ليس غريبا ان تجد نفراً من أهل الديرة قد نذروا أنفسهم وجل أوقاتهم لخدمة شيء واحد هو النخلة وامثال هؤلاء نجدهم دوماً يتحدثون بفخر واعتزاز عن النخلة وكأنها أحد أفراد أسرتهم. والنخلة التي تملأ مساحة واسعة من أرض الدولة هي في الحقيقة جزء لا يتجزأ من المجتمع، ولذلك حباها أهل الديرة باهتمام أشبه بما يحظى به الأطفال. ويرى الآباء وكبار السن وغيرهم من المواطنين ان النخلة ما كان لها ان تبلغ كل هذه المكانة المرموقة لولا دورها العظيم في حياة الناس خاصة قبل اكتشاف النفط حيث عاش المجتمع حياة معيشية ضنكة. الوالد حارب سلطان سالم بن صروخ هو أحد رجال الديرة الذين قضوا جل أوقاتهم إلى جوار النخلة يغرسونها ويتعهدونها بالرعاية ويحصدون ثمارها. ويقول حارب بن صروخ: أهل المنطقة ينظرون إلى هذه الشجرة المباركة نظرة اجلال وتقدير بل نحس انها واحدة من أفراد الأسرة ولذلك يتملكنا حزن مفرط إذا ماتت نخلة أو سقطت على الأرض وكذلك الحال ينتابنا الفرح العارم بغرس شجرة جديدة.وفي منطقة فلج المعلا عاش الوالد حارب بن صروخ في مزرعة تعج بأشجار النخيل وهو يقول: بالطبع لا أذكر موعداً مؤكداً لولادتي ولكن عندما نهضت من المهد وجدت نفسي أعيش في مجتمع يعتمد على البدائية في تصريف شئون حياته، وان كان يغلب عليه الفقر وشظف العيش ومع ذلك فإن المجتمع كان يتسم بالترابط والتكاتف وخير مثال على ذلك رؤية الاطفال وهم يتأبطون الاطباق المملوءة بالأكل والحليب ليقدموها إلى الجيران خاصة وأهل الفريج عامة، وقبل التوجه إلى الدوام يطمئن الجار على حال جاره. وقبل مغيب الشمس أي بعد صلاة العصر تبقى صورة التآلف والترابط في المجتمع اكثر وضوحاً حيث يشكل أهل الفريج مجالس صغيرة يحتسون خلالها القهوة والشاي ويأكلون التمر. حول ما كان يدور من حديث في مجالس ما قبل مغيب الشمس يقول: كما ذكرت من قبل فإن المجالس كانت أحد مظاهر الترابط الاجتماعي التي يتمتع بها المجتمع في ذلك الوقت، وان غابت عن مجتمع اليوم بسبب الانشغال بالدنيا على نحو مزعج وفي مجالس الماضي كان المشاركون فيها لا يجدون حرجاً في طرح كل همومهم العامة والخاصة وذلك بدافع الرغبة في ان يشاركهم الآخرون الرأي حولها. حياة بدائية ويواصل حديثه قائلاً: الناس كانوا يعيشون حياة تعتمد على البدائية في أساليبها ومضامينها ويغلب عليها كسب لقمة العيش، فإن أكثر ما كان يسيطر على احاديث مجالس أهل الفريج هو العمل في مجال الزراعة والرعي وجمع الحطب، وكمثال على ذلك فإذا عانى شخص من مشكلة في ري مزرعته نتيجة مرض الثور الذي يدير اليازرة أو نفوقه فإنه يلجأ إلى مجالس ما قبل مغيب الشمس ليحكي لهم عن مشكلته بكل صراحة وبعد ان ينتهي من طرح مشكلته يضع جميع من هم في المجلس ثيرانهم رهن اشارته حتى وان كانوا هم في حاجة لها، فالشيء المألوف هو ان صاحب الحاجة أولى بالمعروف. أضف إلى ذلك فإن الأمور التي تحتاج إلى سواعد الناس لا يتأخر أهل الفريج عن القيام بها ولعل أبرز ذلك المشاركة في بناء البيوت وحصد الثمار وفلاحة الأرض وتنظيم الأفراح والمواساة في الأحزان. ـ متى أصبحت مزارعاً يعتمد عليه؟ ـ في الحقيقة فإن وجود منزل الأسرة إلى جوار المزرعة يوفر الفرصة ليدخل الابناء المجال الزراعي في عمر مبكر جداً ويكفي ان الطفل عندما يبدأ برحلة الحبو يشق طريقه إلى باب المزرعة. وبالنسبة لي فقد مررت بهذه المرحلة وعندما بلغت الرابعة من العمر كنت أقضي جل وقتي في المزرعة، ألهو بما فيها من الاشجار والنخيل والطيور والخضروات والمياه المتدفقة من اليازرة. وحينما بلغت الخامسة من العمر مددت يدي مشاركا في بعض الاعمال البسيطة مثل مناولة والدي ادوات الزراعة كالتي تستخدم في الحراثة وازالة العشب والري ومع الوقت اكتسبت خبرة مهنية نظرية وعملية ولذلك سمح لي والدي باداء مهام رئيسية في الشأن الزراعي وهي لا تخلو من المشقة. ـ ماهي المهام الزراعية الاكثر مشقة؟ اعتقد ان عمليات ري النخيل والخضار كانت مرهقة للنفس البشرية لانها تتم بطريقة بدائية فمكائن الضخ العاملة بالوقود والطاقة الكهربائية لم يعرفها المجتمع آنذاك والوسيلة المستخدمة هي اليازرة المصنوعة محليا من جذوع النخلة بالاضافة لقطعة خشب بطول مترين تقريبا يطلق عليها الضفير وتلتحم بالمنيور الذي هو عبارة عن قطع من الخشب ذات شكل دائري او بكرة لها مجموعة من القطع الصغيرة يطلق عليها اسم اللسان ويبدو لمن ينظر اليها اشبه بسكان السفينة والامر المثير هنا هو ان هذه الاجزاء مجتمعة يصدر عنها صوت شجي يطرب العامل على اليازرة وكذلك من هم على مقربة منها. مياه الابار لكن كيف تأتي اليازرة بالماء الذي يحتاجه المزارع لري زراعته؟ قال بالطبع ان مياه الري مصدرها الابار الجوفية ولذلك ينصب المزارع اليازرة فوق فوهة البئر على الشكل التالي في البدء يأتي المزارع بنصفي جذع نخله ويضعهما على نحو مائل فوق فوهة البئر ويوصلهما من القمة بقطعة خشبية تعرف بالعارضة وهو الجزء يعرف «بالروايل» والعارضة هي الوسيلة المهمة وتحمل قطعة خشبية دائرية تثبت على جانبيها قطعتان من الحديد ومهمتها مساعدة الثور على رفع الدلو مملوءًا بالماء ومن الاهمية ان نعرف ان الدلو نفسه هو قطعة من جلد البقر او الغنم وقبل تحويله الى دلو تقوم الحريم بمهمة دبغه بثمار شجر القرض لازالة الشعر والشحوم وبعد أن يكون جاهزا يربط في قمته بحبل سميك يطلق عليه اسم الرشا وعندما تصبح الامور جاهزة يأتي المزارع بالثور وهو حيوان ضخم الجسم ويضع على ظهره وتحديدا بالمنطقة الامامية قطعة خشبية ثم يربط بحبل على رقبته ومع بداية مهمة سحب الماء من البئر يتحرك الثور دائريا حول البئر لينزل الدلو الى الماء بالبئر حيث يأتي مملوءا بالماء ومن ثم يصبه في المغيلة. ري النخيل وعن المشقة التي تواجه الناس خلال ري الزراعة بواسطة اليازرة قال الذين عاشوا الفترة التي كانت فيها اليازرة هي الوسيلة الوحيدة المستخدمة لري النخيل والمحاصيل الزراعية الاخرى يعرفون مدى حجم المعاناة التي يكابدها من كانوا يقومون بهذه المهنة الصعبة فالمشقة هنا تأتي من كون ان اليازرة تحتاج لجهد وصبر وقوة البدن ذلك ان الشخص القائم عليها يظل في حالة حركة تنقله الى مكان مرتفع تارة ومنخفض تارة اخرى ففي حالة الانخفاض يرتفع الدلو من البئر واما مع الحركة الى اعلى ينزل الدلو الى عمق البئر وعلى الشخص الذي يدير حركة الثور الاستمرار على هذا الحال ساعات طويلة بلا توقف الى ان تكتمل عملية ري الزراعة بالكامل. شجرة مباركة وتطرق للقدسية التي يظهرها الاباء الكبار للنخلة فقال: باديء ذي بدء النخلة شجرة مباركة والدليل على ذلك انها ذكرت في العديد من سور القرآن الكريم. وبالنسبة لنا نحن اهل المنطقة فان النخلة وقفت الى جانبنا في سنوات الفقر فكانت تمدنا بالطعام وتوفر لنا المواد اللازمة لبناء بيوتنا ولا ادري كيف كانت ستكون حياتنا لو لم نجد شجرة النخيل في بيئتنا القاحلة لذلك فان من عاشوا سنوات القحط يتملكهم الشعور بالامتنان لهذه الشجرة المباركة واجد نفسي شاكرا ومقدراً لكل من غرس نخلة على ارض الامارات لانه بفعله هذا يساهم بصورة جادة في تأمين الغذاء لابناء المجتمع وتجميل البيئة. ومن واقع خبرته الواسعة مع النخلة طلبنا منه تحديد اهم الاصناف