رغم ان مشروع مكافحة البطالة الذي رصدت له الحكومات السابقة في سوريا نحو مليار دولار لتوفير 450 الف فرصة عمل، الا ان أغلب الخريجين مازالوا عاطلين عن العمل ، لان هذا المشروع بقي حبرا على ورق ولم تفلح مئات الآلاف من الطلبات المقدمة الى مكاتب التشغيل في تحويله الى واقع حقيقي ملموس. ويقول يعقوب القاضي مدير الشئون الاجتماعية والعمل في ريف دمشق ان فكرة مكاتب التشغيل جيدة في الأصل ولكن المطلوب هو توفير فرص العمل وهذه المكاتب غايتها اجراء دراسات احصائية عن مختلف الاختصاصات والإمكانات المتوفرة في الأيدي العاملة والخبرات التي نحن بحاجة اليها. كما تم ترشيح عدد من العاطلين لمختلف دوائر الدولة والشركات لكنه لا يتناسب مع عدد المسجلين لدينا حيث يبلغ عدد المسجلين حوالي 32 الفا وتم ترشيح نحو 2800 منهم وهذا العدد لا يعني تعيينهم جميعاً فمن الممكن ان نصفهم لن يتعين بسبب اعتذارات الجهات الطالبة. واللافت للنظر ان اكثر الشهادات المرغوبة في سوق العمل هي الابتدائية ومحو الأمية اما الشهادات الجامعية والمعاهد فالطلب عليها قليل جدا وهناك معاهد لا تطلب للعمل من قبل مؤسسات الدولة لذلك يجب اعادة النظر في المعاهد المتوسطة لدينا حيث ينبغي ان يتم افتتاح معاهد حسب حاجة السوق وإلغاء المعاهد التي يوجد لها سوق عمل مثل معهد السكرتارية والخدمة الاجتماعية والمعهد المصرفي. فكرة جيدة يقول ابراهيم شيخ مطر رئيس مكتب التشغيل والعمل بريف دمشق ان فكرة مكاتب التشغيل والعمل فكرة جيدة خاصة في إطار التحديث وتوفير فرص العمل للعاطلين لكن بعض الجهات الطالبة لعاملين من مكاتب التشغيل لا تتقيد بتعليمات هذه المكاتب فبعد ان تطلب هذه الجهات ترشيح عدد من العاملين للتعيين لديها نفاجأ باعتذار هذه الجهات عن تعيينهم لأسباب غير مقنعة، منها نعتذر لعدم توافر الشواغر والاعتماد او لعدم صلاحية العامل للعمل لديهم او لحجج اخرى تتذرع بها هذه الجهات وهي غير واردة في القانون وهنا يلجأ مكتب التشغيل الى حفظ دور المواطن لترشيحه مرة اخرى. كما ان هناك انعداماً في التنسيق بين مكاتب العمل وجهات التوظيف فبعض المواطنين تم ترشيحهم مرتين او ثلاثة بطلب من الجهات المعنية وتم الاعتذار عن توظيفهم اضافة الى ذلك فان بعض الجهات لا تخاطب مكتب التشغيل بالاعتذار عن تعيينهم لديها او في حال تعيينهم ويظل ترشيح المواطن قائما في مكتب التشغيل ولا نعلم ان تم تعيينه ام لم يتم وهذا يؤدي الى ارباك عمل مكاتب التشغيل. وان بعض الجهات تقوم بتعيين بعض العامين رغم صدور قانون العمل بصفة موسمية او مؤقتة وتلح على مكتب التشغيل بترشيح هؤلاء العاملين متذرعة بأنهم عملوا لديها لعدة اشهر ولا يجوز انهاء عقودهم وهذه لعبة مكشوفة من بعض الجهات المعنية على القانون، كما ان بعض الجهات تخاطب مكتب التشغيل والعمل مبينة حاجتها لأكثر من عامل وبعد ترشيح مكتب التشغيل لحاجة هذه الجهة من العاملين نفاجأ بانتقاء عامل واحد او اثنين فقط بعد ان نكون قد رشحنا 10 عاملين حسب طلبهم. اما عن الصعوبات التي تواجه مكاتب التشغيل فيقول شيخ مطر: ـ أهمها عدم وجود العدد الكافي من العاملين فالعدد الحالي في مكتب التشغيل والعمل في ريف دمشق يبلغ 7 موظفين وهم غير قادرين على السيطرة على الأعداد الكبيرة من طلبات المواطنين حيث نستقبل يوميا اكثر من 200 طلب عمل وهذه الطلبات بحاجة الى تدقيق لأوراق المتقدمين والعدد الحالي من الموظفين غير قادر على ذلك خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار عدم وجود حاسب آلي لتخزين المعلومات مع أننا بأمس الحاجة اليه. هذا وقد بلغ عدد المتقدمين بطلبات العمل في مكتب دمشق حوالي 29 الف متقدم وعدد الذين تم ترشيحهم حوالي 6000 مرشح. هيئة جديدة ازاء هذا الوضع احدثت هيئة مكافحة البطالة وهي هيئة انمائية استثمارية احدثت بموجب القانون رقم 71 لعام 2001 الذي أصدره د. بشار الاسد رئيس الجمهورية في 8/12/2001 وقد باشرت هذه الهيئة عملها مؤخراً وعقدت اجتماعها الأول برئاسة د. مصطفى ميرو رئيس مجلس الوزراء السوري. ويقول الدكتور حسين العماش مدير عام الهيئة الجديدة الخبير الاقتصادي السابق في الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي ان الهدف من انشاء هذه الهيئة هو مواجهة او معالجة جزء من مشكلة البطالة