يعتبر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ( 1926 ـ 1984) من أبرز الفلاسفة في العصر الحديث الذين أثروا بشكل فعال في حقول التاريخ والفلسفة والأدب والنظرية الأدبية والعلوم الاجتماعية، وحتى الطب. وبصفته مفكراً لا يدانيه أحد من مجايليه خاض فوكو العديد من الحوارات المثيرة المتعلقة بالأفكار والآراء التي طرحها من سبقه من الفلاسفة كأرسطو وإفلاطون ماركس ونيتشه وفرويد وسارتر بهدف أن يعيد التفكير في مفاهيم الذات الإنسانية والهامشية والعلاقة الدستورية والسياسية ضمن سياق علاقات القوة. وكان كتابه الشهير «الجنون والحضارة» يعد من صفوة الكتب الفلسفية التي تبحث بعمق عن الفكر الإنساني وطابع الحضارة المعاصرة. والكتاب الذي نناقشه هنا «السياسة والفلسفة والثقافة» يضم بين طياته مجموعة ثرية من اللقاءات والكتابات للفيلسوف الراحل ميشيل فوكو. فهو يناقش آراءه وطروحاته فيما يخص الأدب والموسيقى وقوة الفن إلى جانب القضايا المعاصرة الأخرى كفرنسا المعاصرة ونظام الضمان الاجتماعي والجنون، منطلقاً من فكره الثوري عن القوة. وهو حين يصور وبشكل نقدي التغيرات الحاسمة في رؤيته الفلسفية والسياسية والثقافية فإنما يكشف النقاب عن نفسه كمفكر لا يدانيه أحد تقريبا في البحث عن «السياسة كأخلاق». ينطلق الكاتب في معرض طرحه في الحديث عن المفكر «الفيلسوف» والفلسفة بأن كلمة «المفكر» تبدو غريبة بالنسبة له وذات معنى مبهم. ففي الوقت الذي يلوح الدور الذي يؤديه الطبيب واضحاً في معالجة المرضى وكذلك دور الرسامين والروائيين والاقتصاديين والموسيقيين لأن الكل يعرف تماماً ما ينجزه هؤلاء الأشخاص، فإن دور المفكر بالمقابل يلفه الغموض. فالمفكرون، وفقاً لرأي فوكو، أشخاص مذنبون لكونهم كل شيء تماماً يتحدثون ويلوذون بالصمت ولا يفعلون شيئاً في الوقت الذي يسهمون فيه في كل شيء. وفي وقتنا الحالي وعندما يسعى الفلاسفة لاستغلال الشعبية التي تحيط بأسمائهم يفضي ذلك الأمر إلى اختفاء العديد من الأسماء الأخرى التي تتمتع بفهم أوسع ومدارك أكبر عن الحقيقة. ومن جانب آخر يرى فوكو ان الفلسفة ليست وسيلة لعكس أو تصوير ما هو على صواب أو خطأ بقدر ما هي تصوير للعلاقة التي تربطنا بالحقيقة. فتغيير أو انتقال أطر عمل التفكير ومن ثم تحوير القيم المستقبلية هما في حد ذاتهما شيء من الفلسفة. ومن هنا يعتبر فوكو أن الثلاثين سنة الأخيرة وما تلاها كانت فترة من الفلسفة المكثفة لأن التفاعل بين التحليل والبحث والنقد المكتسب والنظري والتغيير في سلوك الناس وتصرفهم الحقيقي وطريقة وجودهم وترابطهم مع أنفسهم ومع الآخرين قد كانت جميعها ثابتة وكبيرة القدر. وبالإضافة إلى عمل الفلسفة كانعكاس لعلاقتنا مع الحقيقة يضيف المؤلف القول إنها اسلوب للتحقيق مع ذواتنا والتأكد من مدى العلاقة التي تربطنا مع الحقيقة والكيفية التي ينبغي علينا أن نتصرف من خلالها، سيما أن الكم الهائل والمتنوع من العمل قد تم إنجازه ومازال الكثير قيد العمل والذي من شأنه أن يغير علاقتنا