لو انك جمعت كل رسائلك العادية والالكترونية ومذكراتك وخزنتها على قرص سي دي ودفنته في كهف عميق، فان احتمالات استفادة شخص ما منها بعد الفي عام تبدو ضئيلة جدا ، لدرجة انك قد لا تعبأ بالتفكير في هذا الاحتمال اصلا. لكن قبل حوالي الف عام من الآن قامت بشيء مشابه جماعة من الباطنيين والمتشددين اليهود والمسيحيين الذين يعرفون بالايسينيين وكانوا مستقرين في تجمع سكني يعرف باسم «قمران» وتلك كانت محاولة واضحة ومتعمدة لترك سجل ابدي عن معتقداتهم للاجيال المستقبلية دون هؤلاء سجلاتهم على مئات اللفائف من ورق البردي والبرشمان واخفوها في شبكة متتابعة مكونة من 11 كهفا. بقيت تلك اللفائف هناك طيلة قرون الى ان اكتشفت اول لفافة منها في عام 1947 محدثة ثورة عارمة في علم الاثار والدراسات الانجيلية، وكان ذلك الاكتشاف مسئولا عن العديد من المجادلات السياسية الساخنة حول حقوق ملكية اللفائف ومن سيقوم بدراستها واذا حدث ذلك متى ستعلن نتائجها للملأ. وتتضمن اللفائف نفسها نسخا قديمة مما اصبح يعرف الآن بالعهد القديم الى جانب كتابات متنوعة اخرى ذات طابع ديني او باطني وهي مثيرة للجدل لانها تقدم رؤية بديلة متباينة لليهودية والمسيحية القديمة فعندما تم تحضير هذه اللفائف لم تكن أناجيل العهد الجديد الاربعة قد كتبت بعد ولم يثبت شكل الانجيل الا بعد قرنين من الزمان. ووجد الاكاديميون بين اللفائف مواد مختلفة جذريا عن النوع الذي تغطيه الدراسات الانجيلية بما في ذلك تفاصيل الكشف الباطني وطقوس التعويذات وخرائط الابراج الفلكية ومخططات تعيد صياغة نصوص مقدسة متنوعة في العهد القديم والعديد من الترنيمات الدينية وصفحات من مواد اخرى غير تقليدية دينيا لكن اللغز المستعصي لايزال: من بالضبط كتب هذه المخطوطات ولماذا خبأوها في تلك الكهوف؟ تشير الابحاث الى مئات النساخ المختلفين عملوا على المشروع على مدار عدة اعوام ولاتزال العلاقة بين الكهوف ومستوطنة قمران غامضة ايضا. ويمثل كتاب جديد بعنوان «لفائف البحر الميت» محاولة لتغطية موضوع اللفائف في كل الزوايا الممكنة فهو يتضمن معلومات تفصيلية حول تاريخ اللفائف وماذا يعرف عن كتابها اليوم، اضافة الى مناقشات لموضوعات ذات صلة باللفائف مثل تقنية التأريخ بالكربون والخلفية السياسية والدينية لمكان وزمان كتابة اللفائف. وبرغم وجود قائمة شاملة باللفائف المكتشفة لايتضمن الكتاب ايا من الترجمات المتوفرة حاليا لكنه يظل واحدا من اشمل الكتب التي نشرت حول هذا الموضوع الى الآن.