باستثناء الطرق المعبدة والمجاري المائية العديدة، كل بوصة منها خضراء اللون. المنازل مزروعة على مدرجات الجبال وتأبى الأشجار الا ان تعانق جدرانها وتميل على سقوفها وكأنها لا تريد ان تزاحمها البيوت على موطنها. درجة الحرارة لم تزد ابداً على 25 درجة خلال خمسة ايام متواصلة رغم سطوع الشمس من الخامسة صباحاً الى العاشرة مساء. في ظل هذا المناخ لا تشعر بحرارة مزعجة او برد زمهرير. تستطيع ان ترتدي ملابسك الصيفية الخفيفة او الشتوية الثقيلة، ولا تشعر بالبرد في الحالة الاولى او بالحر في الحالة الثانية. الطراز المعماري متنوع لكنه يشترك في الأبهة والعظمة والجمال والفن. بعض المباني يرجع تاريخها الى 400 عام وبعضها الى 600 عام، لكنها تبدو جديدة تماماً من حيث نظافتها وبريق الوانها بسبب الحفاظ الدائم عليها وترميمها المستمر وعدم اقحام مبانٍ جديدة عليها. الشوارع صغيرة وضيقة نسبيا، لكنها منظمة ونظيفة ويوجد بها كل الخدمات التي تحلم بها في مدينة كبيرة واسعة الميادين والشوارع ينابيع المياه متعددة ومتوزعة على كل ارجاء المدينة، بعض هذه الينابيع تبلغ حرارة مياهها 72 درجة مئوية وبعضها 60 درجة مئوية، بشكل طبيعي جدا دون اي تسخين صناعي. اول ما ينصحك به الأطباء المعالجون في هذه المدينة الجميلة الرائعة ذات التاريخ العريق والأناقة المعمارية النادرة هو ان تشرب من هذه المياه المعدنية الدافئة قبل كل وجبة طعام بنحو نصف ساعة. يقولون ان تأثير هذه المياه سحري. انها تشفي العديد من الآلام المعدية والمعوية، وتخفض نسبة الكولسترول في الدم، وتنعش الأعصاب، وتشعرك بهدوء هضمي ليس له مثيل. هذه هي مدينة كارلوفيغاري السياحية الطبية الخضراء دائما في الجمهورية التشيكية. قد يكون كل هذا من نافلة القول، لان الكثير من هواة السياحة والسفر والترحال قد يكونوا زاروا لهذه الجمهورية ومدنها الجميلة من كارلوفيغاري الى ماريا نسكلازني الى تبليتس الى العاصمة براغ. لكن الحجر الذي أثار المياه الراكدة في البركة هو دعوة شركة الغيث والموسى للسياحة «ألتا» لمجموعة من الصحفيين والمسئولين في دبي لزيارة هذه الجمهورية الاوروبية الشرقية سابقا، وليست الغربية حالياً. الجمهورية التشيكية هي نصف تشيكوسلوفاكيا السابقة التي انقسمت حاليا الى جمهوريتي التشيك والسلوفاك كل على حدة، في إطار موجة العولمة وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وبالتالي الدول التي كانت تدور في فلكه. ورغم انهيار الاشتراكية والنظام الاشتراكي في جمهورية التشيك والتحول، مثل كثير من دول العالم، نحو قبلة الرأسمالية الا ان تاريخها وأصالتها وجمالها وعراقتها وحضارة شعبها لم يدخل في معادلة ميزان كل الأمور ماديا وبالمال وبالسعر الى اخر مصطلحات الرأسمالية المعروفة. الرحلة استغرقت خمسة أيام فقط زار الوفد الصحفي الطبي الترفيهي خلاله مدن براغ العاصمة وكارلوفيغاري، مقر ثاني اكبر المهرجانات السينمائية في أوروبا بعد كان الفرنسية، وماريا نسكلازني اكبر منتجع للسياحة الصحية والعلاجية في التشيك وأوروبا قاطبة، ومدينة تبليتس الجميلة. رغم ما شاهدناه في هذه المدن من معالم سياحية وطبية وارض خضراء بالكامل ومياه جارية كجنة الله في السماء وعيون متفجرة بمياه تشفي المرضى والمعتلين، وفنادق فاخرة ومباني تاريخية عظيمة قديمة حديثة جديدة جميلة نظيفة، لابد ان تستغرق مثل هذه الرحلة ما لا يقل