الولايات المتحدة لديها الحق في الدفاع عن نفسها من الارهاب وان لديها امكانيات كافية لتفعيل اجهزة استخباراتها لكن يجب اخذ اجراءات مناسبة لسحب البساط من تحت قدمي الارهاب في المدى الطويل وذلك بتثبيت نظام عالمي جديد، فطالما يحافظ على تبعية بهذا الشكل من جانب دول العالم الثالث فسيكون هناك الشعور بخيبة الامل الذي يشكل مصدر الحقد، وسيبقى التطرف والارهاب. وعند مناقشة المسئوليات عن الهجوم على برجي المركز التجاري العالمي في 11 سبتمبر فان جراس يتهم الولايات المتحدة وجميع الدول الغنية التي يؤكد انها لم تسمع تحذيرات اشخاص مثل ويلي برانت وتناقش مسألة تخفيض ديون بلدان العالم الثالث في مؤتمرات ومؤتمرات وفي النهاية يندهشون من التوقف عن الاعجاب المبدئي بالعالم الغربي ويقول «اني لست مضطرا لتكرار ان علينا ان نمتن كثيرا للولايات المتحدة فزصدقائي الاميركيون الذين ينتقدون بلادهم الآن، لايستطيعون القيام بذلك عمليا، لانهم يشهرون بهم فعندما قالت سوزان سونتاج بعد هجمات نيويورك وواشنطن مباشرة انه يتعين علينا ان نسأل انفسنا لماذا يحقدون علينا بهذا القدر وكان سؤالا شرعيا اتهموها بدون تردد بخيانة الوطن مما يحول دون أي تأمل حول الاسباب التي ادت الى الاعتداءات تلك. ويبدي جراس قلقا خاصا حيال اللون السياسي الآخذ بالسيطرة على القارة الاوروبية ويقول ان الانعطاف باتجاه اليمين يدعو الى التخوف حقا كما هو خطر ايضا ذلك الاسلوب في فهم اوروبا على انها قلعة ويجب تحصينها في مواجهة العالم الثالث لان ذلك سيوجد عقلية مغلقة كالقلعة نفسها والحساب في مثل هذه الحالات تدفعه الديمقراطية دائما. ـ ما هي باعتقادك الاسباب الكامنة وراء تقدم اليمين المتطرف؟ ـ ربما ذلك مرتبط بان الاحزاب الديمقراطية واليسارية والمحافظة لاتملك الشجاعة في معالجة كيفية الرد على مشكلات مثل الهجرة او البطالة. وبسبب الخوف من خسارة الاصوات الانتخابية طابقت هذه الاحزاب نفسها مع ذرائع العنصريين. ـ انك تقوم بحملة في سبيل اعادة انتخاب شرويدر في 22 من سبتمبر المقبل كيف تستطيع الدفاع عنه في حين اراد شرويدر على سبيل المثال ان يفرض عقوبات على بلدان العالم الثالث التي لا تسيطر على حدودها بطريقة افضل لمنع الهجرة باتجاه اوروبا؟ ـ انظر انني لا اتفق مئة بالمئة بالآراء مع شرويدر ولا حتى اتفق مع نفسي مئة بالئة فهناك اشياء كثيرة انتقده فيها وهو يعرف ذلك لكن بشكل اجمالي ادهشني فأنا كنت مع اوسكار لافونتين لكنه خيب املي مثلما فصل من الحزب اما شرويدر فلقد نما في منصبه مدعوما من قبل وزير خارجيته جوشكا فيشر وفرض على المحافظين قوانين ايجابية بدءا من قانون المواطنة الجديد وحتى التخلي عن الطاقة النووية وفي المقابل هناك امور اخرى انتقدها مثل تعبير «التضامن اللامحدود» تجاه الولايات المتحدة اعتقد ان كلمة «لا محدود» زائدة فأنا لا اعد حتى افضل صديق لي بأني سأكون متضامنا بشكل لا محدود معه. ومؤلف «طبل الصفيح» لا يروق له الحديث حول النصوص التي يعمل بها لكنه في المقابل يحكي ان لديه ميول كثيرة، وانه منكب الآن على النحت وازواج الراقصين المصنوعة من القمار. ـ ألا تفكر في كتابة مذكراتك مثل جابرييل جارسيا ماركيز؟ ـ لا فأنا لا اريد ان اكرس نفسي لصنف ادبي يجب الكذب فيه منذ البداية. عن «الموندو» ـ اسبانيا