في ذلك الخريف من عام 1960، كانت أجمل نادلة في نادي «دول هاوس» الكبير في بالم سبرنجز امرأة سمراء تدعى واين جراهام. لقد وضع بوترز عينه عليها لعدة أسابيع قبل ان تواتيه الجرأة أخيراً لدعوتها الى الخروج معه. وكم كانت دهشته حين ردت بالموافقة. كان ذلك بعد قليل من عيد ميلاده الحادي والعشرين، وهو حدث ربطه بقيامه باحراق بطاقة الخدمة الشخصية المزورة التي يحملها في صينية السجائر في البار الخلفي في «دول هاوس»، وسط استحسان الساقية الشابة دان. ورغم ان واين جراهام كانت تعمل في تلك الليلة، الا انها لم تشهد هذا الحدث. وعليه فعندما طلب منها الخروج فيما بعد، فقد أخبرها بوترز ان عمره كان 24 عاماً. اما سنها هي فقد أوحت اليه في ذلك الوقت انه كان سبعاً وعشرين سنة. كان نوعاً غريباً من اللقاءات الأولى، فقد اصطحبها معه من مكان اقامتها مساء أحد أيام السبت، وكانت تقيم في كوخ أبيض صغير مبني من الجص في الضواحي الجنوبية للمدينة على طريق انديو السريعة. كان الكوخ واحداً من مجموعة من الأكواخ المتشابهة التي تبدو أشبه بالأوتيلات السياحية القديمة خلال الثلاثينيات أو الاربعينيات. كان يقود بشرود سيارته ميرك موديل 1950 التي اشتراها مع «فان هاركنيس» بالنقود الكثيرة التي حصلا عليها لدى عودتهما من اوكيناوا حين حدث شيء لتلك المركبة اللعينة. لقد سارت على ما يرام طوال الطريق من قاعدة «توينتي ناين بالمز» البحرية، حيث يخدم هناك، وبدأت في القرقعة وإصدار أصوات مزعجة طوال رحلة عودته هو وواين جراهام ثانية الى بالم سبرنجز في ذلك المساء. لقد شعر بوترز بالارتباك والقلق وهو جالس خلف مقود السيارة، الا ان واين كانت تبدو غير قلقة وفي غاية الهدوء وكأنها تتهادى عبر نهر النيل على متن مركب بخاري. «استدر الى المسار الأيسر» هذا كل ما قالته. ثم اردفت: عليك بالانعطاف يساراً من هنا .. كانت توجهه الى واحد من المخازن الكبرى في المدينة، وقالت له انها تريد تسوق بعض الحاجيات. فعل بوترز ما طلب منه، فقد كان مرتاحاً للخروج بسيارته المتعطلة بعيدا عن الشارع الرئيسي وايقافها في ساحة وقوف السيارات. تبع واين جراهام الى المخزن الكبير ووقف يرقبها وهي تنتقي وتعاين سلعة بعد الأخرى. بعد المخزن الكبير توجها سيراً على الأقدام الى معرض مجوهرات قريب، ثم الى متجر أحذية. وبعدها الى معرض ملابس فاخرة. لقد أمضيا تلك الأمسية هكذا يتسكعان ويتنقلان من محل الى آخر، وهي تجرب مرة حذاءً أو قميصاً، قلادة أو أقراطاً، ربطة أو حزاماً، وكان بوترز لا يعرف شيئاً عن هذه الامور. لم يكن ذلك تصوره لقضاء يوم ممتع عظيم، ولكن اذا كان ذلك هو حقاً ما ترغبه هي فان ذلك لم يكن ليزعجه على الاطلاق. لقد كان قانعاً بالوقوف جانباً والمراقبة عن كثب. كم كانت جميلة حقاً في نظره في تلك اللحظة، جمال هوليوودي، جمال نجمات السينما. ما رأيك؟ كانت تلتفت اليه وتسأله بين الحين والآخر، ويخرج بوترز عندها برأي عن ربطة أو دبوس أو حذاء. لقد أحب الطريقة التي تنظر بها اليه البائعات في تلك اللحظة حيث شعر حقاً برجولته. وفي وقت آخر كانت تسأله ماذا عن هذه؟ هل تكون أجمل لو وضعتها هنا أم هناك أم في هذا المكان، وهي تنقل البروش الذهبي فوق صدرها البارز. ويجيب بوترز: نعم. هنا مناسب تماماً، ضعيه في الوسط وتبتسم فتاة المحل وربما تقهقه حتى. الا ان كل شيء انتهى سريعاً، فقد قاربت الشمس على الغروب، وقالت واين ان عليها الانصراف لتلتحق بعملها في «دول هاوس» الساعة السادسة. أوصلها بوترز الى كوخها ـ الى بيت المحبوبة! ـ وانتظر في السيارة بينما كانت تغير ملابسها لترتدي زي الساقية، ثم أعادها مرة أخرى الى المدينة بينما السيارة تفرقع وتبقبق طوال الطريق. وجلس بعد ذلك في البار يراقبها وهي تخدم الطاولات وتصد تحرشات العابثين من الزبائن، الى ان أصابه التعب وقفل عائداً الى قاعدة توينتي ناين بالمز. لم يكن ذلك موعداً بين رجل وامرأة بالمعنى المفهوم، فهما لم يفعلا أي شيء، الا انه كان كافياً لإبعاد الملل عنه في القاعدة على مدى الأيام التالية. كما كان من الممتع له ان يخبر الآخرين في ثكنته بأنه ضرب موعداً لواين جراهام، تلك الساقية الحسناء التي تعمل في «دول هاوس». وقد رفض معظمهم تصديقه بطبيعة الحال. كان ذلك في منتصف نوفمبر، الا انها لم تخرج معه ثانية الا في فبراير بعد انتهاء موسم العطلات الحافل، واقتصر الأمر هذه المرة على ايصالها الى كوثيلا لتناول القهوة وفطيرة الجبن في ديني وذلك بعد انتهاء نوبة عملها في الثانية صباحاً. كانت تبدو مرهقة في تلك الليلة وظهر ذلك حول عينيها، ثم بدأ يتهيأ لبوترز ان سنّها قد تكون أكبر قليلاً من سبع وعشرين. لقد سمحت له ان يقبلها في السيارة وهو يقول طابت ليلتك، لذلك فقد كان راضياً ومنشرحاً وهو يقود سيارته عائداً الى قاعدته تحت سماء صحراوية صافية ترصعها النجوم. شيء ما أثار استغرابه عند توقفه أمام كوخها في تلك الليلة، فقد بدا أن فتاة في سن المراهقة تجلس خارج عتبة الكوخ في الثالثة والنصف صباحاً! ولكن الفتاة نهضت مسرعة الى الداخل فور رؤيتهما قادمين نحوها. ما هذا؟. قال بوترز وهو يراقب الفتاة تختفي وراء الباب. اجابت واين: عن أي شيء تسأل؟. تلك الفتاة، لقد دخلت لتوها الي بيتك. آه .. انها ويتني على الأغلب. ويتني ... ومن تكون هذه؟. انها اختي الصغرى. هل تقيم معك؟. احياناً، فهي تذهب وتعود. لقد كان الأمر أكثر من مجرد تساؤلات، الا ان بوترز لم يعرف تماماً كيف يتدبر الأمر فتجاهله، وركز بدلاً من ذلك على قول طابت ليلتك لواين واقتناص قبلة منها. الا انه في طريق عودته الى القاعدة فكر بالفتاة ويتني الجالسة على الدرجات وغرابة ذلك الأمر وغموضه بالنسبة له. خرجت الوحدة التي يعمل فيها بوترز، وهي كتيبة دفاع جوي، لإجراء مناورة ميدانية في أواخر فبراير، ولم يستطع العودة الى «دول هاوس» لرؤية واين جراهام سوى في منتصف مارس، ليجد أنها لم تعد تعمل هناك منذ حوالي اسبوع. اين ذهبت؟. سأل بوترز الساقية الشابة دان. أجابت دان: الى تاهو. تاهو؟ ماذا تفعل هناك؟. تعمل هناك خلال الموسم، ثم تعود الى هنا ثانية. موسم ماذا؟ وأين؟. الصيف هناك يعتبر موسماً مزدهراً، تماماً كما الشتاء هنا، وأنا اعتقد أنها في كال ـ نيفا. وما تلك؟. كال ـ نيفا لودج هو نادي القمار الذي يتردد عليه فرانك سيناترا. وماذا تفعل هناك؟. أعتقد أنها تعمل تماماً كما تفعل هنا .. تقدم المشروبات. متى ستعود؟. لست متأكدة .. ربما في اكتوبر أو نوفمبر عندما يبدأ الثلج في التساقط هناك. اللعنة! قال بوترز ولكن هل تركت أي عنوان أو حتى رقم هاتف؟. أجابت دان: ليس معي على الأقل، اتصور أن بامكانك الوصول اليها بواسطة نادي كارل ـ نيفا لودج ان رغبت في ذلك. اللعنة قالها بوترز ثانية. وخالطه شعور بالاحباط التام