مع الحقيقة وطريقة سلوكنا. وطرأ هذا الأمر،وفقاً لما ينوه إليه الكاتب، في موقف معقد بين سلسلة كاملة من التحقيقات ومجموعة متكاملة من الحركات الاجتماعية. وهي لذلك بالذات حياة الفلسفة. وفيما يخص علاقة الفلسفة بالعقل والسياسة يرى فوكو، وبعد أن يستعرض الكثير من الأدوار التي مرت بها الفلسفة وأهميتها على الصعيد الإنساني والحضاري والثقافي والاجتماعي،أن الفكر الغربي ومنذ القرن التاسع عشر لم يتوقف أبداً عن تجشم مهمة نقد دور العقل_ أو انعدام العقل_ في الهياكل السياسية. وكان من بين مهمات عصر التنوير مضاعفة السلطات السياسية التي يتمتع بها العقل. بيد إن رجال القرن التاسع شرعوا بسرعة في التساؤل عن نطاق القدرات التي يحظى بها العقل في مجتمعاتنا. وكان القلق الذي يساورهم يتعلق بالعلاقة التي لم تتضح لهم بشكل صحيح بين مجتمع ميال إلى العقلانية وتهديدات مؤكدة للفرد وحرياته وإلى العينات البشرية وبقائها. وبعبارة أخرى يود الكاتب القول إن دور الفلسفة ومنذ عهد كان قد تمثل في الحيلولة دون تخطي العقل للحدود التي عرّفتها التجربة في الوقت الذي عملت الفلسفة أيضاً منذ ذلك الوقت_ أي منذ تطور الدول الحديثة والإدارة السياسية للمجتمعات- في مراقبة السلطات المفرطة للعقلانية السياسية. منطق القوة يرى فوكو ان فكرة الملك أو القائد الذي يقف مقام الراعي لقطيع الغنم لم تكن مألوفة بالنسبة للرومان والاغريقيين. وهي تختلف تماماً عما عليه الحال بالنسبة لما حصل في المجتمعات الشرقية مثل مصر وبلاد آشور فالفرعون كان الراعي المصري في حين كان «راعي الرجال» عنواناً قام الملك البابلي باستخدامه. وكانت العلاقة التي تصورها القدماء بين فكرتي الالوهية والملك يسيرة طالما أن الدور المناط بهما متشابه:حيث من المفترض بهما رعاية القطيع الذي يمثل في كلتا الحالتين مخلوقات دنيوية. أما الحالات الاستثنائية فتتمثل بالملوك الماكرين وغير الآبهين الذين يشبهون إلى حد كبير جداً الرعاة السيئين لأن كلا منهم يشتت القطيع ولا يجمعه ويميته من العطش ولا يرون فيه الاّ منفعة لمصالحهم الخاصة ووسيلة تدر عليهم ربحاً. وهنا يظهر الكاتب لنا مقارنة ممتعة في الرؤية التي يختلف فيها الأغريق القدماء العالم الغربي الحديث في رؤيتهم للدور الذي يلعبه الملك وعلاقته بالقطيع أو الرعية. فأولاً يتمتع الراعي بقوة يفرضها على القطيع لا على الأرض بحيث كانت العلاقة أو القاسم المشترك بين الملك والأرض والرعية في عهد الإغريق تختلف تماماً عن الصورة السائدة في الوقت الحاضر. وكان دور القائد الذي تهبه الآلهة الأرض يتمثل بجمع وقيادة وتوجيه قطيعه، في حين تتحدد مهمته السياسية في تهدئة الخلافات وجعل الوحدة تسود في المدينة على جو الصراع. وما يقوم بتجميعه هو أفراد مشتتون يهرعون صوبه بمجرد أن يعطي الإشارة إلى ذلك ومن ثم يختفي القطيع حالما يتوارى القائد عن الأنظار. وبعبارة أخرى يشير فوكو إلى أن حضور الراعي الفوري وأفعاله المباشرة هي التي تبعث بوجود القطيع. وبعد أن يفض الملك