من كان موجوداً أثناء تلك الواقعة لن ينساها أبدا. ارييل شارون، وزير الدفاع، جمع في نهاية عملية «سلامة الجليل» في نهاية أغسطس 1982 في القاعة الكبيرة، في الطابق السابع من وزارة الدفاع في تل ابيب اعضاء لجنة محرري وسائل الاعلام الاسرائيلية والمراسلين العسكريين. كان الجو متوترا جدا. كل الحضور تقريبا كانوا معادين لشارون وهاجموا غاضبين الحرب التي بادر اليها في لبنان، وحتى ذلك الحين كان للجيش الاسرائيلي، مئات القتلى وكان الوضع يتعقد أكثر فأكثر، ولم يكن يبدو ان ثمة نهاية للحرب. شارون عرف بالضبط الى أي عرين أسود وثعالب يدخل. لقد شعر بالعداء منذ اللحظة الاولى، حين بدأ العرض المفصل للوضع في ساحة المعركة في لبنان. لم تكن له أي فرصة لان يحظى بتأييد عشرات رجال الاعلام. وحدها وقفت مجموعة مساعديه الى جانبه، وحينها وفي ذروة العرض، امتشق شارون قصاصة ورق من جيب قميصه وقال: «لدينا اتفاقية سلام مع لبنان». بعد ذلك تحدث عن لجان أعدت هذه الاتفاقية وكشف النقاب عن ان بشير الجميل، الرئيس الجديد للبنان آنذاك الذي انتخب على رؤوس الرماح الاسرائيلية، صادق على الاتفاقية بتفاصيلها. وفي هذه المناسبة الاحتفالية «خوزق» الاميركيين ومبعوثيهم فيليب حبيب وموريس درايغر. وها هو يوجد اتفاقاً ويوجد سلاماً، وجاء المنقذ لصهيون. لا يمكننا اليوم الا ان نتذكر الدهشة التي ألمت بالحضور في قاعة وزارة الدفاع، كان الجميع مندهشا، «اذن لقد نجح» تمتم جاري، الصحافي الكبير، وفكر بآلاف الكلمات التي كتبها حتى ذلك اليوم ضد الحرب. «انه ساحر» قال آخر في الجانب الثاني من الطاولة. جلس قبالتي غرشوم شوكين محرر صحيفة «هآرتس» وأحد قادة المعركة ضد الحرب. انحبست أنفاسي. لا أحد في القاعة عرف ما يقول وما يفعل الآن حين اتضح ان شارون جلب معاهدة سلام ثانية مع دولة عربية. بعد اسبوعين سنسافر للاستجمام في بلدات عاليه وبحمدون وسنلعب في كازينو جونيه. نظر مساعدو شارون الى الحضور مثل القطط التي انتهت للتو من لعق الحليب. وحافظ شارون على ملامحه الجدية، ثمة سلام. بعد عدة ايام، في الاول من سبتمبر، وفي ظلمة الليل، نُقل بشير الجميل الى نهاريا لاجراء لقاء سري مع رئيس حكومة اسرائيل. كان مناحم بيغن «متكدرا عصبيا» كما كتب زئيف شيف واهود يعاري في كتابهما «حرب الغنيمة». واكتفى بمصافحة باردة مع الضيف. ولكن في وصفهما وفي كتاب شمعون شيفر ايضا «كرة الثلج» تم الحديث عن شراب الشمبانيا احتفاء بالرئيس المنتخب بشير الجميل. النهاية معروفة: بشير الجميل رفض اقتراح بيغن باعلان السلام بين الدولتين. كذلك رفض بوضوح الاقتراح الذي تلقاه لزيارة القدس أو تل ابيب. ولم يرد على اقتراح التوقيع على معاهدة سلام حتى نهاية السنة المذكورة. «أنا أعد بأن أكون الرئيس العربي الثاني الذي يزور الكنيست» حاول بشير تلطيف قرص الدواء المر الذي ألقاه في فم بيغن. بمعنى سلام، سلام ولا يوجد سلام - وبعبرية بسيطة قال بشير لبيغن اذهب الى الجحيم. «أليس لأجل ذلك دخلنا في حرب ودفعنا ثمن ذلك دماء مئات القتلى؟» سأل بيغن، ولم يتلق الجواب. وكل ذلك بقي في التاريخ. عن «يديعوت أحرونوت»