والعجز. بعد مغادرته «دول هاوس» قاد سيارته الى كوخ الجص الأبيض على الطريق السريع، الا ان أحداً لم يكن هناك. فقد كان الباب موصداً والستائر مسدلة. طرق على الباب مرتين، وجرب استراق النظر من خلال النافذة ولكن كان من الواضح ان المكان خال من البشر، فاستسلم أخيراً ومضى في حاله. تتحول بالم سبرنجز الى مدينة أشباح خلال الصيف، ويذهب الناس الأثرياء والموسرون، الذين يملأون شوارعها ومحلاتها كل شتاء، الى أماكن أخرى للهو حين يتحول الطقس الى الحرارة. ولا يبقى فيها سوى المتقاعدين وبعض الذين لديهم القدرة على تحمل حرارة الصحراء. وتصل الحرارة أحياناً الى 120 درجة فهرنهايت ظهراً، وينسحب ذلك أيضاً على خارج قاعدة توينتي ناين بالمز. بقي بوترز خلال يونيو ويوليو واغسطس، مثله مثل كل من لم يسعفه حظه في المغادرة، واضطر الى تحمل قسوة المناخ في ذلك الوقت من العام. ولكن لحسن حظه، فقد كانت الثكنة التي يقيم فيها مكيفة الهواء، وكان يخرج أحياناً في عطلة نهاية الاسبوع الى منطقة بيج بير القريبة من الجبال، حيث الجو هناك ألطف قليلاً خاصة أثناء الليل. لقد خطر له مرة أو اثنتين الذهاب الى تاهو، الا انه تردد، فهي تبعد حوالي 500 ميل، وقد لا يجد شخصاً يرافقه. وبدت تلك مسافة طويلة، عدا عن مدى امكانية العثور على أي أثر لواين أولاً، وإقناعها بقضاء بعض الوقت معه ثانياً، إن وجدها. لذلك، فقد تحمل قيظ الصيف وآثر الانتظار. وفور حلول سبتمبر، بدأ البحث عنها وترقب ظهورها في بالم سبرنجز. ولم يطل الأمر الى اكتوبر حتى وجدها، ولكن ليس في «دول هاوس» ـ الذي لم يظهر اهتماماً بمكانها حين سأل بوترز عنها ـ ولكن في مشرب آخر في المدينة أدنى درجة. ففي إحدى الأمسيات، كان بوترز يتناول شطيرة بورجر بالجبن والبطاطا المقلية في مطعم غربي الطراز يدعى كاتل بارون، وحين وقف لدفع فاتورته لمح واين من الخلف خارجة من وراء البار وبيدها صينية مشروبات. لقد تعرف عليها بصعوبة في البداية اذ كانت ترتدي زي راعية بقر صغيرة مزين بالشرابات والأهداب الجلدية، مما جعلها تبدو أقصر مما كانت من قبل وأكثر بدانة. واين؟. توقفت وبيدها الصينية ونظرت اليه. كان بامكانه ملاحظة أنها تحاول تذكر من يكون. اوه .. مرحباً قالت أخيراً .كيف حال بحّاري المحبوب؟. زال قلق بوترز وهمس لنفسه: لقد تذكرَت. قال: سألت عنك في «دول هاوس» ولم يعرف أحد متى تعودين. قالت: لم أعد أعمل في «دول هاوس» على الاطلاق، وأنا أعمل هنا حالياً. حرك بوترز رأسه علامة الموافقة، فهو يرى ذلك. وقال: حسناً، كيف حالك الآن؟ بدأت أشعر بالقلق عليك .. لقد افتقدتك حقاً. أجابت وهي تعدل الصينية بيدها: قلقت علي؟ ما أجمل ذلك. نعم لقد كنت مستعداً للذهاب حتى تاهو بحثاً عنك، ولكنني لم أعرف ما اذا كنت ترغبين في رؤيتي أم لا، عدا عن طول المسافة وعدم معرفتي بمكانك. من أخبرك أنني كنت في تاهو؟ شخص ما في «دول هاوس»؟. أجل، قالوا أنك تذهبين هناك كل عام للعمل لدى فرانك سيناترا. قالت وهي تبتسم: ليس صحيحاً. حاول بوترز ان يقول شيئاً آخر، الا أنها أعادت تعديل الكؤوس على الصينية مرة أخرى وقالت: يحسن بي أن أوصلها الى هناك، قبل ان يشكوني أحدهم، فانا لا استطيع مواجهة فقدان عملي، أليس كذلك؟. وابتسمت لبوترز وهي تقول جميل ان أراك ثانية. وقف بوترز عند الصندوق يرقبها وهي تبتعد، لتوصل المشروبات التي تحملها الى طاولة قريبة