النزاعات ويبث روح الأخوة والوحدة لا الفرقة سيخلف وراءه مدينة قوية الأركان يمكنها القانون السائد من الديمومة والبقاء حتى من دون وجود ذلك الملك. وثانياً يتجسد دور الراعي في ضمان إنقاذ قطيعه. فقد كانت مقوله الإغريق على الدوام أن الملك أنقذ المدينة ولم يتوقفوا عن التصريح بأن القائد الكفء هو أشبه بمن يمسك بدفة السفينة ويسير بها بعيداً عن الصخور والأمواج. وطريقة إنقاذ القطيع، وفقاً لما ينوه إليه الكاتب، مختلفة كلية لأنها لا تعني بالضرورة إنقاذ الجميع من دون ضحايا عندما يباغتهم الخطر من دون سابق إنذار. فالأمر ببساطة مسألة عطف شخصي ودائم لأن مثل هذا العطف يضمن للراعي إقبال القطيع على الطعام عندما يكون بينهم ليرى ما يأكلونه ويشربونه. أما الأمر الثالث فيكمن في فكرة استخدام القوة. فقد كان على القائد الإغريقي اتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة الجميع من دون استثناء لأن سيكون قائداً سيئاً عندما يؤثر مصلحته الشخصية الخاصة على مصلحة من سواه ومثل هذا الدور المجيد المناط بالملك أو القائد ليس محدداً بزمن ما أو مقتصراً على ظرف ما كما يراه الإغريق، لأن عليه التضحية حتى بحياته أثناء الحروب، لأن مثل هذه التضحية سيكون مقابلها الخلود الذي هو الهدف النبيل والأسمى. وخلاصة القول إن العطف من جانب الراعي أشبه بالمرادف في معناه للإخلاص لأن كل ما يقدم عليه الملك من أفعال يصب في ما هو لصالح القطيع الذي هو همه الأول والأخير. وعندما يأوي القطيع إلى النوم فعلى الملك أن يظل يرقبه بعيون متفحصة. وتكمن أهمية مفهوم مراقبة القطيع بأن هذا الأمر يبعث الراعي على العمل والتصرف والخروج ليرى بنفسه في الوقت الذي يهجع القطيع فيه. وثانياً إنه عندما يفعل ذلك فانه يولي اهتماماً لكل من هو تحت قيادته ويطلع على القطيع ككل وكأفراد. وليس عليه أن يعرف مكمن المراعي الخصبة فحسب، بل عليه أن يكون عارفاً بقوانين الفصول وترتيب الأشياء والاحتياجات الخاصة بكل فرد. هكذا يندلع العنف في المقابل يشير فوكو أن العالم الغربي في العصور الوسطى والوقت الحاضر يقف على الطرف النقيض والمختلف تماماً عن النظرة الاغريقية على الرغم من ادعاءاته المتكررة التي تماثل في شكلها ما يذكره الإغريق. فالمجتمع الغربي، وفقاً لرؤية فوكو، هو من أشد المجتمعات عدائية ورغبة في الغزو. زد على ذلك أن هذا المجتمع اتسم على الدوام بالعنف المفرط الذي تم استخدامه على نحو شديد المبالغة ضد أبنائه أنفسهم وضد غيرهم. وتم اختراع العديد من الأشكال السياسية المختلفة وقاموا بتغيير هياكلهم القانونية مرات ومرات بشكل جذري. وبالإضافة إلى ذلك نمت بينهم تقنية قوة غريبة تعامل الأغلبية من الرجال على أنهم قطيع لا يقوده سوى عدد محدود من الرعاة. وهم لذلك أوجدوا فيما بينهم حزمة من العلاقات المعقدة والمستمرة والمتناقضة. وبالنسبة للقوة يقول فوكو إن الأسلوب الذي تمارس به القوة وتعمل في مجتمع مثل المجتمع الغربي هي قليلة الفهم. فالأمور بالنسبة له تختلف تماماً