في ذلك الصباح الحار، كنت أقف عند حافة الضفة الغربية للنهر عند الأقصر، أرقب صعود قرص الشمس الجلي، الواضح، الصريح في ضوئه في سطوعه، رحلة الشمس من الشرق إلى الغرب. رحلة النهر من الجنوب إلى الشمال. كنت أقف في نقطة لا تزال إلى البكارة أقرب، لم ترتفع مباني الخرسانة بكثافة بعد، الحقول ممتدة والنخيل مائل، كنت أرقب شروق الشمس وأحاول أن أتمثل تصور الإنسان الذي عاش هنا منذ آلاف السنين غير مزود بمعارف العلوم الحديثة التي نعرفها الآن، والذي أعتمد أسلوب المراقبة والتتبع، وإيجاد التفاسير التي يستند بعضها إلى الملاحظة، وإلى الخيال الإنساني الذي يستمد عناصره من الواقع. الشمس تظهر من الأفق الشرقي في لحظة معينة جالبة معها الدفء، مبددة لقوى الظلام المثيرة للخوف، رمز القوى المجهولة المدمرة للحياة، الشمس تغيب في الغرب، بعد اختفائها يحل الظلام وتتوافد النجوم من السماء، هذه الحقائق الكونية التي تبدو بديهية الآن كانت مصدرا للتأمل القديم على ضفتي النيل وبالتالي إيجاد التفاسير والقصص المفسرة. الشمس تعبر من الشرق إلى الغرب، إنها تحبو في الفراغ الأزرق، تماما كما يبحر الإنسان من ضفة النهر إلى الضفة الأخرى. لذلك تخيل الإنسان قاربا يعبر بالشمس إلى الأفق الغربي، وقارب آخر يخوض بها بحر الظلمات، رحلة النهار تتكون من اثني عشرة ساعة، ورحلة الليل تتكون من اثني عشرة أخرى، وهذا ما يتضمنه كتاب «الخروج إلى النهار» المعروف خطأ بكتاب الموتى، والذي يتضمن العقبات التي يواجهها الميت لكي يصل إلى المحكمة الألهية التي يرأسها أو زير سيد عالم الغرب، عالم الموت والأبدية، أمام تلك المحكمة يتم وزن قلب الإنسان في كفة وفي الكفة الأخرى ريشة الحقيقية، ولو ثقلت الموازين بذنوبه يلقي بالقلب إلى المخلوقات المرعبة المتأهبة وهكذا يفنى الذنب في اللاوجود، أما إذا حسنت أعماله فإن يمضى إلى جنات خضراء، كان المصريون يسمونها حقول يارو، إنها حقول خصبة لا تعرف الأخطار أبدا، انها أرض ليس فيها أعداء. ميلاد الشمس تجدد للحياة، ومغيبها رمز للموت، للفناء، لذلك كانت القبور التي يطلقون عليها «منازل الحق» تقام في الغرب. أما مداخل المعابد فتواجه الشرق حيث مصدر الشمس، وإذا شيدت في الشرق تصبح محاذية لليل، لا تتعاقد عليه، كذلك شوارع المدن، تبدأ من الجنوب وتنتهي في الشمال، الوضع نفسه في البيوت، تواجه الشمال إلى حيث يمضى النيل، والشمال يطلقون عليه في مصر «بحري» وعند البناء يكون أفضل الأوضاع ما يواجه بحري، أي مصدر الريح الطيبة، واللينة التي تلطف الجو، وهبوبها في الصعيد مثير للراحة، ما يخيف هنا الرياح القادمة من الشرق، من الصحراء، والتي تعقبها أمطار تؤدي إلى حدوث سيول. الشمس لا تظهر دفعة واحدة، إنما تندرج في الظهور، كذلك في الغياب، يسبقها الشفق ويعقبها الغسق، وعند بزوغ القرص المستدير تطل على مهل، تصعد بطيئة حتى لكأنها لن تتحرك ، غير أنها تواصل الدورة الأبدية، التدرج عنصر مهم في فهم العمارة المصرية، ليس ما شيد منها في العصور الفرعونية، بل القبطية والإسلامية، لا يتم الدخول إلى المعبد المصري مباشرة، إنما لابد من تدرج. صعود بطيء، متمهل، يحاكي صعود الشمس عند الأفق، هكذا تبدو المعابد التي وصلت الينا في حالة جيدة، في أبيدوس، وفي الأقصر، وفي أدفو، ودندرة، لابد من قطع مسافة حتى الوصول إلى مدخل الدير البحري، أو دندرة، وعدما نجتاز العتبة الفاصلة، نلاحظ التدرج في القاعات، من الأكثر اتساعا إلى الأقل حتى ينتهي البناء في قدس الأقداس الذي لا يسمح إلا للملك وكبير الكهنة بدخوله، نلاحظ الصلة بين العمارة والكون، المدخل يواجه الشرق، أو نجم الشعرى اليمانية أي الشمال، وهذا النجم يعني ظهوره بدء الفيضان في الصيف. الأعمدة في القاعة الرئيسية التي لاتزال الأسبلة في معبد أبيدوس عددها أربعة وعشرون، أي ما يوازي عدد ساعات النهار والليل، الأسقف مزينة بالنجوم، ورمز السماء الألهة نوت التي تولد الشمس منها والنجوم، وفي الداخل ثمة فتحات تحقق الإضاءة الطبيعية، وتصل أعماق البناء بالكون الفسيح في المرحلة الأخيرة من مقبرة حور محب التي لم تكتمل توقفت متأثرا، متأملا في علامتين هما كل ما تركهما الإنسان هنا في تلك الغرفة العارية التي لم تغط جدرانها النقوش، السبب ربما يرجع إلى موت الملك قبل اكتمال منزل الأبدية، ما اثر في تلك العلامة التي وضعها أحد الكهنة أو الفلكيين أو المعماريين، والتي تحدد اتجاه الشمال، وعلامة أخرى تحدد إتجاه الغرب. في العمق، في آخر مرحلة من القبر تحت الأرض تظل الصلة محفوظة بالسماء، ليس معبداً الا حواراً مع الكون الأكبر، ملخص له، أنه قابل باستمرار للزيادة، ولذلك يمكن القول إنه ما من معبد اكتمل في عصر واحد، في زمن واحد، الكرنك شيد عبر مئات السنين ولم يتم،معبد سيتي الأول في أبيدوس أضاف إليه ابنه رمسيس الثاني، ربما إلى ذلك يرجع ذلك المعتقد القديم عند الناس في ريف مصر، إذ يظل أي بيت في الريف قابلا للزيادة، لو تم البيت فإن ذلك يعني نهاية أجل صاحبه وقرب رحيله الأبدي. في المساجد التي اكتملت فيها الرؤية المصرية، مثل مسجد السلطان حسن، ومسجد قايتباي، ومعظم المساجد التي شيدت في الزمن المملوكي، نجد التصميم المصري للبناء، المدخل الضيق المؤدي إلى دهليز متعرج يفضي إلى الصحن الفسيح، المكشوف، نعبره إلى الايوان الشرقي المتجه إلى مكه المكرمة، هنا المرحلة الأخيرة من البناء حيث الضريح إذا كان المسجد يضم المثوى الأبدي لصاحبه أو لأحد الصالحين، وفوق الضريح تقوم العتبة، العتبة رمز السماء، وآخر مرحلة تتمثل في المحراب الذي يتجه إلى بيت الله الحرام، في المساجد التي بناها المغاربة مثل الأزهر والحاكم والأقمر، أو الأتراك مثل محمد علي والسلحدار، لا يوجد تدرج، أو تمهيد، لا درج مؤد أو دهليز، إنما يصل الإنسان إلى الداخل مباشرة. التدرج، الترقي في الظهور، المراحل، أي الإنتقال من طور إلى طور، من لحظة إلى لحظة، من نفس إلى آخر، رؤية ماثلة في المعتقد المصري القديم، اساسها ظهور ومغيب الشمس، ولعل الهرم أقوى وأكثف معبر عنها، عن التدرج. بعد اكتمال الشروق، أدرت ظهري للنهر لقد جئت هذه المرة خصيصا إلى البر الغربي لكن بدايات النهار ونهاياته أقل حدة، أما الليل فإذ تهب النسمات خلاله فإنه يصبح أرق أو حتى، تنسمت رائحة الزرع، وتأملت أشجار النخيل والجميز، والدوم الذي بدأ ينقرض لقلة العناية بزراعته وللزمن الطويل الذي تستغرقه الشجرة حتى تثمر وتؤتي أكلها. قبل المغيب انتهت جلستي في شرفة البيت المطلة على النخيل الكثيف وما تبقى من معبد أمنحتب الثالث،، مضيت إلى الخارج بصحبة صديق عزيز يعيش في المنطقة، وقفت مدبرا للشرق، مواجهة الغرب، أقف بين النخيل،متطلعا إلى جبال القرنة. إلى الصحراء الممتدة خلفها، فوق السفوح المواجهة بيوت القرنة القديمة، ولا تزال مسكونة حتى الآن، تتداخل بيوت الأحياء بالمقابر القديمة، ومنذ منتصف الأربعينيات وجهود الدولة تحاول نقل السكان من المنطقة الأثرية، بدأت بالقرية التي بناها حسن فتحي، وعبر نصف قرن فشلت كل الجهود، حتى تلك التي تمت مؤخرا، عندما تم بناء القرنة الجديدة بعيدا عن مواقع الآثار، وبادر الشيخ محمد الطيب الزعيم الروحي للمنطقة شيخ الطريقة الخلوية وحفيد الشيخ الطيب الحساني الكبير، والشقيق الاكبر لمفتي الديار المصرية الحالي الشيخ الدكتور أحمد الطيب، بادر بالإنتقال، ونقل المسجد التابع له،ولكن لايزال الكثيرون يقيمون فوق المقابر الأثرية ويرفضون الابتعاد ! تتنوع الوان الجبل مع اقتراب الشمس من حد الأفق، تتحول الزرقة إلى صفرة، وعند حد معين تختفي الشمس، لكنها لا تغيب، تحجبها الصخور المرتفعة المطلة على وادي الملكات، ومدينة الحرفيين والفنانين وهناك، حيث تبدو تلك القمة التي تشبه القرن ومنها استمد المكان اسمه «القرنة» تكمن أبواب الملوك أو وادي الملوك، لكنني لا أتطلع إليه الآن، إنما تفكيري وتركيزي كله متجه إلى الشمس التي تختفي رويدا، رويدا، صحبني صديقي الخبير بالمكان إلى أكثر من موضع، إلى أحد الدروب التي تتخلل القرية الصغيرة المواجهة لمعبد رمسيس الثالث «هابو» إلى الحقول الممتدة صوب النهر، إلى وادي الملكات، تم ذلك في عدة أيام، ومما أزعجني ظهور بعض البيوت المبنية بالأسمنت والتي تخترق المشهد الجليل القريب من تمثالي أمنحتب الثالث، أتمنى أن تنجح الجهود لوقف تلك الاختراقات. من ضوء الشمس أعرف أن القرص غطى وراء حد الأفق، إذن أكتملت رحلة « رع » الذي كان يرمز إلى الشمس، وهنا نقطة دقيقة، لقد تصور المصريون «رع » على سبيل المثال في هيئة إنسان له رأس كبش، وظهور الحيوانات آثار الكثير من الأقاويل، لكن دراسات علماء المصريات الحديثة أثبتت أن هذه الحيوانات لم تكن إلا رموزا لظواهر كونية، أي أنها لم تقدس في حد ذاتها، بل اتخذت كرموز تيسير الفهم وتحديد المفاهيم، والمعروف أن للرموز درجة عالية من التفكير، حركة الشمس، ولادتها من الشرق، ورحيلها في الغرب، استدعى إلى ذهني رسماً مصوراً في منزل الأبدية لرمسيس السادس، وفي الممر الذي يلي الأوزيريون بمعبد أبيدوس، الرسم عبارة عن قرص مستدير، مثل الشمس، مثل القمر، مثل الكواكب، مثل الكون، تحيطه يدان لا يظهر صاحبها، هذا الرسم رمز للقوى المحركة للنجوم، للشمس، للأرض للحياة، أي أن المصريين القدماء أدركوا منذ البداية وجود قوة دافعة، محركة، خالصة وراء هذا الوجود، وأنه لم يأت من عدم، ولا عبر صدفة، أي أدركوا وجود الخالق جل وعز ورمزوا له طبقا لمفاهيم محددة وتصورات مستمدة من الواقع المعاين وهذا ما يجب أن ننظر إليه من خلال رؤيتهم وزمنهم، تماما كما حاولت عند رؤيتي للشمس أثناء بداية رحلته ذات نهار من نهارات هذه الدنيا قدر لي أن أشهده.