في سوريا وهذه الهيئة مستقلة مالياً وادارياً ولها ان تضع أنظمتها المالية وتنظم المنح والعقود والعمليات بغض النظر عن الأنظمة والقوانين النافذة في سوريا وهي بهذا الشكل القانوني قد أعطيت صلاحيات جديدة للقيام بمهمة تعبئة الموارد والامكانات وتوجيهها لتصل الى الفئات المستهدفة، وهم الأفراد العاطلون عن العمل والأسرة الفقيرة والقاطنون في المناطق الريفية والمناطق العشوائية والفقيرة وفي البادية ممن تفتقر مناطقهم الى الخدمات الأساسية. اما عن كيفية معالجة البطالة فيؤكد د. العماش ان هذه الهيئة ستركز في هذا المجال على خلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص وذلك عن طريق تمويل الأفراد العاطلين عن العمل لإنشاء مشروعاتهم الصغيرة في أغلب المجالات الاقتصادية وفي كافة مناطق القطر على أسس من الجدوى الاقتصادية والقابلية للاستمرار والإضافة الجديدة في تقنية الانتاج وفي اسلوب المنافسة والتعامل مع الأسواق حيث تشكل المشروعات الصغيرة الجزء او النشاط الرئيسي الذي سيوفر حوالي ثلثي الى ثلاثة ارباع فرص العمل المتوقع احداثها حتى نهاية عمر الهيئة المحدد بالقانون لمدة خمس سنوات. ومع ان الدراسات الاولية التي سبقت الهيئة قد أشارت الى وجود اكثر من 440 الف عاطل عن العمل فان الهيئة ستحقق انجازاً كبيراً اذا استطاعت ان تخلق ما بين 250 ـ 350 الف فرصة عمل خلال تلك الفترة من خلال عدد من المشروعات الصغيرة والتي تتراوح اعدادها ما بين 60 ـ 80 الف مشروع جديد. حيث سيوجه جزء من هذه المشروعات الصغيرة كقروض اسرية صغيرة للاسر الريفية والمحدودة الدخل حيث تساعد على تحسين مستوى الدخل المعيشي اضافة الى خلق فرص العمل داخل الاسرة فيما سيكون جزء منها على شكل هبة او منحة لتكون حافزاً على إقامة المشروع او الالتزام بتسديد القرض. وعن سبب التركيز على قروض المشروعات الصغيرة وليس إعطاء هبات او منح غير مستردة يقول د. حسين العماش: ان المنطق الاقتصادي يفرض على الدولة حسن ادارة الموارد حيث تصبح منتجة وتخلق زيادة في نشاط الدورة الاقتصادية.... وهذه الاموال المستردة كقروض ستكون رافدا جديدا او موردا جديدا لالاف الفرص الجديدة التي ستدخل دورة جديدة في النشاط الاقتصادي وبالتالي اذا ذهبت هبة فإنها في هذه الحالة لن ترجع وتصبح معونة استهلاكية. وجهة نظر محايدة ويرى الكثير من الخبراء الاقتصاديون انه لابد من تشجيع الاستثمارات وتوفير المناخ المناسب لها لأنها كفيلة بتوفير الاف فرص العمل للشباب العاطل عن العمل، فأزمة البطالة يضيع فيها الكثير من الوقت والخطط التنموية الشاملة اذا لم تتحرك الحكومة في منحى تشجيع الاستثمارات.. ولاشك ان فرص الاستثمار في سوريا خصبة جدا ومن المهم العمل على جذب المستثمرين لا التضييق عليهم خاصة اذا علمنا ان رؤوس الأموال السورية في الخارج تقدر بأكثر من 80 مليار دولار حسب احصائيات البنك الدولي. وفي هذا الإطار يقول الدكتور علي كنعان وكيل كلية الاقتصاد والتجارة بجامعة دمشق ان الاستثمار يشكل المحرك الأساسي لعجلة النمو في الاقتصاد الوطني فكلما ازداد حجم الاستثمارات ازداد معدل التشغيل واستغلال الموارد الاقتصادية وبالتالي ازداد معدل النمو الاقتصادي. وزيادة حجم الاستثمارات في أي بلد من البلدان تؤدي بشكل مستمر لتخفيض عدد العاطلين عن العمل، لذلك تركز اكثر الدول على حجم الاستثمار الحكومي او الخاص بهدف تخفيض عدد العاطلين عن العمل وعادة ما تستخدم الدول المتقدمة اسلوب توسيع وتطوير الخدمات الاجتماعية بهدف زيادة معدلات التشغيل. اما الدول النامية فانها تستخدم اسلوب المشاريع الكبرى من طرقات وجسور وأبنية ومطارات ومرافق بهدف زيادة معدلات تشغيل العمال. وفي سوريا لوحظ انخفاض حجم الاستثمار الحكومي والاستثمار الخاص الفعلي من عام 1995 ـ 2000 وهذا أدى الى زيادة حجم البطالة. اخيرا هل يفلح مشروع مكافحة البطالة ومكاتب التشغيل والعمل في سوريا في الافراج عن طاقات الشباب الجامعي وخريجي المعاهد بعد ان اصبح مألوفا في شارع العمل ان ترى هؤلاء الشباب يعملون كمندوبي مبيعات او في المطاعم او في محلات الألبسة وغيرها... صحيح ان العمل الشريف ليس عيباً ايا كان نوعه ولكن ما الداعي لأن تنفق الأسر كل ما تملك لتعليم اولادها ثم يكون مصيرهم مهمة لا تحتاج لأي تعليم.