عما يطرحه ماركس أو يراه عن ذلك المجتمع طالما يتعلق سؤال المجتمعات الغربية الصناعية حول هوية الذي يمارس القوة والكيفية التي تتم بها هذه الممارسة وعلى من تفرض لأن مثل هذه الاستفسارات تهم كثيراً الناس. وبالمقابل فإن مشكلة الفقر التي عصفت بالمجتمعات الغربية في القرن التاسع عشر وكانت كابوسه المهيمن لم تعد بذات أهمية كبيرة في العصر الحالي. ومع ذلك يثير المؤلف الكثير من الأسئلة التي يعدها تحتل أهمية بالنسبة له، كهوية الشخص الذي يتخذ القرارات ومن يمنعه من القيام بهذا العمل أو ذاك أو اللجوء إلى عمل آخر ومن يبرمج تحركاته ونشاطاته ومن يرغمه على العيش في مكان ما ولم يعمل في مكان مختلف. ويخلص الكاتب للقول إن السؤال المتعلق بهوية الممارس للقوة لا يمكن حله الاّ من خلال معرفة الكيفية التي تمارس القوة بها في الوقت ذاته. فالقضية المهمة لا تخص الأفراد الذين يتولون المناصب المسئولة كالوزراء ومساعدي الرئيس ونواب الوزراء، حتى لو كان من اليسير تماماً الوصول إلى هؤلاء الأشخاص، لأننا لا نعرف حقاً السبب ولا الكيفية التي دفعت إلى تبني أو اتخاذ ذلك القرار وما هو الدافع وراء موافقة «صناع القرارات» عليه. فالسلطة لا يمكن دراستها أو فهمها بعيداً عن الاستراتيجيات وشبكات العمل والآلية التي من خلالها تتم الموافقة على قرار ما أو بواسطتها يتم رفض قرار آخر وعدم اللجوء إليه. ثم يمضي الكاتب للحديث بشكل موسع وشيق في تحليلاته عن موضوع القوة التي يراها تتجسد تماماً في كل شيء، حتى في الألياف الموجودة في أجسادنا، تماماً كما كان رأي ماركس الذي يعزو في تحليلاته كل الأشياء إلى الدافع أو العامل الاقتصادي. ويبرر فوكو ذلك بالقول إن القوة معضلة يجب حلها. فالفلاسفة وحتى المفكرين يبررون ويحددون شخصياتهم من خلال السعي إلى بناء خط لا يمكن عبوره تقريباً بين مملكة المعرفة، التي يرونها متعلقة بالصدق والحرية، والمدى الذي تمارس فيه القوة. وحتى في ظل وجود النظريات النفسية والاجتماعية المنطقية المستقلة في طرحها عن القوة، فإن المجتمعات على العموم يمكن أن تغدو موضوعاً للملاحظة العلمية وان السلوك الإنساني إلى حد ما ربما يشكل مشكلة من اليسير تحليلها وحلها على أساس الآلية التي تسير القوة بواسطتها. ومن هنا فإن ولادة العلوم الإنسانية تمضي في خطٍ موازٍ لإقامة آليات جديدة من القوة. ويعلق المؤلف، عند الحديث عن الأحداث الثورية، أن أهم ما يميز تلك الأحداث هو كونها من بين الأمور النادرة أو ربما الفريدة التي تجمع العدد الهائل من مختلف شرائح المجتمع تحت مظلة الرغبة الجماعية. فالرغبة الجماعية وحسب تحليل المؤلف اسطورة سياسية يسعى بواسطتها المشرعون والفلاسفة لتحليل أو تبرير المؤسسات، ناهيك عن كونها أداة نظرية طالما كانت نادرة الحضور بحيث ساور معظم الناس الاعتقاد بأن مثل هذه الرغبة شأن الأشياء غير الملموسة وغير المحسوسة الأخرى قد يقضي المرء حياته بطولها من دون أن يصادفها. وفيما يتعلق بالثورة الإيرانية يشير فوكو إلى إن ما