يعترف الاردنيون بأن مجتمعهم شهد تحولات اقتصادية وسياسية على شكل قفزات دفعت الى انزياحات اجتماعية «مضطربة» حينا و«مستقرة» حينا آخر كان ابرز معالمها على مستوى الأسرة الصغيرة انقلابات ، في مفهوم عمل المرأة الأردنية، سواء كان هذا العمل خارج البيت او داخله عبر مجموعة من المشاريع الصغيرة التي «بالكاد» تسد رمق متطلبات الأسرة وتمكنها من تسديد الفواتير المتزايدة للحياة الجديدة. وبات من الملاحظ زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل الأردني، في مختلف المجالات المهنية والتي كانت بعضها مقتصرة على الرجال فقط، الى حد وصلت فيه احدى النساء الأردنية للعمل كسائقة اجرة عامة، ليس في العاصمة عمان الأكثر انفتاحا عن غيرها من مناطق المملكة، بل في احدى المحافظات الريفية «مأدبا»، وليس هذا فحسب بل اشهرت المرأة الاردنية مجالات عمل اخرى لم تكن «جدتها» بل «امها» ربما تحلم بمجرد دخول ساحتها، ويظهر شاهداً على ذلك ما قامت به احدى السيدات الاردنيات عندما اقامت اول محطة لتعبئة الوقود يقوم على ادارتها والعمل فيها «الجنس اللطيف» وتوفر خدمات متطورة لروادها من السيدات والرجال على السواء رغم اعتراف القائمات عليها انهن سيعمدن على خص روادها من السيدات بمعاملة خاصة. وفي الوقت الذي ادى فيه النمو الاقتصادي الذي شهدته المملكة في عقد السبعينيات، وهجرة الرجال الى دول الخليج للعمل هناك الى دفع بعض النساء للدخول في سوق العمل الاردني عمداً عقد في عقد التسعينيات من القرن الماضي والذي شهدت فيه المملكة ضائقة اقتصادية شديدة و«اقتناع» الأسرة بحاجتها لزيادة دخلها عبر عمل كل من يقدر من اعضائها وعلى الرأس ربة البيت «المرأة»، بالإضافة الى ان من الأسر من تتعامل مع مفهوم عمل المرأة ـ وهنا في الغالب تكون المعنية بذلك غير المتزوجة ـ من اجل تغطية نفقاتها الشخصية. كما ان هناك من يدفع امرأته او ابنته الى العمل لغايات اكتساب الثقة بالنفس والانخراط بالحياة الاجتماعية، بهدف الحصول على مكانة اجتماعية، وفي احيان اخرى يكون الهدف مجرد قتل لوقت الفراغ. وبحسب ارقام مشروع «الوثيقة المرجعية الاستراتيجية الوطنية للسكان في الاردن 1995» فان نسبة المشاركة الخام للاناث في القوى العاملة كانت «9.1%» عام 1980 ثم ارتفعت الى «9.4%» عام 1985 وقد أصبحت «13.4%» عام 1990، وهي منذ ذلك الحين في تزايد مستمر. الا ان القطاع العام يحظى بالرقم الاعلى من حيث مشاركة المرأة فيه حيث بلغت نسبة «53.8%» من عمالة الاناث عموما. علما بان ما يزيد على نصف هذه النسبة يعملن في قطاع التعليم «58%» والقطاع الصحي «16%» والإدارة العامة والخدمات «26%». وتختلف نظرة الاردنيين من حيث عمل المرأة كونها متعلمة حيث تزيد نسبة قبول المواطن لكون عمل امرأته المتعلمة عنها ان لم تكن كذلك ولكن هذا الأمر يختلف من منطقة الى منطقة ومن عمل الى آخر. اما فيما يتعلق برؤية الاردنيين فيما يتعلق باشهار المرأة لعمل خاص بها فقد اظهرت ورقة بحثية لوزارة التخطيط حول اتجاهات المواطنين الاردنيين نحو عمل المرأة ان الغالبية العظمى من المبحوثين في استطلاع قامت به الوزارة اظهروا قبولا لهذا التوجه بنسبة «82.92%» في حين ابدى «17.07%» معارضتهم لان يكون للمرأة عملها الخاص بها. طلب الرزق داخل البيت ولكن ماذا عن عمل المرأة داخل بيتها.. ذاك العمل الذي يدر لها شيئا من الدخل؟ «البيان» حاولت استعراض اراء عدد من النساء في هذا الجانب واللواتي يعملن في بيوتهن بعض الاعمال من قبيل الحياكة او اعداد الطعام للمطاعم او غيرها من الاعمال فكانت هذه الاراء. عبير محمود سيدة تبلغ من العمر 35 عاما وهي متزوجة ولا يتعدى دخل زوجها الشهري 200 دينار اردني «240 دولاراً» ومن اجل ذلك ولان اسرتها اصبحت كبيرة فقد حاولت ام احمد ان تقوم بالمساهمة في توفير بعض مصاريف البيت من خلال قيامها بالعديد من الاعمال ومنها اعداد ما يعرف في الاردن وفلسطين «المفتول» وهو نوع من الطعام يحتاج الى اعداد مسبق قبل طبخه علما بان الكثير من «صبايا» اليوم لا يستطعن عليه فيلجأن الى شرائه من الاسواق ولكن ولان الصناعة البيتية افضل تلجأ الكثير من ربات البيوت وخصوصا جارات ام احمد الى الطلب منها اعداد «المفتول» لهن مقابل مبلغ من المال وان كان قليلا الا انه وبحسب ام احمد يسد بعض الفواتير بالإضافة الى أنها اصبحت تستثمر وقتها بشيء تشعر بأنه جيد. وقد تطور الأمر لدى عبير عندما بدأت بشراء العديد من المواد التي تحتاج لها الأسرة بحيث تبيعها للنساء و«غالبا ما يكن صديقاتها» بسعر اقل وبهذا يعود جهد هذه السيدة على الجميع بالخير الا ربما صاحب البقالة «المجاورة» لام احمد الذي بات يتذمر من ضربها لبضاعته مما استدعى في النهاية الى تهديدها بأنه سيكون مضطرا الى ابلاغ الجهات المختصة بامرها فهي على حد قوله لا تدفع الضرائب للحكومة على ما تبيعه ولهذا فهي تقدر ان تبيع بعض المواد بسعر اقل. وشأن عبير يصلح لاعتباره نموذجا حيا للعديد من الأسر الأردنية وخصوصا في المدينة وفي الاحياء الفقيرة منها. أعمال ريفية اما في الريف والبادية الاردنية، فان الأمر في عدد من المناطق بات اكثر مؤسسية من حيث عمل المرأة «المدر للدخل» داخل البيت، ومن هذه الجهود المؤسسية تبرز «مؤسسة التسويق الزراعي» التي وضعت احد اهدافها «تطوير مهارات المرأة في المجتمع المحلي» وذلك بإكسابها المهارات الأساسية في حفظ وتصنيع المنتوجات الزراعية والغذائية لتحسين دخلها وخلق فرص عمل دائمة لها حيث استفادت العديد من الريفيات من هذا الهدف فقمن باستغلال أجزاء من بيوتهن وتحويله كمشاتل لبيع كافة انواع واشكال الأشتال الزراعية، او باستغلال بساتينهن ومزارعهن لغايات تسويقية. ولكن لم يقتصر الجهد المؤسسي على الجهات الرسمية فقد اشهرت معظم اهداف مؤسسة «نهر الاردن» التي بدأت عملها في نهاية 1995 كمؤسسة غير ربحية وتشرف عليها وتترأسها الملكة رانيا العبدالله بنفسها للوقوف على مهمة الارتقاء بالمرأة الاردنية في شتى المجالات وعلى رأسها دمجها في سوق العمل سواء من خلال عملها خارج البيت او داخله عبر بيع منتوجاتها والاضطلاع على تسويقه. واستطاعت المؤسسة عبر جهد كبير ومتواصل تشجيع الكثير من نساء المحافظات النائية على وجه الخصوص من اجل العمل في مهن بامكان المرأة الريفية بظروفها وعادات بيئتها ممارستها ومنها «النسيج اليدوي». وكنموذج بلغ شهرته افاق المملكة بات «نساء بني حميدة» المتخصصات بالنسيج اليدوي والذي اصبح يقدم على انه تراث شعبي محلي اصيل، بل ان البعض