تدمر مشكلة حب الشباب حياة ونفسية الكثير من المراهقين لكن العقار السحري الذي يعالجه يمكن ايضاً ان يتسبب باضطرابات نفسية ويؤدي للانتحار.وفي الخامس من يناير من هذا العام، سرق المراهق الاميركي تشارلز بيشوب طائرة سيسنا خفيفة من مدرسة طيران من مبنى بنك أميركا في مدينة تامبا. والملحوظة التي عثر عليها في جيبه عبر فيها عن تعاطفه مع خاطفي 11 سبتمبر الذي احتذى بنهجهم. وهناك حالات اخرى من الوفيات التي لا تقل مأساوية. ففي ديسمبر من العام 1997 قتل سوماس تود ابن الممثل ريتشارد تود البالغ من العمر 20 عاماً نفسه بطلقة رصاص. وفي العام 1998 قفز ديفيد بيبي ابن الثامنة عشرة من موقف سيارات متعدد الطوابق في مدينة نيوبورت جوينت. كما شنق طالب من دبلن في العشرين من عمره نفسه من شجرة. وفي العام 2000 وقفت سوزان جونسون وهي امرأة متزوجة شابة في طريق قطار سريع في لندن. وفي نيوزيلاندا ودع هيوجو ويلكنسون وهو طالب في التاسعة عشرة من عمره والده الخارج للعب مباراة رجبي ثم عاد لغرفته وقتل نفسه. وفي الولايات المتحدة قتل ابن عضو الكونغرس بارت ستوباك البالغ من العمر 18 عاماً ولاعب كرة القدم المحبوب في الجامعة، نفسه بالرصاص بعد عودته من حفلة مسائية نظمتها الجامعة. وفي وقت لاحق من العام نفسه سمعت لجنة من الكونغرس حكاية المراهقين الطبيعيين المفعمين بالصحة دانييل بومان 15 عاماً وهو من ايلينوي، وكلاي جاكسون 17 عاماً من تكساس اللذين قررا فجأة إنهاء حياتهما وحكاية المراهقة اماندا كاليه ابنة الاربعة عشر عاماً التي اخذت جرعة زائدة وانقذتها والدتها من الموت. وعلى موقعه في شبكة الانترنت القى عضو الكونغرس الاميركي ستوباك الضوء على 54 حالة انتحار في الولايات المتحدة وقعت بين العام 1998 والعام 2000. الجديد ان الخيط الذي يربط كل هؤلاء الاشخاص معاً هو تعاطيهم فيتامين الف وجميعنا يعتمد على فيتامين «الف» لصحة الشعر والبشرة والاغشية المخاطية. وهو يساعد على الرؤية الليلية ونظام التناسل. وكذلك فاننا نحتاجه لصحة الاسنان والعظام. وافضل مصادره الفاكهة الصفراء والخضروات داكنة الخضرة رغم اننا نحصل عليه ايضاً من اللحوم والاسماك والحليب والبيض. وهو اساس جميع الكريمات المكافحة للتجاعيد التي تدخل مادة «ريتينول» او «ريتينويد» في تركيباتها. والمشكلة هي ان اي شيء يؤخذ بإفراط يتجاوز كونه غذاء او دواء ويتحول الى سم. فالجرعة الزائدة هي ما تحول دواء بريئا للصداع الى مادة قاتلة. والامر نفسه ينطبق على فيتامين «الف» فالافراط فيه يتسبب بحالة تسمى «هايبر فيتامينوسيس» تظهر اعراضها على شكل اضطرابات نفسية وبدنية. وهناك نقطة مشتركة بين شارلز بيشوب وبارت ستوباك وجميع المنتحرين الشباب في اواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، فكلهم كانوا يعانون من مشكلة حب الشباب، ويتعاطون عقاراً قوياً لعلاجه اسمه «ايسوتر يتينوين» وهو احد مشتقات فيتامين الف مصنوع من قبل شركة الادوية السويسرية هوفمان ـ لاروش ويباع في مائة دولة عبر العالم. والاسماء التجارية لهذا العقار هي روكيوتين في بريطانياً واكيوتين في الولايات المتحدة. وعلى جانبي المحيط الاطلسي تثار حالياً قضية الصلة بين اقراص علاج حب الشباب والانتحار وحالات الانتحار الاربع والخمسين التي رصدها ستوباك، كانت كلها لها صلة بعقار ايسوتريتينوين وتعكسها تقارير اخرى وردت من دول اخرى في العالم ففي بريطانيا سجلت منذ العام 1983، 15 حالة انتحار. ومنذ العام 1997 في فرنسا والعام 1998 في الولايات المتحدة وبريطانيا طرح عقار ايسوتريتينوين مع تحذير احتمال تسببه بالاكتئاب والانتحار. بيد ان الاكتئاب ليس التأثير الجانبي الوحيد وربما ليس حتى الاسوأ. فالنساء الان يوصف لهن الدواء فقط اذا لم يكن حوامل وشريطة الا يخططن للحمل اثناء استعمالهن له. وفي الولايات المتحدة حيث يكون سلاح المقاضاة مسلطاً على رقاب الاطباء ينبغي ان توافق المريضات على استخدام وسيلتين لمنع الحمل اثناء تعاطيهن