حصل هو ثورة بمعناها الأوسع والأشمل، لأنها تتعلق بانتفاضة شعب كامل ضد من كان يقمعه. وفي طهران أيضاً وبقية المدن الإيرانية كانت الرغبة الجماعية حاضرة وهو الأمر الجدير بالإشارة والوقوف عليه لتحيته طالما إنه لن يتكرر في كل يوم. وكان الدافع المميز الذي اختطه الثورة لها تحقيق هدف واحد وغاية مشتركة، وهي رحيل الشاه عن سدة الحكم. ومن هنا فإن الرغبة الجماعية التي كانت في المنظور الغربي واصطلاحة السياسي لا تحمل سوى المعاني النظرية قد وجدت في إيران هدفاً مطلق الوضوح والخصوصية مما جعلها تدخل التاريخ من أوسع أبوابه. وفي الوقت الذي تتسم الثورات من أجل الاستقلال والحروب الموجهة ضد الاستعمار بظاهرة الرغبة الجماعية ذاتها فإن العاطفة القومية في ايران وفي الفترة التي حدثت الثورة فيها قد اتسمت بجيشانها الهائل، رفض الخضوع للأجانب، الامتعاض من نهب الثروات القومية، رفض السياسة الخارجية غير المستقلة ورفض التدخل الأمريكي في الشئون الإيرانية. الجريمة مشكلة العصر يتحدث المؤلف عن رأيه في الجريمة التي أخذت تدب في المجتمع الغربي خاصة بشكل يختلف تماماً عما يتبادر إلى ذهن الكثيرين نظراً لدوافعها الغريبة ونطاقها الكبير وطبيعتها المبهمة. وبعد أن يستعرض بعض الجرائم التي حصلت في مدن مثل باريس وفيينا وكذلك في نيوإنجلاند والتي حضر جانباً من محاكماتها، يقول إن تلك الجرائم تمثل بالنسبة له أهمية بارزة في ظل المناقشات التي حصلت بين الأطباء وهيئة المحلفين. فأولاً تقدم هذه الجرائم صورة تختلف تمام الاختلاف عما يعرف في الوقت الحاضر بالتشريع الخاص بالجنون الإجرامي. فحتى نهاية القرن التاسع عشر أثيرت قضية الجنون في القانون الجزائي ضمن قضايا محدودة عندما تعلق الأمر بالسلوك المدني أو القانون الكنسي. وفي كلتا الحالتين وسواء كانت مسألة حالة مستديمة أو نوبة عابرة فإن الجنون قد عبر عن نفسه من خلال الكثير من العلامات التي يمكن تمييزها بكل يسر ووضوح، وإلى الحد الذي أثير فيه الجدل فيما يخص ضرورة وجود الطبيب للتصديق على حالة الجنون. ولكن الجرائم التي يشهدها العالم الغربي على وجه الخصوص حالياً، وكما يبصرها فوكو، تثير الدهشة طالما لم يسبقها أو يرافقها أو يتبعها أية علامات أو أعراض تقليدية ومميزة ومعروفة للجنون. ومن هنا فالجرائم المعروضة في الكتاب لا تتمتع بتاريخ سابق عن الجنون ولم يتعرض المذنب لأي نوبات إضطرابية غريبة أو حتى سلوك غير منتظم يبرر تلك الرغبة الإجرامية. وبعبارة أخرى فإن مصدر الجريمة حالة بوسع المرء أن يدعوها بدرجة الجنون الصفرية. والسمة المشتركة التي تربط تلك الجرائم والتي يعرضها المؤلف هنا تتعلق بمكانها لأنها تحصل جميعاً ضمن بيئة منزلية. فهي جرائم عائلية تمس ربات البيوت أو الجيران أو أحد الأبوين الذي يقدم على قتل صغيره أو أطفال يقتلون آباءهم أو ذويهم، أو حتى الخدم الذين يرتكبون الشيء ذاته مع من يعملون لديهم أو مع أطفال الجيران. وهذه الجرائم وكما توحي من طبيعتها تسهم في ربط أفراد من جيلين