قبل منتصف الليل تماما في يوم الثلاثاء الثاني من ابريل الماضي، جثمت الدبابات الاسرائيلية فوق التلال المشرفة على مخيم جنين للاجئين الذي يمتد على مساحة مرتفعة من الأرض، ووضعته في مرمى مدافعها، وفيما كانت السلسلة الأولى، من الضربات تنهال ليضيء وميضها الحي السكني المزدحم المؤلف من الازقة والمنعطفات والمنازل المتلاصقة التي تحجب الهواء. بدأ الفلسطينيون في الأسفل بالرد المفعم بالتحدي باستخدام اسلحتهم الخفيفة وسط الظلام الدامس.ومن خلال جهاز الرؤية الليلية يتمكن السيرجنت غادي يتسحاق عزرا من صور للمدافعين وهم يهرعون الى أخذ مواقعهم متفحصا الطريق الوحيدة المؤدية الى الأسفل باتجاه المخيم. عزرا 22 عاماً وهو أحد رجال لواء جولاني الاسرائيلي كان يعرف انه سيقود فريقه قريباً الى هناك للأسفل، حيث تنتظرهم ناقلات الجنود المدرعة المخصصة لهم. وكان يعلم ايضا بما يمكن ان ينتظرهم عندما يبدأ القتال من منزل الى منزل. «اطلقوا النار وتحركوا، أطلقوا النار وتحركوا».. كانت تلك هي القاعدة الأساسية الخاصة بميدان المعركة التي غرسها في ذهن رجاله من جنود الاحتياط الذين يذهب بعضهم للقتال للمرة الأولى، وفي اللحظة التي يغادرون فيها ناقلات الجنود، سيكونون معرضين لنيران القناصة الفلسطينيين، وقال مؤكدا ان من المهم جداً والحاسم ألا يبقوا في مواقعهم في الأماكن المكشوفة، وإنما عليهم أن يتواثبوا متقدمين من موقع الى آخر، تاركين المصابين لوحدات المتابعة.عند نقطة قيادة قريبة كان ميجور ديفيد زانغان ايضاً يعطي تعليمات للمجموعات الطبية للمرة الأخيرة وبوصفه رئيساً للفريق الطبي للواء فإن رجل الاحتياط هذا البالغ من العمر ثلاثة واربعين عاماً الذي يعمل طبيب أطفال في احد مستشفيات القدس المعروفة كان يستعد لما هو أسوأ، وكان قد جرب أهوال حرب العصابات اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان في مطلع الثمانينيات، ولهذا قال محذراً رجاله أثناء فحصهم واعادة فحصهم لمخازن الادوية والدم والبلازما والضمادات «ان معارك الاحياء قد تكون مميتة بالفعل». وكغيره من الجنود الاسرائيليين المتورطين في الهجوم على جنين، تساءل زانغان عن الاسباب التي حملت القيادة العسكرية الاسرائيلية العليا على عدم اصدار أوامر باطلاق ضربات مدفعية تمهيدية للتخفيف من وطأة المقاوة الفلسطينية. وفي وقت لاحق أضاف ان ضربتين تقوم بهما طائرات اف 16 يمكنهما ان تؤديا الغرض. غير ان ذلك سيوقع اصابات في صفوف المدنيين ايضاً ولم يعد بامكاني ان أتصور كم واحد من رفاقنا نحن سيصابون الآن. من منزل مهدم مؤلف من طابقين في الطرف الغربي من المخيم شاهد اشرف أبو الهيجا الضربات الأولى للقذائف التي أصابت المباني المحيطة به، وبدأ يعد نفسه للمعركة. وبوصفه مقاتلاً ملتزما في الجناح العسكري لحركة «حماس» في جنين فقد تطوع بالمسئولية في الدفاع عن المنطقة المستهدفة للنهاية، من دون ان يكون لديه سلاح سوى بندقية كلاشينكوف وبعض الذخيرة الاحتياطية، ثم استخدم بعد ذلك هاتفاً نقالاً لارسال تحذير بهجوم وشيك على النقاط الأخرى القريبة.