بحلول الليل على جبال البيرينيه جنوبي فرنسا، تذهب مجموعة من العلماء الى العمل في مرصد غير عادي، فبدلاً من التقاط الضوء مثل تليسكوب تقليدي، يقوم مرصد تيميس لأشعة غاما بتعقب أشعة غاما عالية الطاقة من أعماق الفضاء. والتقاط هذه الأشعة يعتمد كلياً على الطقس لأن العلماء يبحثون عن ومضات ضعيفة جداً من الضوء الأزرق التي لا يمكن مشاهدتها إلا في ليلة مظلمة خالية من ضوء القمر. وهذه الأضواء الزرقاء تعني ان أشعة غاما قد دخلت الغلاف الجوي للأرض بعد ان قطعت ملايين السنوات الضوئية عبر الفضاء. يقع مرصد تيميس وسط مراع للأغنام في جبال البيرينيه وعلى ارتفاع ألف و700 متر عن سطح البحر. وإذا جئت الى هذا المكان بالصدفة في طريقك الى بلدة فونت رومي الفرنسية الصغيرة، فإنك ستكون على موعد مع مفاجأة مذهلة، فبرج مرصد تيميس الذي يرتفع بعلو 100 متر يعتبر مهيباً بما فيه الكفاية حتى بدون المنظر الرائع للمرايا العملاقة المرتبة حوله والتي يبلغ عددها 168 مرآة. وهذه عبارة عن «هيليوستات» أدوات تعكس أشعة الشمس في اتجاه واحد مصممة لكي تتبع الشمس في السماء، ولم يكن الهدف منها أبداً أن تتبع النجوم وذلك لأن مرصد تيميس بني في الأصل كمحطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية. بدأت قصة تيميس الاستثنائية في السبعينيات عندما كانت شركة الكهرباء الفرنسية تبحث عن بدائل للوقود الاحفوري في وقت كانت أسعار البترول عالية. وكان اغراء الحصول على كميات غير محدودة من الطاقة الرخيصة من الشمس قوياً بحيث لا يمكن تجاهله، ولهذا عملت شركة الكهرباء الفرنسية مع المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي لبناء محطة كهربائية تجريبية. وكانت الفكرة تقتضي قيام المرايا بمتابعة الشمس عبر السماء وعكس أشعتها الى قمة البرج، حيث تقوم بتسخين مخزون من الملح المذاب. وكان هذا من شأنه ان ينتج ما يكفي من البخار لتشغيل مولد كهربائي وتزويد الكهرباء للمستهلكين الفرنسيين. وعلى كل حال، كانت تلك هي الفكرة من وراء بناء المحطة. غير ان تيميس لم تتجاوز المرحلة التجريبية للأسف على الرغم من بنائها على واحدة من أكثر المناطق صفاء في الطقس في فرنسا. وبحلول الوقت الذي أصبحت فيه جاهزة للعمل في منتصف السبعينيات، كان سعر الكهرباء التي انتجتها عالياً جداً. وبحلول ذلك الوقت كان تيميس قد كلفت 28 مليون جنيه استرليني ولكنها لم تنتج سوى كمية ضئيلة من الكهرباء لكي تعتبر قابلة للتطبيق العملي. وفي عام 1984 جعل انخفاض أسعار النفط الطاقة الشمسية لا تعدو كونها بقية من مخلفات حلم الطاقة الخضراء (النظيفة) وتم على الأثر اغلاق محطة تيميس. غير ان القدر أراد لها ان تلعب دوراً غريباً.. ففي أواخر الثمانينيات، أصبح فيليب جوريت وهو عالم من وكالة الطاقة الذرية الفرنسية، مهتماً باستخدام تيميس كنوع غير عادي من المراصد الفلكية. وبدلاً من التقاط الضوء المرئي مثل التليسكوب التقليدي، فقد كان من المقرر ان تشكل مرايا تيميس جزءاً من تليسكوب غير عادي يدعى اختصارا باسم «سيليستي». ويقوم هذا التليسكوب بالتقاط أشعة غاما من اشعاع «سيرينكوف» الذي تكون في الغلاف الجوي للأرض. ويظهر اشعاع «سيرينكوف» على شكل ومضات من الضوء الأزرق تدوم خمسة أجزاء في المليار من الثانية ولا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة. وتحمل أشعة غاما التي تنتج اشعاع سيرينكوف قدراً هائلاً من الطاقة لدرجة انها تعتبر نادرة بدرجة كبيرة، ولا توجد هذه الاشعة على الأرض إلا داخل مسرّع للجزيئات، ولا تتشكل في الفضاء إلا بفعل الأجسام الفلكية الأكثر عنفاً. ولا تكون جميع أشعة غاما متساوية، فبعضها يتمتع بطاقة أكبر من الأخريات، ويقوم العلماء بقياس هذه الطاقة باستخدام وحدة تدعى «جيجا الكترون فولت» (جيف). ويمكن التقاط أشعة غاما بقوة 200 جيف أو أكثر من اشعاع سيرينكوف الذي تكونه باستخدام مجموعة صغيرة نسبياً من المرايا. أما تلك الاشعة ذات الطاقة الأقل (أقل من 15 جيفاً) فيمكن التقاطها في الفضاء بواسطة لواقط تدور حول الأرض على متن أقمار صناعية مثل تليسكوب انجريت (تلسكوب اشعة غاما التجريبي المتعلق بالطاقة) الذي سقط على الأرض في يونيو 2000. وقبل سيليستي كان العلماء يحتاجون الى لاقط كبير جداً لكي يعثروا على اشعة غاما ذات المدى المتوسط، وكانت مساحة المرايا المطلوبة أكبر بمئة مرة لأشعة غاما بقوة 20 جيفا من المطلوب لأشعة غاما بقوة 200 جيف، الأمر الذي جعل من شبه المستحيل، كما يقول رائد مشروع سيليستي ديفيد سميث، بناء لاقط جديد من الصفر. ويوضح ما جرى بقوله: «كان بناء تليسكوب سيرينكوف بمساحة ألف متر مربع من المرايا سيكلف حوالي 17 مليون جنيه استرليني، ولهذا قمنا باعادة تدوير محطة كهرباء قديمة تعمل بالطاقة الشمسية بدلاً من ذلك. وحصلنا على مساحة المرايا مجاناً ولكن كان علينا ان نجري تعديلات فنية لاستخدام شيء لم يكن مصمماً في الأصل لما نقوم به». بعد سنوات من العمل، رصد سيليستي أول مصدر له لأشعة غاما في عام 1998. ومنذ ذلك التاريخ مر العلماء في تيميس بالطقوس نفسها مرات لا حصر لها، وأحياناً كانوا ينتظرون أياماً بلا توقف من أجل اقتناص الظروف الملائمة. وعندما يكون هناك صفاء في السماء، يقوم العلماء بدخول البرج الاسمنتي المجوف ويستقلون المصعد الى مركز القيادة في القمة. ومن هذا المكان يقومون بتحريك المرايا لتسليطها على جزء مثير للاهتمام في السماء ويستخدمون الكمبيوتر لتحليل النتائج التي يتوصلون اليها. ضرار عمير