حديثنا اليوم عن امرأة كان لها دور كبير في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالرغم من ان موضوع هذه الحلقات الرجال، الا اننا لا نستطيع ان نغفل دور هذه المرأة الفاضلة وجهودها في نشر السنة، فإنها قد فاقت كثيرا من رجال عصرها في هذا المجال، وقد كان الرجال يقفون ببابها يسألونها عن أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعلمون منها. تلكم هي أمنا أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت أبي بكر الصديق، العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب صلى الله عليه وسلم وزوجته، أفقه نساء الأمة على الاطلاق. أبوها خير البشر بعد الانبياء والرسل، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليله، ورفيقه في الغار، وأمها أم رومان. ولدت قبل الهجرة بثماني سنين. وتحدثنا كتب السنن والسير بأنه لما ماتت السيدة خديجة رضي الله عنها جاءت خولة بنت حكيم فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ قال: ومن؟ قالت: ان شئت بكرا وإن شئت ثيبا؟ قال: من البكر ومن الثيب؟ قالت: أما البكر فعائشة بنت أحب الخلق اليك، وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك. قال: اذكريهما علي. قالت: فأتيت أم رومان فقلت: يا أم رومان ماذا ادخل الله عليكم من الخير والبركة. قالت: ماذا؟ قالت: رسول الله يذكر عائشة. قالت: انتظري فإن أبا بكر آت. فجاء ابو بكر فذكرت ذلك له، فقال: او تصلح له وهي ابنة اخيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أخوه وهو أخي وابنته لي. وقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من الله تعالى فإنه أريها في المنام ثلاث ليال يقول له الملك: هذه امرأتك. وفي رواية: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. كانت عائشة امرأة بيضاء جميلة، لذا كان يقال لها الحميراء، لم يتزوج النبي بكرا غيرها ولا أحب امرأة حبها، وكان لها منزلة خاصة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الامام البخاري ان عمر بن العاص سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب اليك يا رسول الله؟ قال: عائشة. قال فمن الرجال؟ قال: أبوها. وهذا خبر ثابت، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا، فأحب افضل رجل في أمته، وأفضل امرأة، ومن ابغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حري ان يكون بغيضا الى الله ورسوله. فضائلها: ورد في فضلها رضي الله عنها أحاديث كثيرة ففي الحديث المتفق على صحته ان أنسا رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. ولعائشة خصائص اختصت بها دون نساء البشر، فقد روى أبو بكر الآجري باسناد جيد عن عائشة انها قالت: لقد أعطيت تسعا ما اعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران، لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حتى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا وما تزوج غيري، ولقد قبض ورأسه في حجري، ولقد قبرته في بيتي، ولقد حفت الملائكة ببيتي، وإن كان الوحي ينزل عليه وإني لمعه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما. اتهمها المنافقون في شرفها فأنزل الله براءتها من السماء بقرآن يتلى ويتعبد بتلاوته الى يوم القيامة، وتوعد الذين اتهموها بعذاب أليم. وأخذت رضي الله عنها علما كثيرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اخرج ابو نعيم في حلية الأولياء باسناد رجاله ثقات عن عروة بن الزبير قال: لقد صبحت عائشة ـ وهو ابن اختها أسماء ـ فما رأيت احدا قط كان اعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروي له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: يا خالة، الطب من اين علمته؟ فقالت: كنت امرض فينعت لي الشيء، ويمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه. وقد حفظت رضي الله عنها جملة كبيرة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكان الصحابة والتابعون يسألونها فتفتيهم وتحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين، ويبلغ عدد الاحاديث المروية عنها بالمكرر 2210 أحاديث مبثوثة في كتب السنن والمسانيد. قال ابن شهاب الزهري: لو جمع علم الناس كلهم وعلم أمهات المؤمنين لكانت عائشة أوسعهم علما. استأذن ابن عباس بالدخول عليها في مرض موتها فأذنت له، فدخل عليها فقال لها: أبشري فوالله ما بينك وبين ان تلقي محمدا والأحبة إلا ان يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم اليه، ولم يكن رسول الله يحب الا طيبا. توفيت رحمها الله تعالى سنة 58 هـ وبعد عمر قضته في طاعة الله تعالى وتبليغ شرعه وسنة رسوله. ألا هكذا فلتكن النساء. د. صالح يوسف معتوق