عن أسبوعين او ثلاثة او شهر كامل على الأقل. فكل هذه المشاهدات ما هي الا عنوان الكتاب السميك الثمين الانيق الغلاف والصفحات رشيق الاسلوب، عريق السياق والتاريخ. كارلوفيفاري مدينة كارلوفيفاري يرجع تاريخها الى القرن الثامن عشر او قبل ذلك قليلاً. المدينة صغيرة مليئة بالتلال الخضراء، وتقرب كثيرا من الحدود الألمانية. قام جان رودلف تشوتك بإنشاء اول طريق يعبر هذه المدينة في منتصف القرن الثامن عشر. الطريق كان مخصصاً فقط للمشاة على الأقدام وليس للسيارات او العربات. امتد الطريق من كنيسة فاريا الى موقع فندق جراند هوتيل حاليا الى قبة او صخرة الى سكوك كما يقولوها بلغتهم او جامب روك كما يقولها الغربيون. في نهاية القرن الثامن عشر تأثرت الحياة في كارلوفيفاري بالمدرسة الرومانسية التي سادت في ذلك الوقت، وارتبطت الرومانسية بنظرية روسو في العودة الى الطبيعة. ولذلك تم شق طرق عديدة عبر الغابات التي تحتضن مدينة كارلوفيفاري حتى يرتادها الناس والعشاق، وهنا اكتشفوا الينابيع المائية الحارة التي تمثل مياهها دواء لكثير من الامراض. وتوسعت شبكة الطرق في المدينة بعد ذلك بفضل جهود السلطات المحلية وكانت اكبر طفرة انشائية في المدينة في بداية القرن العشرين، غير ان الحرب العالمية الثانية اوقفت هذه المسيرة مؤقتاً. ماريا نسكلازني مدينة ماريا نسكلازني التقليدية تقع بالقرب من الحدود الألمانية، ويفصلها عن كارلوفيفاري نحو 90 كيلومتراً فقط، ولا تختلف ماريا نسكلازني عن شقيقتها كارلوفيغاري في جمال الطقس المعتدل صيفاً والشوارع الصغيرة الضيقة والخضرة التي تكسو كل بوصة فيها، والمباني التاريخية العريقة الجميلة التي لا تزال بحالة جيدة ايضا. وتبعد مدينة ماريا نسكلازني عن كارلوفيغاري نحو ساعة واحدة بالسيارة، وعن براغ العاصمة نحو ساعتين وعن ميونيخ في المانيا ثلاث ساعات، وعن فرانكفورت اربع ساعات ونصف الساعة. وتتميز هذه المدينة بالمنتجعات الصحية العلاجية المتخصصة ايضا، مثلها مثل كارلوفيغاري وتبليتس. مدينة تبليتس هذه المدينة التي يعود تاريخها الى القرن السادس عشر، تبعد عن كارلوفيغاري نحو ساعة ونصف الساعة بالسيارة. وقد يكون من قبيل التكرار ان نذكر ان مناخها يشبه مناخ كارلوفيفاري تماماً، وتكسوها ايضا الخضرة في كل بوصة وشبر من ارضها، وحتى مبانيها، لكن الملمح الرئيسي في هذه المدن وهو الغطاء الأخضر والمناخ المعتدل الرائع صيفاً يجعل من الصعب عدم ذكره عند الحديث عن احدى مدن جمهورية التشيك. تشتهر تبليتس ايضا بالعلاج والاستجمام والفنادق الفخمة العلاجية «لكنها ليست باهظة التكلفة كما يتوقع الكثيرون». ان الليلة الواحدة في احدى غرف هذه الفنادق العلاجية التي تصلح للنزهة والعلاج والاستجمام والراحة في آن واحد، تتكلف ما بين 80 و100 دولار للفرد شاملة الاقامة الكاملة والطعام والعلاج المطلوب لكل حالة على حدة بما فيه التدليك والمياه المعدنية وغير ذلك من أساليب العلاجات التي تنتشر في كل هذه المدن، بل تنفرد به هذه المدن مقارنة بسائر اوروبا والمنتجعات العلاجية الترفيهية وسوف نتناول بعض الامثلة للمنشآت العلاجية والمصحات الطبية والترفيهية في الوقت نفسه في هذه المدينة. المصح الجديد يعتبر مصح تبليتس رغم ان اسمه جديد من أقدم المصحات في أوروبا. هذا المصح يتخصص في علاج الأطفال ولا عجب اذا عرفنا انه رغم اختفاء مرض شلل الأطفال من العالم بسبب