الشاب خالد نفسه، هو الذي تحدث بعربية وفقاً للدارجة الجزائرية، عندما تحدث اليه بالفرنسية أحد المترجمين مفتتحاً المؤتمر الصحفي الخاص عبر الهاتف الذي أقامته مساء أمس، للصحفيين ادارة مركز الشرق الأوسط الاردني للثقافة والتطوير الذي ينظم تظاهرة «سوق عكاظ». وفي الأصل فقد أقيم المؤتمر للجنة الإعلامية لسوق عكاظ التي تضم صحفيين من اليوميات الاردنية الناطقة بالعربية والانجليزية وبهدف الرد على ما يطلق عليه في جاري العادة محلياً، الصحف الصفراء التي أثارت لغطاً حول مشاركة الشاب خالد (ملك الراي) في فعاليات السوق فيحيي حفلة جماهيرية غنائية مساء الخميس في الثامن عشر من الشهر الجاري. فصاحب أغنية «عبدالقادر» قد غنى بصحبة مغنية اسرائيلية في الكولوسيوم في قلب العاصمة الايطالية روما أثناء حصار مخيم جنين بدبابات الاحتلال وفي حضور وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز والمسئول الفلسطيني محمد رشيد. الصحافة الاسبوعية لم تقف عند هذا الحد بل تساءلت عن مصادر التمويل التي تتلقاها مؤسسة غير ربحية، هي مركز الشرق الأوسط الاردني للثقافة والتطوير، تقيم مهرجاناً تدعو اليه فنانين عرباً عالميين من طراز الشاب خالد وسيمون شاهين الأمر الذي أوضحته ايمان الهنداوي المديرة التنفيذية للمركز ان الجهات الداعمة هي جهات حكومية اردنية وشبه حكومية وكذلك مؤسسات خاصة في نفي مبطن لأية شبهة بالتمويل الاجنبي الأميركي أو غير الاميركي. ولعل ما يؤكد ذلك ان من عادة المهرجانات في الاردن، تحديداً التي تقام في الصيف، دعوة مطربين عرباً وأجانب كبار بهدف استقطاب جمهور يبذل مالاً من غير حساب هو وجمهور الفلسطينيين الذين ظلوا في أرضهم عام 1948 والذي هو، أي الجمهور، يسمى في الصيغة الرسمية للخطاب العربي «عرب اسرائيل». على أية حال فإن اللحظات الساخنة من الحوار عبر الهاتف مع الشاب خالد كي يلجأ فيها الى اللغة الفرنسية رغم انه لم يكن شديد الانفعال بل أقرب الى ان يعبر عن نفسه بصورة أكبر منها بالدارجة الجزائرية.. الشاب خالد هو الذي قال انه غنى «دويتو» بصحبة مغنية اسرائيلية في روما وفي حضور شيمون بيريز والمسئول الفلسطيني محمد رشيد بعد ان غنت تلك المرأة بصحبة مغن فلسطيني قال الشاب خالد ان اسمه نبيل، ربما نبيل خوري لكن ما من أحد يؤكد أو ينفي. وقال انه ضمن الأغنية الوحيدة التي قدمها مع المغنية الاسرائيلية من أصل يمني أغنية «مَيهفٍة» الاميركية ذائعة الصيت في الستينيات. ولما سئل عن أسباب ذلك قال: كان الهدف تقديم صورة أخرى للفلسطينيين للرأي العام الغربي مفادها ان العرب جميعاً لا يفجرون أنفسهم فقط، بل ان من بينهم دعاة سلام.. قال ايضاً بالعربية: «مانيش سياسي، أنا مغني ما عندي جيش أغني للحرية والسلام والمحبة». وعلى عادة غير مثقف عربي من المقيمين في الغرب والذين شعروا بالحرج اثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي على بعض رموز الامبراطورية الاميركية فقد احتاج الشاب خالد الى غطاء فلسطيني هو تبريري أكثر منه منطقي فانتقل الى الحديث عن لقائه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في جنيف العاصمة السويسرية، أو في باريس، فتحدثا معاً عن مشروع اقامة حفل خيري جماهيري واسع في غزة، مشيراً الى ان الصحافة العربية قامت بتحريف كلامه فقالت انه صافح «اليهود». قال الشاب خالد ايضاً: مرت أربعون سنة، ولم يقل خمسين أو قرناً من العذاب، من الحرب، ونحن لم نعش أعمارنا