يشيع في كلامنا المعاصر كثير من الالفاظ والتعابير التي لم تذكرها المعاجم القديمة، ولم يعرفها العرب، او لم يستعملوها في معانيها المعاصرة الشائعة، وقد دأب علماء اللغة المدققون على تخطئة تلك الألفاظ والتعابير او تخطئة استعمالها في معانيها الشائعة، وهو امر يرى فيه علماء آخرون تشددا لا يماشي التطور في اللغة وفي الحياة. لهذا يحرص مجمع اللغة العربية بالقاهرة على بحث تلك الالفاظ والتعابير، بروح السماحة والتجديد والاجتهاد، وكثيرا ما يجد وجوها مستساغة علميا لاجازتها ورفع الحرج عن الكتاب والمتحدثين من استعمالها، كما في الامثلة التالية: 1 ـ باقة وطاقة تجري على ألسنة المتحدثين واقلام الكتاب، وبخاصة الشعراء، عبارة «باقة ازهار» و«باقة ورد» ويخطيء اللغويون المدققون استعمال كلمة «باقة» للازهار، لان المعاجم لم تستعملها الا للبقول، اي النباتات العشبية التي يتغذى بها الانسان، مثل: باقة من الفجل، وباقة من الجرجير.. اما الازهار، كالورد والفل والريحان، فيقال لها: «طاقة» من الازهار، و«طاقة» ريحان.. وهذا ما التزمه كثير من الشعراء، كما في قول خليل مطران: «لو أن ما نتمنى يكون منا بطاقة أهديت جنة ورد وما رضيت بطاقة» ولكن الشعراء المحدثين وعامة الكتاب والناس استلطفوا كلمة «باقة» فصاروا يستعملونها للازهار ومن ذلك قول الشاعر امل دنقل: «وسلال من الورد المحها بين اغفاءة وافاقة وعلى كل باقة: اسم حاملها في بطاقة» وقد دفع ذلك كله مجمع اللغة العربية الى البحث والتقصي والاجتهاد، وانتهى الى اجازة استعمال «الباقة» للزهور، وقال: «كلتا الكلمتين لا مانع من استعمالهما وان كانت الطاقة افضل». وجدير بالذكر في هذا الشأن، ان الامير مصطفى الشهابي، عضو المجمع، قال: وجدت «باقة» مستعملة بمعنى «طاقة» من الزهر في كتب قديمة كثيرة، مثل: «نهاية الارب» للنويري، ورأيتها ايضا في كتاب «الاغاني»، واذكر انني اشرت الى ذلك في كتابي «معجم الالفاظ االزراعية». 2 ـ تقويم وتقييم ويشيع في الكلام المعاصر قولهم: «قيم الشيء تقييما»، بمعنى حدد قيمته، ولكن رجال اللغة يخطئون ذلك ويرون ان الصواب هو ان يقولوا: «قوّم الشيء تقويما». وقد بحث مجمع اللغة هذا الامر وانتهى الى قرار يقول: ان «الياء» في كلمة «قيمة» اصلها «واو» كما في كلمة «عيد» من «العود» والقاعدة في الاشتقاق ان ينظر الى اصل الحرف، ولكن لوحظ ان العرب ـ في بعض الاحيان ـ قطعوا النظر عن اصل حرف العلة، ونظروا الى صورته المعروفة، ومن ذلك قولهم: «عيد الناس» اذا شهدوا العيد، ولم يقولوا: «عود الناس» تحاشيا عن توهم انها من العادة وليس من العيد، وعلى ذلك يجوز ان يقال: «قيّم الشيء تقييما»، بمعنى حدد قيمته، للتفرقة بينه وبين «قوّم الشيء» بمعنى عدله، وقد جاءت المعاقبة بين الواو والياء المشددتين، للتخفيف، في امثلة من كلام العرب يستأنس بها في قبول ذلك. 3 ـ مَنطِقة ومِنطَقة يحار المتحدثون في نطق هاتين الكلمتين واستعمالهما، فالمعاجم القديمة لم تذكر سوى كلمة «مِنطقة» (بكسر الميم وفتح الطاء) باعتبارها اسم آلة من الانتطاق، اي بمعنى «الحزام». وقد بحث مجمع اللغة الكلمتين، ورأى ان المتأخرين استعملوا كلمة «منطقة» (بكسر الميم وفتح الطاء) في مقابلة للكلمة الاجنبية سZoneز على اساس انها عبرت في اصل استعمالها عن «الحزام» ثم نقلت في بعض اللغات الاوروبية للتعبير عن مكان محدود، اي رقعة محدودة وعلى هذا سوغوا استعمال هذه الكلمة المروية في المعاجم العربية بمعنى «الحزام» للتعبير ايضا عن المكان المحدد، عن طريق المجاز. اما كلمة «مَنطقة» (بفتح الميم وكسر الطاء) فرأى المجمع جواز استعمالها بوصفها اسم مكان من الفعل الثلاثي غير المستعمل الذي معناه «انتطق» مع افتراض انه من باب «ضرب» للتعبير عن المكان المحدد عن طريق المجاز. وعلى هذا يجوز استعمال كل من الصورتين: مِنطقة (بكسر الميم وفتح الطاء)، ومَنطقة (بفتح الميم وكسر الطاء) للتعبير عن المكان المحدد.