يجلس عليها ثلاثة أشخاص: رجلان وامرأة. كانت المرأة شقراء تتمتع بنوع من الجاذبية وتضع على وجهها كثيراً من المساحيق. أما الرجلان فقد كان كلاهما يرتدي سترة خفيفة وقميصاً مفتوح الياقة، وكان ذلك مطابقاً للزي السائد في بالم سبرنجز في ذلك الوقت من العام. وبدا ان واين تعرف الأشخاص الثلاثة جيداً، فقد وقفت تتجاذب أطراف الحديث معهم في حين كان بوترز لا يزال يتابعها بعينيه. وبعد برهة نظر أحد الرجلين ـ وكان أصلع الرأس عريض الصدر وغزير شعر الجسم ـ ناحية بوترز وابتسم، ثم تمطى ووضع يده على مؤخرة واين. في تلك الليلة، بقي بوترز يدور وحيداً في أنحاء بالم سبرنجز بدلاً من العودة الى القاعدة رغم انه لم يدرك لذلك سبباً. وانتقل من ناد ليلي الى آخر، متناولاً كأساً من البيرة هنا وأخرى هناك دون أن يكلم أحداً، فقد كان يحاول التكيف مع وحدته فقط. وحين أقفلت كافة النوادي الليلية بعد ذلك هام في شوارع بالم سبرنجز الصحراوية لبرهة متأملاً واجهات المحلات والبيوت التي تشبه القلاع قبل ان يتجه خارجاً نحو الطريق السريعة. ولكنه لم ييمم وجهه شطر القاعدة رغم ذلك، بل حرف سيارته الميرك جنوباً بدلاً من القيادة في اتجاه انديو، لقد كان بالتأكيد متجهاً نحو كوخ الجص الأبيض. كان الهدوء والظلمة يخيمان على مجمع الأكواخ حين انحرف بوترز بسيارته عن الطريق السريع وبدأ يشق مساره بطيئاً عبره محاولاً تذكر موقع كوخ واين، فقد مرت شهور على آخر مرة حضر فيها الى هنا. كان الكوخ الذي استقر عليه واحداً من بين اثنين لا يزال الضوء ينبعث منهما. أوقف سيارته أمام الكوخ وبقي جالساً خلف المقود، وأطفأ الأنوار الأمامية بينما بقي المحرك يعمل، وبدأ يفكر في خطوته التالية: هل يقفل عائداً، أم يطرق الباب أم..؟ ولكن في الوقت الذي كان يراجع خياراته بينه وبين نفسه انفتح الباب الأمامي للكوخ وخرج منه شخص ما. لم تكن واين، ولكن بدا أنها تلك الفتاة التي لمحها بوترز جالسة على العتبة عندما كان هنا منذ شهور، نعم انها شقيقة واين الصغرى .. ماذا كان اسمها؟ ويتني؟ وقفت الفتاة هناك أمام الشرفة الأمامية الصغيرة تحدق فيه. ثم قالت: من هناك؟ كارلوس؟. لم ينبس بوترز ببنت شفة، فلم يكن يعرف ماذا يفعل. فهذه الفتاة ليست تلك التي أتى من أجل رؤيتها. قالت الفتاة مرة أخرى: كارلوس؟ انريك؟ أجيباني .. هل انتما هنا؟. استمر بوترز صامتاً وحائراً لا يدري كيف يتصرف، وبدأ يدرك ان غباءه أوقعه في مصيدة. بدأت الفتاة تتقدم نحو السيارة، وهي تقول: يا الهي أكاد أموت على سيجارة، ليس معي حتى عقب سيجارة. أخبراني اين كنتما في هذه الساعة، لقد بدأت أفقد ... ثم توقفت حين رأت بوترز في السيارة وليس صديقاها. ووجهت كلامها اليه الآن: من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟. أجاب بوترز بلهجة حاول ان تكون ودودة غير عدائية: مرحباً، اسمي دون، وانا صديق لأختك. أجابت الفتاة بدهشة وهي تنظر اليه: أية أخت؟. اوه .. واين، واين جراهام أليست هي أختك؟. قالت الفتاة وهي تضحك: اختي؟ واين جراهام أمي أيها الغبي .. من أخبرك أنها أختي؟. صمت بوترز محاولاً استيعاب ما قالته الفتاة. يا الهي .. أمها! لقد بدا الآن غبياً بحق. أجاب متلعثماً: أوه .. لقد أخبر .. تني هي بذلك . قالت الفتاة: هل حقاً فعلت ذلك؟ انا لا أصدقك. ما الذي يجعلها تقول شيئاً كهذا؟ لقد ارتكبت أمي حماقات كثيرة في حياتها، ولكنها لم تخبر أحداً انني أختها! يا إلهي أكاد لا أصدق أن ما أسمعه صحيح. لم يدر بوترز جواباً، فقد كان مأخوذاً تماماً. أمها!. قالت الفتاة: ماذا قلت ان اسمك؟. أخبرها بوترز باسمه الذي انتحله مرة أخرى. سألته: أين عرفت أمي؟. أخبرها بوترز أين قابل ... أمها. قالت الفتاة: «دول هاوس؟ آه حقاً، لقد كانت تعمل هناك في السابق كما عملت في العديد من تلك الأماكن الرخيصة. ماذا فعلت، هل حاولت ممارسة الجنس معها، أم ماذا؟». قال بوترز ـ الذي بدا في موقف دفاعي ـ للفتاة انه .. وأمها تواعدا للقاء في مناسبتين متباعدتين. قالت الفتاة: انك تسخر مني ولا شك، هي خرجت معك؟ غمغم بوترز. لقد خيل له ان الأمر حدث منذ سنوات. سألته الفتاة: كم عمرك؟. أخبرها بوترز بعمره الحقيقي، ثم سألها: وانت كم عمرك؟. قالت: سأكمل السادسة عشرة بعد شهرين. وواصلت حديثها بسرعة: صبية جميلة في السادسة عشرة ولم يقبلني أحد حتى الآن ـ ها! ماذا تفعل؟ هل تسكن قريباً من هنا؟. أخبرها بوترز عن عمله. لقد قدر ان عمرها أقرب الى الرابعة عشرة.الا أنها كانت فتاة فارعة رغم ذلك. قالت الفتاة: المارينز؟ هل تعرف ماني سانتياجو؟ انه بحار يخدم في (إل تورو). لقد كسبت انا وهو ـ عذراً ـ هو وأنا بطولة الثنائي في جاردينا رولر دروم. انه يتزلج الى الخلف أفضل من أي شاب آخر قابلته. قال بوترز انه لا يعرف ماني سانتياجو، وأخبرها انه يعمل في قاعدة توينتي ناين بالمز وبدأ يشرح لها أين تقع، ولكن ذلك لم يرق لها. سألته: هل تمارس التزلج؟. لم يفعل بوترز ذلك منذ سنوات، ولكن الحوار بدا فجأة ممتعاً له. فأجاب: انا.. نعم أتزلج أحياناً. قالت الفتاة: هل تتقن التزلج الى الخلف؟. أجاب بوترز: ليس تماماً، فانا بطيء في التزلج لأنني لا أمارس ذلك باستمرار. قالت الفتاة: هناك حلبة تزلج في هيمت، يمكنني مقابلتك هناك في ليلة ما. لقد اشتريت لتوي تنورة قصيرة جديدة. قال بوترز: أين تقع هيمت؟ أجابت الفتاة وهي متكئة على شباك السيارة: هناك، ليس بعيداً عن المدرسة الثانوية، ثم قالت كمن اكتشف شيئاً: أخبرني هل ما أراه في جيب قميصك علبة سجائر أم ان عيناي تخدعانني. اخرج بوترز علبة المالبورو، وناولها سيجارة. قالت: شكراً لك، انني أكاد أموت مقابل سيجارة. أخرج ولاعته وقدح زنادها، فرفعت يده وأشعلت سيجارتها، ثم تناولت الولاعة من يده وتفحصتها. لقد كانت تلك الولاعة تذكاراً لخدمته في اوكيناوا وتحمل شعار (ثيرد مار ديف) ذا اللونين الأحمر والذهبي. قالت وهي تعيدها اليه: ولاعة جميلة. بينما كان بوترز والفتاة يواصلان حديثهما، انعطفت سيارة أخرى من الطريق السريعة واتخذت مسارها نحوهما عبر مجمع الأكواخ. راقب بوترز والفتاة السيارة التي تهادت بطيئاً فوق الطريق غير المعبدة ولم تتوقف الا على مبعدة عدة أقدام وراء سيارة بوترز. كانت سيارة كاديلاك مكشوفة بيضاء طويلة طراز 56، بقيت كذلك برهة ثم أطفئ المحرك وبقيت الأنوار ساطعة. بدا ان هناك عدة أشخاص داخل السيارة، الى ان انفتح باب الراكب الأمامي أخيراً وخرج منه شخص، تبين بعد قليل أنه واين. كانت لا تزال في زي راعية البقر الذي كانت ترتديه في الحانة. قالت: ويتني؟ مع من تتكلمين؟. وصلت الى مقدمة السيارة، ولكنها حين رأت بوترز وراء المقود توقفت قائلة: أوه .. أهذا انت؟ ماذا تفعل هنا في هذه الساعة، وكم مضى من الوقت على وجودك هنا؟. قالت ويتني مخاطبة بوترز: ألا ترى أنها تشبه ديل إيفانز .. تارنيشن، روي اين جابي؟. قالت أمها: ويتني .. أدخلي الى البيت، سوف اتحدث معك بعد قليل، ثم التفتت الى بوترز قائلة مرة أخرى: كم مضى على وجودك هنا؟. قال بوترز: آه .. ليس كثيراً، لقد مررت لتوي قبل قليل من وصولك، وخرجت هي من المنزل وبدأنا الحديث. قالت ويتني: يقول أنه كان يواعدك ليخرج معك، ويزعم أيضاً أنك أخبرته بأنني أختك .. هل ذلك صحيح؟. قالت أمها مرة أخرى: ويتني اذهبي الى داخل المنزل، وألقي السيجارة من يدك. قالت ويتني: أمي يجب ان أعرف .. هل أخبرته حقاً أنني وأنت شقيقتان؟ يا إلهي! لا أكاد أصدق أنك تفعلين شيئاً كهذا. حقاً لا استطيع. قالت واين: اخرسي يا ويتني وادخلي الى المنزل. أعني ان ذلك أمر غير معقول. قلت أدخلي الآن. انفتح باب سائق سيارة الكاديلاك وترجل منه شخص ما. كان هو ذلك الرجل الأسمر الضخم الذي كان يجلس على الطاولة في كاتيل بارون. قال وهو يمشي سريع الخطى وفي يده سيجار رفيع ما الأمر؟. قالت واين: لا شيء، استطيع تدبر ذلك، أرجوك ان تعود الى السيارة. قالت ويتني: أعني أنك اذا كنت أختي، فماذا يجعلني ذلك؟ خالة نفسي؟. قالت أمها: ادخلي الى المنزل يا ويتني، افعلي كما أمرتك. قال الرجل الضخم مشيراً الى بوترز: هل هذا هو الفتى الذي كان في المطعم؟ ماذا تفعل هنا يا عزيزي في مثل هذه الساعة من الليل؟ هل جئت لافتعال المشاكل؟. قالت ويتني: أتى لمقابلة صديقته .. أختي ملكة الغرب الذهبي. أرجوك يا ويتني؟ أرجوك اذهبي الى الداخل؟. سيكون ذلك موضوعاً مثيراً في المدينة لعدة أشهر. أرجوك؟. حتى صحيفة لوس انجلوس تايمز ستعرف بالخبر، ولويلا بارسونز، وكافة مجلات الإثارة. أرجوك؟. افعلي ما تقوله أمك يا ويتني .. وبسرعة. سحقاً لك يا كثيف الشعر، انك لست أبي ولن أتلقى الأوامر منك. ببساطة شديدة طوح الرجل الثقيل يده وضرب ويتني بظاهرها فطرحها أرضاً. وجدت الفتاة نفسها ملقاة على الأرض فوق الرمال وتحت الأضواء الكاشفة للسيارة وقد تملكتها الدهشة تماماً. ثم قال الرجل وهو يحدق بها: يا لك من صغيرة وقحة. بعد ذلك بدأت الفتاة تنتحب وأمها كذلك، وأصبح الأمر كله مربكاً، فقد فتحت أبواب الكاديلاك وخرج منها شخصان آخران: المرأة الشقراء، والرجل الآخر الذي كان في المطعم، وهرولا مسرعين وهما يسألان ما الخطب. كانت واين الآن راكعة على ركبتيها تحاول إنهاض ابنتها، في حين كانت ويتني لا تزال تتنشج وترفض المساعدة. انحنت المرأة الشقراء لترى ما يمكن ان تفعله. بدأت الأنوار تخرج من الأكواخ الأخرى المحيطة. حاول بوترز ان يترجل من سيارته، ولكن الرجل الثقيل أعاده الى مقعده بدفعه الى الخلف ثم أغلق الباب. ابق بعيداً في مكانك أيها الوغد فأنت السبب في كل ما حدث. فلو لم تأت الى هنا لما حصل هذا. لذا ابق بعيداً. سأل الرجل الآخر: من هذا الشخص، هل هو صديق الطفلة أم ماذا؟ قال الرجل الثقيل: انه أحد الحمقى من القاعدة البحرية، دأب على ازعاج واين لأسابيع. نظر الرجل الآخر الى بوترز قائلاً: ما خطبك أيها الصديق؟ هل تسعى لافتعال مشكلة؟ هل تريد ازعاج الناس خارج بيوتهم؟ ركعت ويتني الآن على ركبتيها تنشج، والعبرات تخنقها بين الكلمة والأخرى يا ابن العاهرة، إنك خنزير حقير وابن زنا! اتمنى لك الموت بالسرطان!. وقفت واين الآن، وكانت تصرخ أيضاً، واستطاع بوترز ان يرى الدموع وقد اتلفت طلاء عينيها الذي بدأ يلطخ وجهها. توجهت نحو السيارة وشقت طريقها وسط الرجلين ووضعت يديها على إفريز شباك السيارة ونظرت بتوسل الى بوترز أرجوك اذهب، انني آسفة. قال بوترز: صدقيني يا واين، لم أقصد ان أسبب لك أية مشكلة، لقد كنت أرغب في معرفة أخبارك فقط. قالت واين: سأكون على ما يرام، لقد فهمت قصدك، ولكن أرجوك اذهب حالاً. قال وهو ينظر الى الرجلين الواقفين خلفها: اذا أردت المساعدة في وجه هذين الشخصين، فلا تترددي في طلبها. لا، كل شيء على ما يرام، وأنا بخير، أرجوك اذهب واتركنا وحدنا الآن. وضع بوترز يديه على مقود السيارة، ونظر إليها وهو يقول: هل أنت متأكدة؟ نعم انا متأكدة تماماً. كانت تنظر إليه الآن وهي تبتسم، وكان خداها الجميلان ملطخين بطلاء العينين الذي سال عليهما مما جعلها تبدو أشبه بالراكون أو كشخص أعد نفسه لحفلة تنكرية. ومع ذلك فان ابتسامتها كانت كافية لجعل قلب بوترز يقفز من مكانه. ثم انحنت الى الداخل من خلال نافذة السيارة وقبلته في وجنته. قالت: اتمنى لك حياة سعيدة. كان بوترز وهو يبتعد بسيارته لا يزال يراها واقفة في الخلف أمام أضواء الكاديلاك بلباس فتاة الكاوبوي، والغبار الذي أثارته سيارته ينتشر حولها. ورغم ذلك، فقد كانت لا تزال تبدو، بالنسبة له على الأقل، ملكة من الغرب الذهبي. لم ير واين جراهام بعد ذلك على الاطلاق. وفي المرتين أو الثلاث مرات التي عاد فيها الى بالم سبرنجز قاوم رغبته في البحث عنها على افتراض أنها لا تزال في المدينة. وفي المرة التي توقف فيها في كاتيل بارون للسؤال عنها، أخبروه أنها لم تعد تعمل هناك. ولم يرغب بالمغامرة بالذهاب الى كوخ الجص الابيض على الطريق السريعة مرة أخرى، فقد كانت تجربة تلك الليلة مؤلمة حقاً. الا انه بعد حوالي العام، وقبل قليل من تسريحه من البحرية، ذهب يبحث عنها في إحدى الامسيات في تاهو. كان قد قدم الى سان فرانسيسكو في إجازة لمدة أربعة أيام لرؤية صديق له في البحرية سُرح مؤخراً. وفي صبيحة يوم اثنين ذهب الرجلان، اللذان لم يكن لديهما شيء يفعلانه، بالسيارة الى نادي هاراه لممارسة قليل من المقامرة. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، وبعد ان خسرا كل ما خصصاه للعب على طاولات البلاك جاك، أخذ بوترز صديقه في نزهة معه الى الجانب الآخر من البحيرة، الى كارل ـ نيفا لودج. كان كل شيء مضجراً في الملهى الكبير في ذلك المساء، وبدا ان اطلاق نار حدث قبل قليل تورط فيه ضابط شرطة محلي، وتوقف الآن، وكان الحراس الشخصيون لفرانك سيناترا وجمهور المقامرين والسياح يقفون بعيداً يرقبون إنجلاء الأمر. اضافة الى ذلك فقد كان يوم اثنين وتتميز أيام الاثنين بإثارة الملل في كافة الأماكن. وقد تعين على بوترز ان يسأل أربعة أشخاص مختلفين قبل ان يجد شخصاً واحداً سمع حتى باسم واين جراهام. وأخيراً أخبرته فتاة تعمل مفتشة على القبعات، كانت تهذب أظافرها بضجر بينما كانت تشاهد استعراضاً على جهاز تلفزيون محمول، انها تعرف واين جراهام، ولكنها تعتقد ان اليوم ربما يكون عطلة بالنسبة لها. وسألها بوترز عما اذا كانت تعرف أين تقيم واين، فأرشدته الفتاة الى موقف للعربات المقطورة على بعد حوالي ميل واحد من لودج. ذهب هو وزميله الى هناك مشياً على الأقدام. كان الموقف مقاماً في حقل واسع مفتوح يقع خلف البحيرة تماماً. ويوجد هناك أرجوحات وآلات غسيل تدار بالنقود