نحن نعيش في مجتمعات تعتبر أخبار الانجازات أخباراً أقل اثارة من الاخبار السلبية حيث يتعقب الجميع أي خبر قد يثير بعض التساؤلات غير المؤكدة، عن بعض الادوية المستعملة ولسنوات طويلة على مستوى العالم، إن أي خبر يظهر على شبكات الانترنت أو على صفحات الجرائد قبل ان يتم التأكد من صحته من قبل الجهات المتخصصة في المجال الطبي كمنظمة الصحة العالمية أو المعاهد الطبية التخصصية العالمية قد يتابعه العديد من الناس بالكثير من الشغف والاهتمام، إن المتتبع لمسيرة الرعاية الصحية الاولية وبشكل خاص الطب الوقائي يشعر بالكثير من السعادة والتفاؤل بمستقبل يحمل الخير والصحة للمجتمعات في دول العالم وبشكل خاص الأطفال. لقد انخفضت وفيات الأطفال بشكل ملحوظ في السنوات العشرين الماضية بسبب تطبيق برنامج اللقاحات على الاطفال، لقد تم استئصال مرض الجدري من العالم بعد ان كان يقضي على أعداد كبيرة من المرضى سنوياً وبفضل اللقاحات تراجعت حالات التهاب الكبد البائي المرض القاتل الذي كان هاجساً خطيراً يهدد شعوب العالم والعديد من الأمراض الأخرى القاتلة، وبفضل لقاح شلل الاطفال سجلت العديد من دول العالم على انها خالية من فيروس شلل الأطفال الذي كان يترك عشرات الآلاف من ضحاياه بحالة اعاقة مدى الحياة. الصحة للجميع لقد وضعت دول العالم أهداف الصحة للجميع بحلول عام 2000 خلال اجتماع عقد في نيويورك 1990 وضعت خلاله استراتيجيات تحسين الصحة، ولقد حضر الاجتماع حشد لم يسبق له نظير من أصحاب الاختصاصات الطبية في العالم وأصحاب اتخاذ القرارات الصحية على مستوى دول العالم، وكان برنامج اللقاحات من أولى أولويات هذه الاستراتيجيات التي هدفت الى تخفيض وفيات الاطفال واستئصال شلل الاطفال في العالم بأجمعه والسيطرة على مرض الحصبة الخطير وتحسين المستوى الغذائي لأطفال العالم والعديد من الأولويات الأخرى. لقد حمت اللقاحات حياة الآلاف من الأشخاص في كل دولة من دول العالم ورغم ان معظم الاطفال المحصنين لا يحدث لهم أي آثار جانبية تذكر إلا ان اللقاحات تحمل خطر حدوث بعض المضاعفات النادرة جداً والتي لا تبرر عدم اعطاء اللقاح لحماية المجتمعات، وهنا تتوارد الى ذهني الأخطار التي قد يحملها عبور أحدنا لأحد الطرق السريعة أو قيادة السيارة أو استعمال المصعد فكل هذه الاشياء قد تحمل معها أخطاراً محتملة لا نفكر فيها عند استعمالنا لهذه الاشياء الأساسية في حياتنا المعاصرة وان وجود احتمالات الخطورة من السفر بالطائرة لم يمنعنا من القيام بالرحلات السياحية لنجوب العالم ونقوم بالاستكشافات العلمية والبحوث. وسيلة آمنة قد يفكر قليل من الآباء بعدم تحصين أبنائهم بسبب خوفهم من المخاطر المحتملة الكامنة في عملية التلقيح أو بسبب اعتقادهم بأن مرضاً نادراً لا يحتاج الى تحصين الولد ضده إنما ولسوء الحظ متى انخفض عدد الأولاد المحصنين ضد مرض معين، يتمكن هذا المرض من الانتشار بسهولة وبسرعة فتقع الاوبئة، لذا فإنك عندما تحصنين طفلتك ضد مرض ما فأنت لا تحمينها وحدها فحسب، بل تساعدين على القضاء على ذلك المرض كلياً. إن التحصين عملية آمنة تماماً ومنذ تطبيق برنامج التحصين الموسع لحديثي الولادة والذي يطبق بكافة دول العالم والذي تم اعتماده من قبل منظمة الصحة