التطعيم الا ان هناك البعض من الأطفال يصابون به، وفي هذا المصح هناك عديد من حالات شلل الأطفال الذين اصبحوا قادرين على المشي الان دون وسائل مساعدة. هذا المصح مخصص لعلاج الأطفال من سن عامين الى ستة اعوام واقامتهم الكاملة مع مرافقيهم. مركز التعليم والمؤتمرات يهتم هذا المركز بتطوير وتحسين الروح والجسد معا وهو الوحيد في تبليتس واوروبا قاطبة الذي يوفر التعليم والاقامة والطعام والاستجمام والترفيه تحت سقف واحد. ويتوفر في هذا المصح التعليمي ايضا علاج بالحمامات المعدنية والفوارة والتدليك المائي والعادي والاستفزازي «لحث الأعصاب والعضلات». المصح القيصري يعتبر هذا المصح من أجمل وأقدم المباني في مدينة تبليتس. وقد سمي بهذا الاسم لان رواده من كبار الشخصيات السياسية والرؤساء في العالم، خاصة القيصر الألماني وليم الأول. وأشهر الشخصيات التاريخية التي أقامت في هذا المصح الموسيقار العالمي المعروف بيتهوفن، وهناك مبنى بإسمه في هذا المصح. فضلاً عن ذلك اقام في هذا المصح المفكر الألماني جيته والموسيقار المعروف شوبان وزميله فاجنر وليتزو ابسن وغيرهم من الشخصيات العالمية المرموقة. مصح كامني لازني يعني هذا الاسم المصح الحجري. وقد بني هذا المصح في عام 1911 على النمط الباروكي ويقع داخل منطقة خضراء رائعة الجمال وتحيط به الاشجار والمناطق الخضراء من كل صوب وحدب. هناك كثير من المصحات الأخرى في كل من المدن التي تحدثنا عنها، لكن هذه مجرد امثلة فقط، ولا نستطيع ان نحصر كل هذه المصحات في مدن جمهورية التشيك. عناصر مشتركة هناك عناصر مشتركة تربط بين هذه المصحات في كل مدن التشيك الخضراء الجميلة. من هذه العناصر ان مبانيها جميعاً تاريخية جميلة ذات طرازات معمارية قديمة ورائعة وبحالة ممتازة تزيد من رونقها ولا تقلل من اصالتها. تحيط الاشجار والخضرة بهذه المصحات والمباني الفندقية العلاجية من كل زاوية، بل وأحياناً تحاول ان تتسلق جدرانها، مما يمثل مصدر راحة نفسية عميقة تصاحب العلاج المقدم من هذه المصحات فتحصل على أفضل النتائج. قصص نجاح طبي غير مسبوقة نذكر هنا ان كثيراً من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي يتجهون الى هذه المصحات الاستشفائية الطبية، فالأمر ليس جديداً بالنسبة لهم، الا انها كما قلنا تذكرة، ذكرنا سببها في بداية الأمر. ومن قصص العلاج الناجحة جداً، احد المواطنين من دولة الامارات العربية، اصيب بشلل كامل بسبب حادث سيارة، نرجو ان يحفظكم الله، لا نريد ان نذكر اسماء خوفاً من الاحراج. لكن صديقنا الذي ذهب الى احدى هذه المصحات يجلس على مقعد بعجلات، اصبح يسير الان بمفرده دون مساعدة من احد اللهم من عكازين، اكد الأطباء المعالجون انه سوف يستغني عنهما قريباً. وهناك مواطن أيضا من ابوظبي، اصيب بشلل كامل، حفظكم الله، بسبب جلطة مخية، والمعروف ان علاج هذا النوع من الشلل من اصعب انواع العلاج وغالباً ما لا يؤدي الى نتيجة مرضية، لكن الصديق سعيد الحظ الذي اختار احدى هذه المصحات للعلاج والاستجمام والاستمتاع في ذات الوقت، اصبح يسير الان دون مساعدة من احد او عكازين، وقد استغرق علاجه ستة أشهر فقط. نرجو من الله الصحة والعافية لكل مواطن وسكان دولة الامارات العربية المتحدة، والا يكون المرض فقط هو دافعهم الى زيارة هذه البلاد العريقة الجميلة ذات المناخ الذي لا مثيل له واللون الأخضر الكاسي. كتب أشرف رفيق: