قليلة هي التجارب الحقيقية التي تبحث في العلاقة بين الإبداع والمرض النفسي، وأقل منها تلك التجارب التي تبحث في العلاقة بين التعبير الفني والعلاج النفسي. لكن «البيان» إستطاعت أن تختبر إحدى هذه التجارب النادرة بزيارة، معرض اقامه مستشفى للأمراض النفسية والعقليه لنزلائه.. حيث تجولت وسط إنتاج النزلاء وقيمته من الناحيتين الفنية والطبية باعتبار أن إنتاج المرضى النفسيين بمثابة مفتاح لشخصياتهم أولا ومعيار لتطور حالتهم النفسية والعقلية ثانيا، وأداة تساعد على شفائهم ثالثا. في مستشفى الخانكة للصحة النفسية يتنوع إنتاج المرضى بين شعر ونحت وصور زيتية وتشكيلات هندسية.. قد يكون الإنتاج متواضعا للغاية بالمعايير الفنية البحتة، لكنه في النهاية تجربة إنسانية تستحق الرصد والتقييم والتوقف عندها. أهم ما يميز معرض إبداع المرضى النفسيين الذي أشرفت عليه إدارة المستشفى أنه تجربة فريدة لا تتكرر كثيرا في المنطقة العربية خصوصا إذا كان النزلاء من نوعية القتلة العصابيين أو المدخنين أو المهووسين بشئ ما.. ربما يكون الفن. عصام أحد هؤلاء المهووسين، يعاني مرض الفصام العقلي، وهو نزيل بالمستشفى منذ 8 سنوات يحتكر لنفسه ركنا بالعنبر رقم 3 الذي زينه بعناية فائقة، عناية فنان يهيم عشقا بالفن، على الحائط علق عودا يعزف عليه أحيانا بعض القطع الموسيقية التي يحبها ويلحن أشعاره وإن كانت ركيكة يقول عصام عن نفسه أنه شاعر بالفطرة ويصر على أن يسمعك بعض أشعاره بالفصحى أو العامية وهي أشعار تتطرق إلى موضوعات شتى سياسية وعاطفية وفلسفية: آيات الأخرس بتنادي.. ما تسيبوا شارون في بلادي لوكل مجاهد راح يخلص.. من خمسة صهاينة أنا موافقة دي جهاد أنا شايفاها.. آهي واقفة بالثوب الأبيض في الشهدا ووفاء إرتاحت من الغمة.. وأنا بنت الأخرس شوفتوني ودون أن تسأله يبادر قائلا: كتبت كثيرا عن فلسطين.. لكن تظل القصيدة التي كتبتها في آيات الأخرس الأقرب إلى قلبي. المريض النفسي إذن لا ينفصل عن الواقع كما قد يتبادر إلى الذهن يتفاعل معه كالأفراد العاديين ويعي ما يدور حوله تماما. يقوم عصام محتدا ومكررا مقولة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر: دعك من السياسة لن تفضى إلى شئ: ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. ويضيف إلى ذلك بعدا دينيا بقوله الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق العربية هو العودة إلى كتاب الله. على جدار ركن عصام يوجد أيضا مسطرة كبيرة معلقة، وصورة فوتوغرافية للوحة الموناليزا الخالدة وصورة للمطرب اللبناني المعروف جورج وسوف. وعلى طاولة صغيرة مستندة إلى الجدار صف دواوين شعرية لفاروق جويدة الذي يعتبره صديقه المقرب رغم أنه لم يلتقه أبدا ونزار قباني مثله الأعلى كشاعر . هذا هو العالم الفني الخاص بعصام الذي يحدثك عن ظروف تجربته الشعورية فيقول واثقا كشاعر كبير وبطريقة مسرحية: أشعر أن شيئا يرهقني ولا أستريح إلا بعد أن أفرغه على الورق. وهذه الحالة تنتابني أكثر من مرة في اليوم الواحد. لهذا السبب إنتاجي غزير مع ذلك قد أتوقف عن الكتابة لفترات طويلة الأمر مرتبط بحالتي المزاجية فأنا أكتب في حالات الفرح والغضب. الطبيب الذي يعالج عصام فسر لنا جانبا من حياته الشخصية:كان متطوعا في الجيش منذ 8 سنوات قبل دخوله المستشفى، وبدون سابق إنذار أصيب باضطرابات عقلية فجائية، وقتل زوجته، ولأنه مريض لم يذهب إلى السجن بل جاء هنا.. حالته الآن مستقرة بعد تلقى العلاج.