العالمية والجهات الطبية المتخصصة عالمياً بأمور الطب الوقائي واللقاحات قد تم تطوير وانتاج العديد من اللقاحات الحديثة بما يكفي حماية الاطفال من أي أخطار جانبية أو انتقال المرض، فمثلاً ومن خلال القفزات الكبيرة في مجال هندسة الجينات تم تطوير لقاح التهاب الكبد البائي المحضر جينياً والذي يعتبر آمناً مئة بالمئة والذي استعيض به عن لقاح الكبد الذي انتج في أوائل الثمانينيات والذي كان يعتبر سبقاً كبيراً في مجال السيطرة على مرض التهاب الكبد البائي الخطير جداً وكان يتم اعداده من دماء المرضى المصابين بالمرض بعد ان يتم أخذ اللقاح من القشرة الخارجية للفيروس والتي تخضع فيما بعد لعمليات تعقيم وتطهير بحيث لا تسمح بانتقال الأمراض الى مستعملي اللقاح، ولقد تم ايضاً تطوير لقاح خاص بالتهاب الكبد الوبائي أو ما يسمى التهاب الكبد (أ) وهذا اللقاح يتم عن طريق زرع الفيروسات في مزارع خاصة ثم عزلها ومن ثم تقتل الفيروسات ثم تمر بعمليات التنقية والتعقيم وهذا يعني بأن اللقاح يتم اعداده بعيداً عن مرضى التهاب الكبد وبأنه آمن مئة بالمئة وهناك حاليا أنواع من اللقاح تم بها دمج لقاحي الكبد «أ» و«ب» بحيث يعطيان مع بعض ويضمان سهولة في اعطاء اللقاح. أنواع جديدة ولقد تم حديثاً استنباط نوع جديد من اللقاح الثلاثي يحوي على لقاح الدفتيريا ولقاح الكزاز ولقاح السعال الديكي اللاخلوي وهذا ايضاً يضمن سلامة الاطفال بشكل أكبر ولا يؤدي الى حدوث مضاعفات جانبية مثل الحرارة المرتفعة أو التشنجات والتي تحصل بشكل نادر أحياناً بعد اعطاء اللقاح الثلاثي المستعمل حالياً حيث ان لقاح السعال الديكي قد يؤدي في شريحة نادرة من الاطفال الى اعتلال الدماغ وهذا يعني بأنه يمكن اعطاء هذا اللقاح الجديد للأطفال الرضع مما يلاحظ لديهم حدوث بعض الأعراض الجانبية بعد أخذ اللقاح الثلاثي العادي وبشكل خاص في حال حدوث مضاعفات مثل ارتفاع الحرارة الشديد جداً أو حصول تشنجات شاملة للطفل. أخيراً ومع التطور العلمي والبحوث والدراسات الكثيرة التي تجرى في كافة انحاء المعمورة، عودتنا بعض الصحف ومن خلال الانترنت على سماع بعض الأخبار والفرضيات حول أحد اللقاحات وتزامن حدوث بعض الأعراض الجانبية له في فئة محدودة في مكان ما من العالم، وحيث ان مثل هذه الأخبار يجب ان تضبطها دراسات عالمية وفق أساليب علمية صارمة وبروتوكولات خاصة لضمان نتائج هذه الدراسات فإن الأخبار وهذا الجدل لا يلبث ان ينجلي وتهدأ العاصفة وآخرها حول مادة الثيوموسال والتي تستعمل كمادة حافظة بنسب صغيرة في بعض أنواع اللقاحات حيث ان استيراد اللقاحات وسلامتها تضمنه الجهات المختصة عالمياً والجهات المحلية المسئولة وهي تتبع أساليب ومعايير صارمة لضمان الجودة والسلامة، وحيث ان الجهات الدولية المعنية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية لم تعقب على هذا وبأن الموضوع هو مجرد فرضيات لا تدعمها أي دلائل علمية ثابتة، وحيث ان اللقاحات هي من أولى أولويات الرعاية الصحية الأولية للمجتمعات فإننا نجد بأن عجلة الزمن يجب ان تستمر وبأن الانجازات العظيمة للقاحات هي أكبر وأعظم بكثير من الفرضيات التي تقبل النقض بعض أشهر أو أيام. د. محمد صفوان موصللي اخصائي طب الاطفال والرضع