مختلفين:الصغير عادة مع البالغ. وفي تلك الأيام كانت العلاقة التي تتعلق بالمكان والعمر والقرابة تعتبر الأكثر قدسية وطبيعية وبراءة سيما إنها العلاقة النادرة أو ربما الفريدة التي يوجه الإتهام إليها بدافع مادي أو عاطفي. وعلى خلاف الجرائم التي يكون ضحيتها المجتمع وقوانينه فإن الجرائم المنزلية توجه ضد الإنسانية وضد القوانين التي تمس العاطفة القلبية الإنسانية التي ينعم بها البشر جميعاً والتي توحد الأجيال والعوائل. وعند مطلع القرن التاسع كان شكل الجريمة الذي تثار فيها قضية الجنون تعد جريمة ضد الطبيعة، في حين لم يعتبر الشخص الذي يجتمع فيه الجنون والإجرام فرداً يعاني من بعض الإضطراب أو صورة شاحبة تتحرك بين أطراف القانون والحالة الطبيعية، فهو وحش كبير. ثم ينتقل الكاتب وبعد تحليله النفسي للجرائم للوقوف على المعضلة الأكبر التي تطرحها مثل هذه الأفعال بالنسبة للقضاة. ويشير إلى ان بمقدور المرء أن يدرك الحرج الكبير الذي تسببه الجرائم غير المبررة أو التي لا دافع لها للقضاة ورجال المحكمة. ففي السابق كان الأمر يحسم بمجرد العثور على مرتكب الجريمة لفرض العقوبة عندما يعترف المذنب بعدم وجود مبرر أو دافع لجريمته ولم يكن يعاني من نوبة غضب أو جنون. لذلك من الصعب معاقبة المذنبين عندما تكون دوافعهم مجهولة ويلوذون بالصمت أمام القضاة، ولا ينبسون ببنت شفة الاّ للموافقة على الحقائق والاعتراف صراحة بأنه كان في تمام وعيه عندما أقدم على فعل الجريمة. وهذا الفعل، وكما يستعرض الكاتب، قد تكرر مع المرأة التي أقدمت على قتل ابنة الجيران. فهي لم تكد تعرف تلك البنت ولم تراودها مشاعر الحب أو الكره تجاه أهلها، وعندما وقفت أمام المحكمة لم تعطِ افادتها أدنى تفسير للباعث وراء فعلتها. وبالمحصلة يشير الكاتب الى ان الشخص الذي لا تظهر عليه سيماء الجنون يثير عملاً قام به بشكل طوعي ومدرك له. وفي ظل توفر كل الأدلة التي تدين ذلك الشخص وفقاً لبنود القانون فإن الأمر الغريب ألا يكون ثمة سبب أو دافع أو حتى ميول شريرة تجعل من الممكن الوصول الى تحديد نوع العقوبة التي ينبغي توجيهها إلى المرأة المذنبة. ومن الواضح وجود إدانة لتلك الجريمة ولكن الغريب على الفهم، كما يشير فوكو، وجود عقوبة. وبعبارة أخرى إذا كان سبب الجريمة قد بات سبب العقوبة فعندئذ يصعب على المرء توجيه العقوبة عندما يكون سبب الجريمة مجهولاً. فالمرء الذي يوجه العقوبة عليه أن يعرف طبيعة الشخص المذنب ورغباته القاسية ودرجة الشر التي تكمن في داخله وما هي مصالحه واهتماماته. ومن جانب آخر يقترح الكاتب وكما طرأ في وقت متأخر من التاريخ بأن السجن ـ وليس النفي أو التعذيب ـ هو الأجدر بأن يكون العلاج العقابي. وهذا الأمر وكما يظهر بين طيات الكتاب قد توصل إليه الكثير من الباحثين حيث يتحتم على المجتمعات المحاربة أوالرأسمالية أو الصناعية التي ترى في العمل شيئاً له قيمة مهمة بألا تدين الأشخاص المذنبين بعقوبة تعود بفائدة أكثر من إرغامهم على العمل. وفيما يتعلق بالأدب ، يشير