على الرغم من انه تم على مدى العقود القليلة الماضية ارساء تقاليد عريقة راسخة خاصة بما يمكن ان يسمى بثقافة التسوّق، الا ان تايوان لا تزال تفتقد عنصراً واحداً ، من عناصر هذه الثقافة يعد امراً متعارفاً عليه في غيرها من دول العالم من حولها هو مراكز التسوّق. هذه الفجوة الحضارية التي تعاني منها ثقافة التسوق التايوانية بدأت بردمها، مؤخراً، بافتتاحها أول سلسلة ضخمة من مراكز التسوق في تايبيه. والسؤال المطروح الآن يظل متعلقاً بما اذا كان هذا التوجه الذي بدأته تايوان يأخذ طريقه كتقليعة عابرة أم انه توجه اقتصادي معاصر تمت زراعته في جسد الاقتصاد التايواني لكي يحافظ على استمراره؟ هل يمكن ان تدرك مثلا ان الاقتصاد التايواني كان يمر بحالة من الانكماش الشديد في نشاطه التجاري لم يشهد مثلها من قبل وانت تراقب ألوف المتسوقين المحتشدين في مركز واحد فقط من المراكز التجارية الواقعة في قلب العاصمة التايوانية تايبيه. لكنه على اية حال المنظر الذي تعودت عليه تايوان في مناسبات عديدة منها افتتاح مركز «بريز سنتر» في الضاحية الشرقية من المدينة، الذي لم يمض على تدشينه شهر واحد حتى فتح مركز «كور باسفيك سيتي» العملاق الواقع على مسافة خمس دقائق فقط منه ابوابه في وجه موجة عارمة اخرى من المتسوقين وصلت الى 300 ألف زائر. الظاهرة التي تستقطب الاهتمام في تايوان، البلد الذي يلعب نشاطه التجاري دورا مهما على المستوى العالمي هو خلو تجربته الاقتصادية خاصة في تاريخها الحديث من هذه التقليعة الحضارية الغربية اليابانية «مراكز التسوق». أما تاريخ افتتاح اول مركز عرفته تايبيه فيعود الى سنة 1994، وهو مبنى كان مؤلفا في ذلك الوقت من سبعة طوابق ويشغل مساحة 20 ألف متر مربع وبعده بالقرب من مطار تشيانغ كاي شيك الدولي بجنوبي تايبيه تم افتتاح مركز تاي المؤلف من 220 طابقاً ليصبح بذلك أضخم مركز تسوق يرتاده أهالي جزيرة تايوان وزوارها. بعيداً عن كل تشهده تايوان من نمو سريع نحو اللحاق الاقتصادي بغيرها من الدول، حتى وان كان ذلك يتم بتبني ثقافات مختلفة تماماً يتطلب اقرارها نوعاً من التسهيلات اللازمة لإيقاع الحياة العصرية، يرى الكثيرون ومنهم فيكتور ليو رئيس مجلس ادارة هيئة تطوير المراكز التجارية ان التوجهات الاقتصادية الجديدة لبلاده لا يمكن النظر إليها باعتبارها ظواهر سلبية ويكفي كما يقول ان يظل نمو هذه الثقافة الجديدة مقيداً نحو جعل تايبيه تتبوأ مركزاً متأخراً بين الدول المجاورة لها فيما يتعلق بظهورها بوجه عصري حضاري. ان القوانين الحكومية المتعلقة بملكية الاراضي ظلت تعيق مبدأ التوسع في بناء مراكز للتسوق هنا في هذه الجزيرة. أحد القوانين الحكومية الاكثر عرقلة في هذا الصدد، كما يؤكد رئيس مجلس ادارة التطوير، هو القانون الذي ينص على عدم السماح باستخدام الاراضي المملوكة للاشخاص وتحويلها من أراض زراعية الى اراض يمكن استخدامها للأغراض التجارية. وعلى الرغم مما ادخلته الحكومة من تعديلات على بعض احكامه في سنة 1994 لاعتبارات تتعلق بمصلحة التطوير الصناعي والتجاري، إلا ان عوائق اخرى جعلت المشكلة تراوح مكانها اذ كان على المتقدمين ان يحصلوا على موافقة كل من الحكومة المركزية والمحلية على اذن