يذهب الى القول «بأننا عندما نتحدث عن النسيج التراثي في الاردن فاننا لابد ان نتوقف طويلا على منتجات نساء بني حميدة»، وكل ذلك من خلال دفع وتشجيع «نهر الأردن». ومن اهم منسوجات نساء بني حميدة البسط، والسجاد، وما يسمى بالقطيفة، وبيوت الشعر، والعدول، والمزاهب، والخروج، والقلائد، والوسائد، والشابند، والسروج، والمعلاقة، والساحة «الفاصل» والعليقة. والتصنيع الذي يكون في بيوت هؤلاء النساء في معظمه من صوف الغنم الخالص 100% والمتوفر في مناطق بعض العشائر الأردنية بكثافة. واستغلت المؤسسة مهارة هؤلاء النساء وما تناقلنه عبر جدتهن وامهاتهن من «حرفة النسيج اليدوي» عبر العصور بمختلف مهاراتها كالغزل، والصياغة ومد النول والنسيج، الا ان الجديد في الأمر ان نهر الاردن وقف على ضمان بيع ما يتم صنعه وهو ما لم يكن متوفر في السابق. ولم يكن هذا الجهد حديث العهد فمنذ العام 1985 ويهدف احياء الحرف التقليدية وجعلها مصدرا يساهم في زيادة دخل الاسرة المنتجة، أن وقعت اتفاقية بين مؤسسة انقاذ الطفل ووزارة التنمية الاجتماعية وبدعم مباشر من عقيلة الملك الراحل الحسين بن طلال الملكة نور الحسين، مشروع نساء بني حميدة للنسيج، الذي وفر فرص عمل لما يزيد على 1000 امرأة في 582 عائلة تعيش على امتداد 14 قرية، وقد انتقل الاشراف على المشروع الى جمعية الاردن للتنمية هذا العام. وحسب المعنيين والمتخصصين فان اضافات نساء بني حميدة للتراث الوطني الاردني كان في غاية الأهمية، من حيث فن النسيج اليدوي التقليدي لما اتسم به من تفرد وتطوير وتحديث، ليحاكي منتجاتهن المتنوعة فالتراث ذوق العصر واصالة الماضي في آن. والمشروع هدف في حينه، وقد نجح في مسعاه، الى انتاج النسيج التقليدي بروح معاصرة، وتوفير فرص عمل ودخول للاسر المنتجة. الى الدرجة التي ظهر فيها اليوم فريق متخصص يشرف على الانتاج وينتمي الى روح الفكرة وجوهرها، ولقد انعكس ذلك على الفريق الاداري في جبل بني حميدة من حيث التنظيم والسعي نحو تطوير الانتاج، ولدى جبل بني حميدة في الوقت الحاضر ما يقارب الـ 1400 امرأة يعملن داخل بيوتهن، لذا يصعب الاشراف على هذا العدد الكبير من النساء العاملات اشرافا مباشرا، وقد صار للقبيلة من خلال انتاجهن النسيج اليدوي اسم معروف في انحاء المملكة وخارجها، مما دفعهن الى تطوير العمل لانه يشكل هويتهن الغنية التي صارت تقدمهن الى العالم، حتى كان لهن هذه السنة ان قمن بجميع مراحل العمل من الفه الى يائه وحتى التصاميم والوحدات الزخرفية دون الاستعانة بالكادر المتخصص. ولمؤسسة نهر الأردن ايضا في مجال محاولة استقلال اقتصاد المرأة جهود أخرى ومنها ما يعرف اردنيا بمشروع القروض الصغيرة وهو عبارة عن منح قروض مصغرة قصيرة الاجل لصغار المبادرين ـ ومنهم شريحة النساء ـ حيث تعمل هذه الطريقة وفق الطرق التي تنتهجها البنوك. وقد بدأ العمل في هذا المشروع العامل منذ عام 1998 مما يتيح الفرصة امام المستفيدات والمستفيدين لدعم الأسر، بالإضافة الى تعزيز قدراتهن في صناعة القرار الداخلي لأسرهن والمساهمة بفاعلية في الاقتصاد المحلي. وفي اواخر عام 1999، تم توزيع «شهادات انجاز» للمتفوقات من صغار المبادرات الأردنيات وللجهات الداعمة لصناعة القروض الصغيرة في المملكة.