ومجففات، وحمامات عامة ومراحيض وغير ذلك. وكان كل شيء منتشراً في فوضى جميلة. بدأ بوترز في البحث والتقصي الى ان أصابه الإرهاق، وأصبح غير مدرك عما يبحث. كما انه لم يقابل أحداً يشعر ان بامكانه الاستفسار منه. وأصبح على وشك الاستسلام حين لمح مقطورة أصغر من جميع المقطورات الأخرى متوقفة جانباً خلف الحمامات العمومية. كان شكلها ووضعها يبدوان بالنسبة الى المقطورات الأخرى مشابهين تماماً لكوخ الجص الذي يقع بعيداً هناك وسط الأكواخ الأخرى. وبمجرد ان رأى بوترز المقطورة، أدرك أنها لواين. ومع اقترابه أكثر وأكثر منها، أصبح على يقين من اعتقاده بعد ان رأى على الباب حرفين كبيرين مكتوبين باللون الوردي هما و. ج.. وقف على مبعدة عدة أقدام وأخذ يحدق في المركبة الصغيرة بيضاوية الشكل. دار من الناحية الأخرى وحدّق من خلال نافذة المقطورة. لم يكن هناك شيء يمكن رؤيته باستثناء طاولة مطوية وكرسيين وبعض الملابس ومستحضرات التجميل على إفريز النافذة، وجهاز لصنع القهوة وسريرين أنيقين قابلين للانطواء. وفي وسط الأريكة السفلية كان يقبع هناك زوج من أحذية التزلج أبيض بلون الثلج تزينه أضواء زرقاء صغيرة في أعلى الرّباط، من النوع الذي يعمل بالبطارية. استدار بوترز الى الخلف ثانية حيث ينتظر زميله، وقال هازاً رأسه: لا فائدة، لم نوفق. قال صديقه: حسناً، ماذا سنفعل الآن، هل تريد الانتظار قليلاً، أم ماذا؟. كان بوترز قد أخبره كل شيء عن واين، كم كانت جميلة، وعن الأوقات السعيدة التي أمضياها معاً. قال: لا .. أعتقد انه لا فائدة، لنذهب من هنا الآن. قال صديقه: نستطيع الانتظار إن شئت، فانا لست في عجلة من أمري، وبي رغبة في رؤيتها والتعرف عليها. قال بوترز: لا .. هيا بنا، لا فائدة من استرجاع هذه الأمور، فما مضى، مضى. كنت اتمنى ان تراها في ذلك الوقت، فقد كانت تمثل شيئاً مهماً. قال صديقه: لا أبالي بالانتظار، وانا أعني ذلك حقاً. لا، هيا نذهب على وجه السرعة. قال صديقه: فيم العجلة؟ انا على استعداد للبقاء اذا بقيت انت، فالساعة لم تبلغ الخامسة بعد. نظر بوترز اليه. كان واضحاً أنه يعني ما يقول، فقد كان على استعداد لأن يشنق هنا مقابل نظرة واحدة الى واين. وبدأ يخيل لبوترز انه ربما يكون قد بالغ قليلاً في وصفها لصديقه. حول بصره بعيداً من مكان وقوفهما فاستطاع رؤية صفحة مياه بحيرة تاهو وهي تتلألأ غير بعيد خلف موقف المقطورات. وكان هناك قارب شراعي أبيض يبدو راسياً وسط البحيرة، كما لو كان لوحة زيتية. تساءل بوترز من يكون على متن القارب، أي نوع من الناس هم، وكيف يعيشون ثم التفت الى صديقه وقال: هيا بنا نذهب. قال صديقه: صدقاً انا على استعداد .... أخيراً تعين على بوترز ان يمسكه من ذراعه ويجره بعيداً ليصعدا التل باتجاه النادي الليلي. ولد القاص روبرت لاسي في إيست تكساس، وهو يقيم ويعمل حالياً في مديسين ليك. إحدى ضواحي مدينة مينا بوليس بولاية منيسوتا. وقد نشرت قصصه في عدد من المجلات المتخصصة، مثل «كريزي هورس» و«بلاو شيرز» و«إنديانا ريفيو» و«كريسنت ريفيو» و«ألاسكا كوارترلي ريفيو» وتم اختيار بعضها لادراجها في كتابي «افضل القصص القصيرة الاميركية» الصادرة في 1988 و«افضل قصص مجلة كريزي هورس» وغيرهما من الكتب. والقصة المنشورة هنا هي من ابرز القصص التي تضمها مجموعة للكاتب تدور بكاملها حول عالم جنود المارينز الاميركيين قبل ثلاثين عاماً.