للبناء يتضمن تنازلهم عن جزء من الارض المملوكة لهم للاستخدام العام ومنذ ذلك الحين لم يتقدم سوى 61 من هؤلاء الذين يرغبون في بناء مراكز تجارية جديدة ولم يتم اختيار اكثر من 39 منهم. الواقع ان النمط الذي يحتكر طويلاً مشهد الحياة الاستهلاكية في بلد مثل تايلاند لم يكن بعيداً عن التقليدية، المخازن الكبيرة أو المتاجر التنويعية على شاكلة «فار ايسترن ستور» المؤسسة الأقدم في تاريخ البلاد، التي فتحت ابوابها للمتسوقين في سنة 1967 لتبقى الوحيدة بلا منافس في سنة 1986، وهو العام الذي شهد افتتاح عملاق تجاري آخر هو «باسفيك سوجو ستور» ليتسنى للأخير تقديم نمط عصري في الحياة مستورد من دول كاليابان وغيرها على الرغم من تقليديته. السؤال ذاته عن الدور الذي تلعبه هذه المتاجر الكبيرة يطرحه اليوم تجار البيع بالتجزئة الأكثر تفاؤلاً بالدور الذي ما زالت تلعبه دون خوف من منافسة مراكز التسوق. وفيما تشهد تايوان موجة متلاحقة من تكدس مراكزها تشهد تايوان موجة متلاحقة من تكدس مراكزها الجديدة في كل مكان لا يرى هؤلاء في ذلك راديكالية تذكر حيث ان كل ما يرونه هو حاجة هذه المراكز الى التجديد عوضاً عن توسيع رقعة المساحة التي تحتلها من الاراضي التايوانية. وفيما تعج تايوان بمراكزها تبقى جودة ما تعرضه هذه المباني الفخمة من السلع مفقودة ومشكوك فيها من قبل المستهلك الاكثر ذكاء. ثقافة التسوق التايوانية الجديدة تجد أيضاً المدافعين عنها بقوة. ولتسليط الضوء على اهمية المشروع يقول ديفيد كو المسئول الاداري بأحد المراكز التجارية: «ان الدور الذي تلعبه المراكز التجارية يختلف تماماً عن الدور الذي تلعبه المخازن التقليدية الكبيرة حيث انها مصممة خصيصاً للوفاء باحتياجات نمط حياتنا المعاصرة الترفيهي واحتوائه. وبإمكانك ان تمضي يوماً كاملاً في احد هذه المراكز في الوقت الذي لا يمكنك ان تفعل الشيء ذاته في أي مخزن تقليدي قديم فيما تشكل الاسقف المرتفعة والممرات الواسعة مساحة خيالية لعرض السلع والمشتريات وأضف الى ذلك اننا نقوم بتزيين ممراتها بالنباتات والمساحات المزروعة والإضاءة لتجعلها قريبة من الشوارع العادية». وآخرون يقولون «ان هدفنا يتركز في المنافسة على توفير نمط حياة شبيه بنمط الحياة الأميركية مع تقديم خدمة على الطراز الياباني الراقي». جانب آخر من الأهمية يعتقد المدافعون عن فكرة بناء المراكز التجارية ان ما علينا ان نتعرف اليه هو ان مراكز التسوق تجتذب أنواعاً مختلفة من الأذواق التي يمتلكها المتسوقون ويمكنها أن تلبي احتياجاتهم المتنوعة بسهولة سواء كانت غذائية بإمكانهم ان يجدوها في المطاعم أو ترفيهية يجدونها في دور السينما وأماكن الجلوس والفسحة الكثيرة التي يطيل فيها المتسوقون الجلوس وحتى المساحات التي توجد فيها البنوك وشركات التأمين والمراقص المفتوحة على مدار الساعة مما يجعلها اماكن تعج بالحياة أو يجعلها من الجانب الآخر اماكن تبدو معها صناعة التسوق التايوانية كما لو انها في ساحة معركة يتواجه فيها عدوّان لدودان أحدهما المعاصرة وثانيهما التقليدية ممثلين في مراكز التسوق والمخازن الكبرى التي تسعى جاهدة الى تبني اداراتها سياسات تجميلية تطال وجه ثقافتها القديمة. مريم جمعة فرج