المتوفرة منها في الامارات فقال: من حسن حظ اهل المنطقة فان المجتمع يزخر بالكثير من اصناف النخيل وهي جميعها من الاصناف ذات الجودة العالية في الانتاج والنمو ولانها كثيرة جدا فان من الصعوبة بمكان ذكر اسمائها هنا ولكن لا مانع ان اقول اسماء بعضها مثل اللولو، نغال، جش حبش، خصاب، خلاص، برحي، ابومعان، خنيزي، هلالي. ومع بروز الطفرة الاقتصادية في الدول الخليجية المجاورة هاجر ابناء المنطقة بحثا عن العمل والمال الوفير لكن بن صروخ لم يفعل ذلك وعندما سألناه عن الاسباب قال لقد سمعت من ابناء المنطقة الذين حزموا امتعتهم وسافروا الى الكويت والبحرين وقطر والسعودية كلاما كثيرا حول الرخاء والمال وقد رأيت كل ذلك على من غابوا عنا في تلك الدول ومع ذلك لم افكر البتة في ترك بلادي ونخيلها فبقيت اعمل في المزرعة بفلج المعلا الى حين انتقالي الى الخران ومع مرور الوقت اشتهرت بين اهل المنطقة بخبرتي وتمرسي في زراعة ورعاية النخلة وقد حضرت الى الخران في ذاك الزمن البعيد لاعرض على المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم خدماتي وهو صاحب مزرعة نخيل مرموقة تضم مئات الاشجار فرحب بي ايما ترحيب وبقيت معه الى ان فارق الدنيا ولكنني مازلت قائما على رعاية نخيله. وقد كان المغفور له الشيخ راشد محبا للنخلة ويكفي انه اقام الى جوار مزرعته في الخران قصرا يتمكن من الاقامة الى جوارها ومن الاهمية ان يعلم الجميع ان المغفور له الشيخ راشد كان ينفق كل انتاج المزرعة على أهالي المنطقة وغيرهم من المحتاجين ولاتزال مزرعة الخران تقف كصدقة جارية الى يومنا هذا. ـ ماذا بالنسبة لمجلس عطلة نهاية الاسبوع؟ ـ كما ذكرت من قبل فإن المرحوم الشيخ راشد كان يأتي الى الخران يوم الخميس ويقيم في قصره الذي يغادره عصر الجمعة، وخلال هذين اليومين يكون القصر مفتوحاً أمام الناس جميعاً ليشرحوا شكواهم ويطعموا أنفسهم ويقولوا أشعارهم وما من أحد جاء الى القصر لمقابلة الشيخ راشد إلا حقق له هذه الأمنية واستمع له وقدم له ما يريد. زد على ذلك فإن وجود المرحوم الشيخ راشد المستمر في الخران ساهم في تنمية المنطقة، فهناك الكثير من المشاريع الخدمية المهمة مثل المساكن والمدارس والمرافق الصحية والرياضية والدينية. ـ ماذا تقول عن الحياة في وقتنا الحاضر؟ ـ من المؤكد فإن كل شيء قد تغير ولم يعد كما كان في الماضي والفضل في ذلك من بعد الله يعود الى قيادة الدولة الرشيدة التي وحدت الأمة تحت سقف المسيرة الاتحادية ولم تبخل عليها بالنماء والرخاء المواكب للعصر، ولكن مع ذلك فإن الطريقة التي ينتهجها الشباب في حياتهم تثير الازعاج والخوف من المستقبل، وأحسب ان الشباب لم يدرسوا في ماضي الآباء والأجداد جيداً لأنهم لو علموا كم عانى أولئك الكبار في سبيل كسب العيش لحمدوا الله على النعمة العظيمة التي هم فيها وتركوا التصرفات الطائشة وانصرفوا عن تقاليد الاجانب. ـ ماذا تقول عن المرأة؟ ـ إذا كنت تقصد المرأة التي قامت عليها الأسرة في الماضي البعيد فهي شريكة الحياة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى وبمنطق الفعل فإن المرأة كانت تقوم بالأعمال بدءا من البيت ومروراً بالمزرعة وانتهاء بالاسعاف، ففي الصباح الباكر تنهض المرأة قبل زوجها وتقوم على اعداد وجبة الافطار والقهوة والشاي وعندما يغادر زوجها المنزل الى المزرعة تصطحبه وتساهم في أداء أعمال لا تخلو من المشقة، أضف الى ذلك فهي تحمل الانتاج فوق رأسها لتذهب به الى الأسواق. أما المرأة اليوم فهي تعيش حياة اقرب الى الاسترخاء، فالأسرة المسئولة عنها تخضع لاشراف الخادمة.