فوكو الى أن الخطاب الأدبي وكذلك الفلسفي يؤدي عمل البديل أو الإطار العام الذي يغلف بقية ألوان الخطاب. فالأدب يقف ممثلاً للبقية لأن الناس قد كتبوا تاريخ ما تم قوله في القرن الثامن عشر بواسطة فولتير وديدرو ومن خلال الأعمال الروائية لأن مثل هذه النصوص ـ كما يراها الناس ـ تعبير عن شيء يشكل في النهاية أبعد من مجرد مستوى يومي. ومن هذا المنظور يدعونا فوكو إلى البحث عن جدوى توزيع الرواية والقصيدة والقصة في مجتمع ما ولماذا تؤدي بعض مثل هذه الأعمال وظيفة أدبية في الوقت الذي تزخر فيه بالسخرية. وللوقوف على ذلك يطلب منا المؤلف العودة إلى المؤسسة التي كانت تختلف عن شكلها الحالي، وهي المؤسسة الجامعية، لأن تعريفها بات مرتبطاً مع مؤسسة الأدب. ففي ثقافتنا ثمة انحدار واضح وعلى نحو بارز لا يمكن تغافله. لقد كانت الجامعة في القرن التاسع عشر عنصراً تأسس فيه ما يسمى بالأدب التقليدي الذي تجسدت قيمته كأساس وحيد للأدب المعاصر وكنقد لذلك الأدب. لذلك حصل في القرن التاسع عشر تفاعل واضح بين الأدب والجامعة وبين الكاتب وأستاذ الجامعة. ومن ثم أخذت المؤسستان وبالرغم من الاختلافات بينهما بالترابط العميق شيئاً فشيئاً بحيث بدا متحدين كلية. وفي العصر الحالي فإن أعمال رواد الأدب لا يقرأه الاّ المدرسون وطلبتهم وإن الكاتب الذي يتجاوز عمره الثلاثين يحيطه عادة الطلاب الراغبون بكتابة أطروحاتهم عن أعماله. ومن هنا فإن الكتاب، وفقاً لما يقترح فوكو، يعيشون بشكل رئيسي على ما يقومون بتدريسه وعلى ما يلقون من محاضرات على مسامع الطلبة. وبالنسبة للموسيقى يقول فوكو إنها قد خرجت من مسارها الصحيح وبلغت مرحلة من التعقيد جعل من فهمها أمراً متعذراً. ففي الوقت الذي يرى المؤلف تعدد القنوات التي تربط الموسيقى بأنماط الثقافة الأخرى الأدب والفن فإنها تتمتع بصفة كونها الأقرب والأكثر حساسية للتغيرات التقنية. وثانياً إن المعضلات النظرية التي طرحتها الموسيقى لنفسها فيما يتعلق بالتراكيب واللغة والمادة تعتمد على السؤال الذي كان محور القرن العشرين والمتعلق بالشكل وهل ينبغي إتباع ما دعا إليه التكعيبيون أو شونبرغ أو الشكليون الروس أو مدرسة براغ. فالموسيقى قد ارتبطت على الدوام بالطقوس إلاجتماعية وتوحدت من خلالها كالموسيقى الدينية وموسيقى الحجرة وكانت الأوبرا في القرن التاسع عشر مخاض العلاقة بين الموسيقى والنتاج النظري. وفي العصر الحالي ثمة انعدام للاهتمام وعدم اكتراث من جانب المستمع تجاه الموسيقى. وهنا يطرح فوكو مقارنة لطيفة بين ما كانت عليه الموسيقى سابقاً وما عليه الأمر حالياً. ويرى انه في الموسيقى الكلاسيكية هنالك شفافية ما من التأليف إلى السماع. وحتى في ظل العديد من المزايا التأليفية في أعمال باخ وبيتهوفن التي يجهلها المستمعون ترافقها على الدوام مزايا أخرى أكثر أهمية ومن السهل على المستمع الوصول إليها. ولكن الموسيقى الحديثة وفي مسعى منها لجعل كل عنصر حدثاً فريداً غدت على المستمع صعبة الفهم، إن لم تكن مستحيلة. الفهم