وهو متعاون جدا ومثالي ويساعد المرضى الآخرين طواعية ويعتلي المنبر ليلقي خطبة صلاة الجمعة كل أسبوع. سعيد حالة نفسية وشعرية أخرى فهو يقرض الشعر مثل عصام ولكن على طريقته الخاصة إهتمامه الشعري منصب على المرأة ورغم أنه يتهم زوجته بالخيانة ودخل بسببها المستشفى إلا أنه يؤكد أنه لا يكره المرأة لأنها ليست الزوجة فقط بل الأم والأخت كتب قصيده «يعتبرها هكذا» عبارة عن ديالوج بين حبيب وحبيبة. في مستشفى الخانكة هناك أكثر من 1700 نزيل بينهم 30 مريضا بالفنون والأدب يقول الدكتور بهاء عثمان مدير المستشفى أننا نستعين بمتخصصين ونقاد محترفين لتفسير أعمال المرضى والاستفادة بآرائهم للوقوف على تطور الحالة المرضية للنزلاء هذه الأعمال بمثابة مفتاح للشخصية نتعرف من خلالها على مكوناتها داخلهم ولفك شفرة شخصياتهم حتى يمكن تشخيص حالاتهم النفسية ومن ثم تقديم جرعات العلاج المناسبة لهم. يؤكد الدكتور بهاء حقيقة علمية هي أنه كلما طالت فترة بقاء المريض في المصحة تتملكه نزعة التأمل ويكون فلسفة خاصة به وينتج أعمالا فنية يعبر بها عن آلامه وأحلامه وتعتبر متنفسا يساعد كثيرا في العلاج واستعادة حالته الطبيعية وتقلل من الاعتماد على العلاج الكيماوي والصدمات الكهربائية التي نلجأ إليها في بعض الأحيان كطريق للشفاء. بعيدا عن المرضى الشعراء يقيم المرضى الفنانون التشكيليون معرضهم الفني ما بين لوحات زيتية ونحت وتشكيل بالمكعبات وعلب الكبريت. محسن أحد هؤلاء، رسم صورة لإمرأتين ملتحمتين ساقطا بين سيقانهما. وفي يمين أعلى الصورة رسم شمسا مشرقة.. يكذب محسن قائلا أنه خريج كلية الفنون الجميلة، ويستدرك بعد قليل بأنه متخرج من كلية التربية. وهو قاتل زوجته لأنه اكتشف خيانتها له مع رجل آخر. ويبدو واعيا تمام الوعي لحالته، خصوصا في رسوماته التي تشي بموهبة لم تكتمل بالصقل، يشرح لوحته سالفة الذكر: الوجه الواقع في أسفل اللوحة هو وجهي. أما الشمس فهي الأمل الذي ينير من جديد وبالصورة يوجد منزل يتصاعد منه دخان، وهو رمز لما حدث في حياتي. تصف منى محمود الإخصائية الاجتماعية، بمستشفى الخانكة الحالة المرضية لمحسن فتقول: بدأت حالته المرضية بشكوك في سلوكيات زوجته إنتهت بقتله لها.. يهوى العمل الفني والرسم تحديدا، من خلال فريق العلاج الجماعي تحسنت حالته المرضية وبدأ في تكوين علاقات اجتماعية، بدأت شكوكه المرضية في التلاشي ولديه رغبة ملحة في تعديل سلوكياته والعودة إلى الحياة الطبيعية.. هناك «ماكيت» آخر لناطحة سحاب حرص مصممه «رضا» على أن يكون على أحدث طراز أيضا، يقول رضا: قررت أن أدخل في منافسة مع أعتى مهندسي العالم وأنجزت ماكيتاً لفندق كبير ويشير: لقد حرصت منذ البداية أن أجعل فندقي متاحا لكل الطبقات لا فرق بين غنى وفقير.. ينهي حديثه مؤكدا قدرته على تنفيذ «ماكيتاته» على أرض الواقع، وأنه ينتظر فقط حتى يخرج من المستشفى ليبدأ في التنفيذ. هناك صورة أخرى للنائب العام المصري رسمها «محمود» الصورة شبيهة بالفعل بالمستشار ماهر عبد الواحد المنوط به من قبل الحكومة المصرية التوقيع على أوراق إحالة أي مريض عقلي إرتكب جريمة إلى مصحة الأمراض النفسية. يقول محمود أنه رسم الصورة لإهدائها إلى صاحبها ويبدو أنه متخصص في رسم المشاهير وكبار المسئولين فهناك صورة أخرى لوزير الصحة السابق الدكتور إسماعيل سلام الذي سبق أن افتتح أحد معارض نزلاء المستشفيات النفسية وسلم محمود جائزة المركز الثالث في مسابقة أقيمت بين النزلاء بمناسبة يوم الصحة النفسية العالمي. يقول محمود: إنني أرسم هؤلاء الأشخاص وهذه الأشياء لاؤكد للآخرين أنني لست مريضا. أريد الخروج والعوده إلى بيتي. هناك صورة أخرى شديدة المباشرة لفتاة وجهها ملطخ بالدماء يقول صاحبها «فادي» .. أنها رمز لفلسطينية.. لآيات الأخرس ووفاء أدريس. وفي الصورة قضبان رمزا للسجن الإسرائيلي ويغلف الإطار صورا لحمام لونه أخضر واجنحته صفراء. يقول فادي أنه حرص على تلوين الحمام باللون الأخضر وليس الأبيض لأن الأخضر رمز للسكينة والهدوء في دعوة للإسرائيليين إلى التزام الهدوء والبعد عن العنف والممارسات العدوانية ضد أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل. وفي عنبر مرضى الفنانين التشكيليين يضع أحدهم صورا متعددة للفنانة يسرا قريبة الشبه بالفعل بالممثلة ذات الجماهيرية الكبيرة. وهو أشهر نزلاء المستشفى ويدعي مسعد.. ومسعد لا يكتفي بالاحتفاظ بصور يسرا لنفسه بل أنه يوزعها على باقي النزلاء. ومن فرط إعجابه بالفنانة كتب لها ذات يوم رسالة بدمائه عبر فيها عن مكنونه تجاهها وقد ردت يسرا على رسالته بزيارة للمستشفى وأمضت بعض الوقت مع النزلاء وخصت سعد بقبلة ومبلغ 50 جنيها قبل أن تودع الجميع. في أسفل لوحاته يكتب مسعد عبارة واحدة لا تتغير: نحب الحرية ونكره الكهرباء. إبراهيم فنان متفرد داخل المصحة. هو الوحيد الذي يمارس هواية النحت على الحجر والتشكيل بالطين الصلصال لديه عمل واحد فقط عبارة عن منحوتة «لزوجته» التي توفيت قبل عدة أعوام يقول: أنها تلح على تفكيري كثيرا لذلك قررت أن أنحت صورتها ويشكو إبراهيم من قلة الإمكانيات والمواد الخام اللازمة لممارسة هوايته لا احجار ولا طين صلصال إلا في حدود قليلة. لكن هل حقا يوجد مريض نفسي مبدع ؟ يقول الدكتور بهاء عثمان: بالطبع، لدى بعض المرضى النفسيين القدرة على الإبداع. وهناك علاقة بين الفن «الإبداع» والجنون وفي التصنيف الحديث للأمراض العقلية ليست كل الأمراض العقلية تؤدي إلى الإبداع فهناك بعض الأمراض لا تؤدي إلى أي نوع من الإبداع مثل الاكتئاب الشديد. فالقدرة على الخلق مرتبطة ببعض الأمراض مثل انفصام الشخصية والاضطراب ثنائي القضب. الأعمال الفنية لها أهمية خاصة عند المريض والطبيب على حد سواء فهي - والكلام للدكتور بهاء - وسيلة خصبة للتعبير عن مشاعرها فتجد أحدهم مثلا يرسم صورة لإمرأة جميلة يخرج من رأسها ثعابين، فهذا المريض يعاني من مشكلة عاطفية. مريض آخر يعبر عن حريته الشديدة برسم دوائر متداخلة تعبر عن اضطرابات في شخصيته. وإختيار المريض للألوان يكون مؤشرا للطبيب عما إذا كان أسلوبه