مؤكدا انه يود الغناء في غزة أو يود أن يمشي الى غزة حتى لو مر من عند «اليهود» لأنه سيغني في فلسطين من أجل الحب والناس وليس لأي سبب آخر وهو ما أكده الشاب خالد صارخا. ويبدو ان التبرير الفلسطيني لغناء الشاب خالد في روما بصحبة المغنية الاسرائيلية التي وصفها بأنها من «دعاة السلام الاسرائيليين» لم يقف عند أبي عمار بل تجاوزه الى المؤلف الموسيقي والعازف الفلسطيني المعروف عالمياً والمقيم في أميركا سيمون شاهين فقال انه سيشارك معه في حفله الذي سيقام في عمّان في الثاني عشر من هذا الشهر، في ادخال الموهبة سيمون شاهين الرفيعة الى موسيقى الراي مثلما أشار الى ان شاهين أثناء ما أحيا خالد حفلا في لوس أنجلوس الشهر الماضي لفت نظره الى ان يتجنب الكثير من المسائل ذات الصلة بالصراع العربي الاسرائيلي في لقاءاته الصحفية. ولئن يتفهم المرء «الموقع الدولي» أو «العالمي» الذي ينظر منه الشاب خالد الى الصراع في فلسطين بوصفه عربياً مسلماً يعيش في الغرب في اللحظة الراهنة ولديه في الحسبان الكثير من تقديره بما فعلت وسائط الاعلام المرئية والمسموعة الغربية بصورة العرب وما أحدثته عليها من تشويه تبتز عبره الأوساط اليهودية المواطن الغربي باتجاه سلوك دولة الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين وما تقترفه من مجازر وتقتيل يومي بحجة «مكافحة الارهاب» فإن من الصعب ان يتفهم الشارع الاردني ان يتغنى الشاب خالد بصحبة مغنية «يهودية» ولو من أصل يمني من نشطاء السلام الاسرائيلي، أمام جمهور ايطالي ضم شيمون بيريز أثناء ما كان عدد قليل من الفدائيين الفلسطينيين تحاصرهم الدبابات في مخيم جنين وتحاصر ساكنيه، الأمر الذي انتهى الى مجزرة مروعة اندفن الناس فيها أحياء. في مثل هذا الظرف شديد الحساسية، حيث فقد اردنيون من أصل فلسطيني كثيرون أقارب لهم أو أصدقاء أو معارف اثناء هذه الانتفاضة، وحيث مقاطعة البضائع الاميركية على أشدها، من العسير تقبل ان يغني أي عربي أو حتى فلسطيني من فلسطينيي العام 1948 بصحبة أي داعية سلام اسرائيلي في نشاط مشترك حتى لو كان غناء عن الحب والسلام. أيضاً ما أثار حنق أحد الصحفيين في المؤتمر الصحفي مع الشاب خالد ان الذريعة الفلسطينية لم تكن مقنعة، فالسيد محمد رشيد ليس مروان البرغوثي أو أحمد سعدات. والارهابي شيمون بيريز ليس يوسي ساريد في الأقل، جنرال الحرب ذاك المعروف بانتهاكه والارهابي روفائيل ايتان بقتل الأسرى من الجيش المصري عام 1967 فقط من أجل التخلص من حمولة فائضة من البشر. على أية حال، وبسبب الظرف الصعب نفسه، فإنه ليس في مزاج أحد اتهام أياً كان بالخيانة أو التطبيع بل ما من أحد يفترق عن الشاب خالد في الرأي بأن كل الفلسطينيين وكل العرب طلاب حرية، ليست آخر أدواتها العمليات الاستشهادية، ودعاة السلام عندما يكون الأفق السياسي قادرا على احترام تضحيات شعب بأكمله واحترام حقوقه في العيش على أرضه تحت الشمس، غير ان الشاب خالد نفسه بدا «مستشرقاً» بالنسبة للصراع العربي الصهيوني وان ثقافته الموسيقية الرفيعة حقاً لم يتم تجاوزها لديه الى معرفة شيء من التفاصيل الضرورية التي تعين على تقديره دقة الظرف وبدافع شخصي يتعدى الاحساس بالألم الفلسطيني الى ما يتعرض له من مؤامرة، فيما لا أحد يمد له يد العون الحقيقي، عرباً أو غير عرب في محنته ليكون موقفاً معرفياً يبادر اليه دون حاجته الى ذريعة فلسطينية أو غطاء فلسطيني.. أغلب الظن ان الشاب خالد قد أخطأ التقدير.