كانت النسور الكبيرة التي يبلغ امتداد جناحيها سبعة اقدام تهيمن على سماء اميركا الشمالية، عندما وصل المستوطنون الاوروبيون في القرن السابع عشر، وربما كان نحو نصف مليون نسر اصلع يحلق في ارجاء القارة في ذلك الحين. لكن المستوطنين القوا على تلك الطيور اللوم في قتل مواشيهم وراحوا يصيدونها بالاعيرة النارية فبدأت اعدادها تنخفض بشكل حاد. وبقيت النسور محمية نسبيا في موطنها الشمالي نظراً لعزلتها عن البشر هناك. لكن في اوائل القرن الماضي ادعى صيادو ومزارعو الاسكا ان الطيور تسرق رزقهم، واستجاب المجلس التشريعي الاقليمي في عام 1917 باقرار مكافآت مالية حكومية لمن يصيد تلك النسور. والى ان الغي العمل بهذا القانون في عام 1953 قتل ما لا يقل عن 128 الف نسر اصلع واستغرق الامر عشرين عاما لكي تنهض نسور ألاسكا مرة اخرى. وبحلول عام 1973 سنة صدور مرسوم الكائنات المهددة بالانقراض كانت اعداد النسور في ألاسكا واجزاء كبيرة من كندا مستقرة، ولذلك لم تشمل تلك الطيور في الحماية بموجب المرسوم في الاسكا او بموجب القانون الفيدرالي في كندا. واليوم يعيش نحو 100 الف نسر اصلع في هذين الموقعين. وكان وضع النسور في الولايات المتحدة الاميركية الـ 48 الاخرى اسوأ بكثير، فمرسوم حماية النسر الاصلع الصادر عام 1940 حظر صيد النسور بالاعيرة النارية أو ايذاءها لكنه لم يذكر المبيدات الحشرية التي بدأت خلال عقد من الزمان في تدمير بيوض الطيور. وبحلول الستينيات لم يتبق سوى 400 زوج من الطيور القادرة على التناسل في تلك الولايات، وحذرت راشيل كمارسون في كتابها المهم «الربيع الصامت» عام 1962 من أن تراجع اعداد النسور بهذه الطريقة لربما يحتم علينا ايجاد رمز وطني جديد وبفضل حظر مادة دي دي تي واتخاذ بعض الاجراءات الاخرى في عام 1972 استعادت النسور عافيتها على نحو مثير ولم تعد مهددة بالفناء واليوم وصل عدد النسور الى 60 الف زوج وربما تشطب قريبا من قائمة الحيوانات المهددة بالانقراض. وقد قام فريق في مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» مؤخراً بزيارة مقاطعة نيوفاوند لاند بكندا لتفقد اوضاع النسر الاقرع هناك عن كثب، وامضى المصور نوربرت روزينج عدة اسابيع في التقاط الصور لعائلة نسور في عش بالقرب من خليج بلاسنتيا، وتستطيع النسور البارعة في الصيد ان ترصد السمكة في ارتفاع عال في الهواء، لتنقض عليها بسرعة 100 ميل بالساعة، ويقول روزينج في ضوء متابعته اليومية لتفاصيل حياة عائلة النسور: يصيد الابوان السمك ويجلبانه للفراخ الصغيرة ثلاث الى خمس مرات في اليوم، وقريبا سينبت ريش الفراخ وتبدأ بالتحليق حول العش لبضعة اسابيع قبل ان تنطلق الى عنان السماء. ويصبح البحر مائدة شهية للطيور الكاسرة والحيوانات الاخرى عندما تجنح ملايين من طيور الكبلين الى الشاطيء لتضع بيوضها وتموت على شواطيء جزيرة نيوفاوند لاند بحثا عن السمك الفضي، كما يأتي سكان الجزيرة ليجمعوا حصتهم من غلال السمك الوفيرة، وتتنافس النسور فيها بينها على اسماك الكبلين وبل وتضطر ايضا احيانا لمواجهة حيوانات منافسة ماكرة. ورصد روزينج بعدسته صراعاً قوياً بين نسر اقرع وثعلب احمر على سمكة كبلين فضية ويقول روزينج في وصف ذلك المشهد المثير الشيق: كان النسر يهدد الثعلب ويهاجمه لكنه سرعان ما عاد ليبسط سلطانه على الشاطيء وينزع السمكة من بين براثن الثعلب الجائع. وفي حين ان النسور تترقب بفارغ الصبر وصول الاسماك الفضية الشهية التي تنفق على الشاطيء بعد وضع بيوضها، فإنها لا تجد صعوبة في صيد الاسماك الحية والفرائس الاخرى بما في ذلك الطيور والثدييات. وبعبارة اخرى لا خوف على هذه النسور الجسورة من الجوع، واذا كانت قد عانت من جور الانسان عليها في القرون الماضية، فإن القانون في الولايات المتحدة قد كف عنها ايدي البشر العابثة ليضمن بقاءها زينة في سماء البراري ورمزاً وطنيا اميركيا اثيرا لدى الكثيرين من الأميركيين. علي محمد