العقار. وشركة روش نفسها تعتبر ان احتمال التسبب بتشوه في الاجنة كبير وتنصح النساء اللائي يحملن اثناء تعاطيهن العلاج بالاجهاض. وقبل ان يتم حظر استخدام الدواء اثناء الحمل ولد اطفال بتشوهات في الاذنين كعدم تناسب مكانيهما او غيابهما، ولادة اطفال بعينين متباعدتين الى حد غير طبيعي او رؤوس كبيرة وذقون صغيرة. وكانت هناك ايضاً حالات تخلف عقلي وعيوب جسمانية في القلب والمخ والجهاز العصبي. وجميع مستخدمي عقار ايسوتريتنوين تقريباً يمكن ان يتوقعوا بعض التأثيرات الجانبية. وردود الفعل الطبيعية تشتمل على تشقق الشفتين والحكة وتقشر الجلد وجفاف الاغشية المخاطية الذي يمكن ان يتسبب بنزف في الانف. والشعر يمكن ان يتساقط وتجف العينان وتتعذر الرؤية ليلاً.. اما الاعراض الاخرى الاقل شيوعاً وفق ورقة لورقة التعليمات المرفقة مع الدواء فتشتمل على الصداع والغثيان والاجهاد والتعرق والخلل في الدورة الشهرية والفقدان البسيط في السمع والتغيرات في الرؤية بما في ذلك الخلل في رؤية الالوان. والصفراء ومرض الكبد والانيميا او فقر الدم والتشنج ومرض التهاب الامعاء والتهاب البنكرياس والتهابات بكتيرية جلدية، وتغيرات في الاظافر وزيادة في تلون الوجه وتورم وصديد وتورم في الغدد والتهاب الاوعية الدموية الذي يظهر احيانا مع رضوض وبقع حمراء، وظهور دم اثناء التبول والاصابة بالسكري وتغيرات في معدلات جلوكوز الدم والربو. ومثل هذه التغيرات تكون مؤقتة في العادة لكن مخاطرها تكفي لتضيف الايسوتريتينون كدواء لا يلجأ له الا في الحالات الحادة من حب الشباب. فهو لا يوصف لعلاج الحالات الخفيفة من الطفح الجلدي المتصل بمرحلة المراهقة ولكن للحالات التي لا تستجيب للمضادات الحيوية او غيرها من المعالجات. وفي بريطانيا لا يوصف العقار الا من قبل اخصائي امراض جلدية وليس ممارس عام. ولكن ما ينبغي فعله هو شيء وما هو مطبق في الواقع شيء آخر. فالكثير من اطباء الجلد يصفونه لعلاج ابسط حالات حب الشباب فهو يعد ثاني اكثر عقار مربح لشركة روش عالميا حيث تجلب مبيعاته السنوية مليار فرانك سويسري ما يعني ان الاطباء لا يصفونه بحذر. وفي العام 1992 اعلنت جمعية ليدز للبحث في الامراض الجلدية ان 40% فقط من دواء ايسوتريتينوين يوصف لحالات حب الشباب الحادة وان اغلبية الحالات الخفيفة تعالج به. وفي العام 1995 قدّر الاطباء ان 16% من وصفات الدواء تصرف للحالات الحادة والبقية للحالات الخفيفة الى المتوسطة، وما يعرض حياة الآلاف من الشباب لامراض تليف الكبد والسكري والاكتئاب والانتحار. بيد ان حالات الانتحار المتصلة بالعقار هي ما استحوذت اهتمام وسائل الاعلام حالياً وهو ما ترفضه الشركة المصنعة. دانييل كيني المتحدث باسم شركة روش يقول: ان هناك اسباباً كثيرة تدفع المراهقين للاكتئاب او محاولة الانتحار وليس هناك دليل يؤكد ان عقار ايسوتريتينوين هو السبب، فليست هناك اصابة مباشرة ناتجة عن الدواء وكل ما في الامر هو ان الضحايا تصادف تعاطيهم للعقار في الوقت الذي قرروا فيه انهاء حياتهم، ويمكن ان تكون حالات الانتحار تلك ناتجة عن عوامل اخرى على حد قوله وحب الشباب نفسه هو دافع للانتحار. هذا هو الجدل الذي تمسكت به الشركة منذ عدة سنوات والذي يرفضه اهالي الضحايا ممن يؤمنون بوجود العديد من الادلة على ان عقار ايسوتريتينوين قد يتسبب باكتئاب حاد لدرجة تكفي لدفع الشخص للانتحار، ولكن ما ينقصهم قانونياً لمقاضاة الشركة ليس الادلة، فأطفالهم المتوفون هم ادلة كافية ولكنهم بحاجة لإثبات وجود صلة مباشرة بين العقار والانتحار. وهذا الامر لن يتحقق الا من خلال دراسة شاملة يخضع لها عشرات الآلاف من المتطوعين بتمويل دولي مشترك كي يتمكن العلماء من دراسة التأثيرات النفسية للعقار لكن الصعوبة كما يقول البعض تكمن في ايجاد متطوعين من مرضى حب الشباب ممن لديهم استعداد لتعريض انفسهم للدواء وتحمل تأثيراته النفسية او تلقيهم علاجا وهميا يتسبب لهم بندوب في الوجه قد تبقى آثارها معهم مدى الحياة. ابتسام أحمد