يجتمع عدد كبير من الناس كل عام في موعد تفتّح براعم الكرز في حدائق يوكوسوكا، بالقرب من طوكيو. ويمثل بريطانيا العظمى في هذا الاجتماع الملحق العسكري البحري الملكي، مرتدياً زيّه الرسمي الكامل. وتقوم الدول الأوروربية الأخرى بإرسال سفرائها وقناصلها، الذين يضعون أكاليل الزهور على الضريح الحجري المهيب. ربما كان المنظر الأكثر إثارة للدهشة هو ذلك العدد من اليابانيين الذين احتشدوا، لكي يشهدوا هذه الاحتفالية الاستثنائية. كانت الحدائق عامرة بالشخصيات البارزة وحكام الأقاليم الذين أصغوا بانتباه عندما بدأ المهرجان. لقد جاءوا لتكريم واحد من أشهر أبطال اليابان، توفي قبل أربعة قرون تقريباً، ومع ذلك لا يزال اسمه مشهوراً. ذلك الرجل هو انجليزي مجهول كلية في مسقط رأسه. وفي الواقع انه كان النموذج لرواية جيمس كلافيل الشهيرة «شوجون» مع ان القليل من الاشخاص قد يدركون ذلك. أما في اليابان، فإن وليام آدامز يعتبر اسماً مألوفاً. فتلامذة المدارس يدرسون عنه، وقبره، الذي أعيد اكتشافه في عام 1872، يعتبر محجّاً للناس. وهناك منطقة في طوكيو تحمل اسمه. وليس هناك غربي آخر يتمتع بهذا الاحترام في هذه البلاد الانطوائية والتي تصاب احياناً برهاب الأجانب. لقد حقق هذا البحار المتواضع من عهد إليزابيث شيئاً استثنائياً. فهو لم يكن أول انجليزي تطأ قدمه أرض اليابان، وذلك عام 1600، وحسب ولكنه مضى أيضاً ليحتل منصباً ملفتاً في بلاط الشوجون، وهو الحاكم العسكري. وبعد ان انهالت عليه الألقاب التكريمية والثروات، استغل نفوذه الجديد في محاولة لجعل اليابان تنفتح على العالم الخارجي حيث أقنع الشوجون بمنح حقوق تجارية للانجليز والهولنديين والاسبان. وقد ساعد في جرّ هذه الأرض المجهولة والمحرّمة من ماضيها الغارق في العصور الوسطى. وفي أرشيف شركة الهند الشرقية، توجد رسائل كتبها آدامز بخط يده الذي تصعب قراءته، ويتعرف منها المرء على قصة حياة حافلة بالحظ السعيد والشجاعة الاستثنائية. ويتحدث في كتاب يومياته عن رحلاته الى كوريا وسيام، وتكشف وصيته عن رجل يملك ثروة طائلة. ولد وليام آدامز في مقاطعة كنت لأسرة تعمل في البحر في عام 1564. وتدرب في سن صغيرة على بناء السفن وترميمها. وترعرع في عالم يتغير بسرعة، فقد استطاع مغامرو الملكة اليزابيث الأولى ان يمخروا عباب البحر ويصلوا الى المحيط الهندي والبلدان المحيطة. ولكن دولة واحدة ظلت تشكل لغزاً محيراً. فاليابان، بلد الشمس المشرقة الاسطوري، لم يكن قد زارها أي من ملاحي الملكة المهرة. والمعلومات الوحيدة التي كانت متوفرة كان مصدرها كتاب ماركو بولو «رحلات»، مع ان هذا المستكشف لم يزر اليابان، وانما اعتقد انها بلاد الثروة التي لا تضاهى. وشأن العديد من المغامرين، رأى آدامز البحر وسيلة للهرب من الفقر الطاحن الذي ولد فيه، وسرعان ما تخلى عن بناء السفن وتحول الى الابحار فيها. ولقد شهد الخدمة الفعلية ضد الاسطول الحربي الاسباني، وفي عام 1598 علم ان اسطولاً من السفن الهولندية يستعد للابحار الى منطقة «إيست انديز». وأملاً في جمع الثروة التي يحلم بها، توجه آدامز الى روتردام وتم تعيينه رباناً لإحدى السفن، وكان عمره آنذاك 43 عاماً. وتوفر أقدم الرسائل التي بعث بها آدامز الى زوجته في الوطن وصفاً تصويرياً لمصاعب الرحلات الطويلة وتكشف شيئاً عن الرجل نفسه. وهو يتحدث في الرسالة عن الطقس السيئ والطعام القليل والجوع الذي دفع الرجال الى أكل جلود البقر التي تغطي الحبال. وبينما كان الاسطول متجهاً نحو المحيط الهادي، تعرض لإعصار هائل، فانفصلت سفينة آدامز عن بقية الاسطول. وبعد ان أصبح طاقم السفينة وحيداً ومهجوراً وسط البحر، قرر أفراد الطاقم أن يغيروا مسارهم الى اليابان على أمل ان يجدوا هناك سوقاً جيدة لحمولتهم التي كانت عبارة عن قماش الجوخ. وما ان وصلوا الى الساحل الشرقي لجزيرة كيوتو حتى كان معظم الاشخاص الـ 24 الذين بقوا على قيد الحياة قد أوشكوا على الموت. قام اليابانيون بإنقاذ طاقم السفينة ولكنهم نهبوا بضاعتها، وقدموا للطاقم طعاماً ومكاناً للنوم. سمع الحاكم المحلي في أوساكا بأمر الغرباء، فأرسل في طلبهم لكي يمثلوا بين يديه في القصر، فقيل له ان ابرزهم هو آدامز فطلب احضاره الى القصر في أوساكا. وفي أوساكا، تعرف آدامز على اليابان في القرن السابع عشر فوجدها بلداً متطوراً ذا قصور ومعابد رائعة. استقبل الحاكم المحلي ويدعى توكو جاوا إياسو، آدامز بحفاوة بالغة، فقد كان مهتماً جداً بمعرفة ما يجري في الجهة الأخرى من العالم. وهكذا نشأت علاقة صداقة قوية بين الحاكم المحلي (الشوجون) وآدامز كان لها تأثيرها في بعض القرارات المصيرية التي كان يتخذها الحاكم. فقد أناط به، على سبيل المثال، مهمة بناء سفينة كبيرة تصلح للإبحار في مياه المحيطات. وهذا ما قام به آدامز بالفعل، حيث نالت السفينة اعجاب الحاكم وكانت اللبنة الأساسية في بناء الاسطول البحري الياباني. ولا يزال اليابانيون يعتبرونه الى الآن المؤسس الأول للبحرية اليابانية. ضرار عمير