في العلاج صحيح أم لا ويضيف أنه نظمت معارض مرتين في السنة نعرض فيها الأعمال الفنية للمرضى النفسيين على النقاد ويفتتحها وزير الصحة أحيانا، والمرضى أصحاب الأعمال يشرحون أعمالهم، وهذا الإنتاج يباع وبعضه يوزع هدايا ويأتي باحثون من أوروبا ليشاهدوا هذه المعارض. الدكتور ممدوح منصور يتبنى نفس الرأي ويشير إلى أن الإبداع يعني أن الشخص يخرج من الشعور إلى اللاشعور، وتكون عملية إرادية بالنسبة لبعض المرضى الذين لهم علاقة بأحد أشكال الفنون قبل إصابتهم بالمرض يمضى دكتور منصور في حديثه شارحا: المرض العقلي عموما يسبب إضطراب في التفكير والسلوك وبالتالي تذوق المريض في بدايات مرضه يوشبها اضطراب، لكن بعد أن تتحسن حالته يبدأ في الإدراك والتذوق، والطبيب يساعده على الخروج من دائرة المرض إلى الإبداع سواء كان فناً تشكيلياً أو شعراً أو غير ذلك يضيف: وأنا لي تجارب في احد المستشفيات الخاصة كان بها وحدة العلاج الإبداعي وكنا نضع قطعا إبداعية بسيطة كان يضعها المرضى تحت إشرافي مثل التصوير الزيتي وكان يساعدني مدرب «مهني» يتولى تعليم المرضى تكنيك التصنيع. وكانت التجربة ناجحة ساعدت المرضى على الخروج من عزلتهم ومنحتهم الإحساس بأهميتهم وبقدرتهم على الإنتاج ولاحظنا أن صحة المرضى إرتفعت على محاور التفكير والمشاعر والسلوك، فمثل هذه الأعمال تساعد على الإرتقاء بالقدرات المعرفية والسلوكية لدى المرضى. ـ هناك مقولة شائعة هي: بين الجنون والعبقرية خيط رفيع فماذا عن صحتها من الناحية العلمية؟ يقول الدكتور ممدوح: هذه المقولة صحيحة إلى حد كبير فالفنان المبدع لا يقيد تفكيره أو وجدانه شيء وسيكولوجية الإبداع عند المريض النفسي تظهر بوضوح في انتاجه الفني فأفكاره غير مرتبطة بالواقع لذلك فمساحة التجريد في عمله الفني تظهر بصورة أكثر وضوحا. وهنا تشابه بين المبدع السوى والمبدع المريض لأن التجريد هنا حرك وجدان وأفكار الطرفان بما فيها من رموز ودلالات. ـ ومتى ينقطع هذا الخيط الرفيع؟ يقول دكتور ممدوح عندما يعيش المبدع السوى في عالم الخيال فقط أو عالمه الخاص وينفصل عن الواقع ولا يعود إليه مرة أخرى. كيف يتم التعرف على المرضى الموهوبين؟ يقول محمد أبو الخير مدير مكتب الخدمة الاجتماعية بالمستشفى: عندما نلاحظ على المريض موهبة خاصة نوفر له الجو المناسب الذي يستطيع من خلاله أن يبرز موهبته في العمل الفني الذي يتقنه ونعمل على تنميتها نمده بالخامات اللازمة في الماضي كان المرضى المبدعون لا يجدون وسائل للتعبير عما بداخلهم إلا أن الأمر اختلف في الوقت الراهن. لكن كيف تبدأ إدارة المستشفى التعامل مع المرضى المبدعين؟ فاتن الحجار الاخصائية النفسية بالمستشفي تقول في قسم النفسي نجرى اختبارات على المرضى لقياس قدراتهم العقلية، المعرفية ودرجة الذكاء وعلى أساسها ننتقي المرضى ذوي المهارات المختلفة فنوفر لهم الخامات اللازمة لأعمالهم لدينا ورشة العلاج بالعمل حيث يتم اختيار المرضى القادرين على الإبداع ومن خلال هذه الورشة نساعدهم على صنع أعمال فنية مختلفة، وهي تستخدم كوسيلة للعلاج أيضا وهذه الطريقة فعاله في العلاج وتشعر المريض بقيمة القدرة على العمل وتمنحه الثقة في النفس.