كان هدير المحركات وهي تستعد للانطلاق عبر صفوف الاسرائيليين قد أعلمه كأنه عندما تتوقف الدبابات عن القصف فإن القوات الأرضية ستندفع لاقتحام المخيم. بعد ذلك أضاءت نيران القذائف السماء المعتمة وشاهد أبو الهيجا الغبار وهو يتصاعد في اللحظة التي بدأت فيها الموجة الأولى من العربات المدرعة الناقلة لجنود المشاة بالوصول. كانت الساعة الثانية من قبل فجر الثالث من ابريل، وكانت المعركة على وشك الوقوع، وكان مخيم جنين باستمرار معرضاً لأن يكون الهدف الرئيسي للعمليات الوقائية الدفاعية للاجتياح الذي تتعرض له جيوب المقاومة الفلسطينية الرئيسية الذي أمر به رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون للرد على العمليات الفلسطينية الاستشهادية في شهر مارس الماضي، عندما قتل 80 اسرائيليا واصيب عدد اكبر. الرقيب عزرا وجماعة من جنود الاحتياط كانوا قد تم استدعاؤهم للخدمة على اثر الهجوم الذي تعرضت له بلدة ناتانيا الساحلية عشية الاحتفال بعيد الفصح اليهودي وقتل فيه 30 اسرائيليا اغلبهم من كبار السن. كان منفذ العملية عضوا في حركة «حماس» من مخيم جنين ولسنوات ظلت مدينة جنين معقلا للمقاومة الشرسة للاحتلال الاسرائيلي والقبضة المحكمة للجماعات الاسلامية ، حيث يعيش 14000 من سكان المخيم مكدسين فوق ميل مربع من البؤس، متمتعا بالسمعة التي اكتسبها كمعقل للهجمات الانتحارية. وعلى الرغم من ذلك فقد ترك لمدة اسبوع بينما كانت القوات الاسرائيلية تضرب بيت لحم ونابلس ورام الله، كانت وحدة عزرا قد اسندت اليها احدى المهمات الروتينية ضد الهجمات الانتحارية في القدس، وقبل 29 مارس لم تكن قد صدرت اليها الاوامر للذهاب الى نقطة سالم الواقعة الى الشمال من جنين. مع بداية شهر ابريل كان حوالي 1000 رجل من فرقة المشاة الخامسة اغلبهم من جنود الاحتياط العاملين تحت امرة كولونيك ايال شلين ينتظرون اوامرهم هناك. والى جانب دبابات «الميركافا» القتالية يمكنه ان يصدر اوامر لاسطول من سفن اليلوكوبتر الاباتشي العسكرية المزودة بالصواريخ والاسلحة الاوتوماتيكية الثقيلة، وحسب تقدير مصادر في الاستخبارات، يمكنهم ان يتوقعوا مواجهة اقل من 200 مقاتل مسلحين بأسلحة خفيفة ينتمون الى «حماس» و «الجهاد الاسلامي» و «كتائب شهداء الاقصى» بالاضافة الى رجال الشرطة الفلسطينية وقوات الامن.كان قرار عدم استخدام طائرات إف 16 المقاتلة او المدفعية في الهجوم على جنين قد اتخذ على مستوى مجلس الوزراء الاسرائيلي في الوقت الذي كانت الاستعدادات للهجوم قد تمت بلورتها وبوصفه محارباً متمرساً في كل الحروب التي خاضتها بلاده فهو يعلم ان ذلك يعني خسائر كبيرة تلحق بالاسرائيليين، الا انه كان حريصا على تجنب مشكلة اثارة غضب المجتمع الدولي الذي ربما اججه نشر كل هذه القوى العسكرية، وعلى اي حال فان جنرالاته كانوا يشعرون بالثقة بانهم يملكون القوة التي ستجعلهم يكتسحون المخيم ويسحقون المقاتلين سريعا، كانت الخطة الميدانية واضحة، وقوامها اقتحام الخطوط الخارجية بالدبابات وناقلات الجنود المدرعة ثم توزيع وحدات جنود المشاة على ثلاث جهات بالتدريج للضغط على مقاتلي العدو المتمركزين في قلب المخيم، حيث يمكن القضاء عليهم، الا ان مصادر الاستخبارات الارضية كانت لا تزال في ذلك الوقت تعلن عن تحذيراتها: الاشارات اللاسلكية الموجهة بلا ملاح تبث صور فيديو لمجموعات فلسطينية تشكل مواقع دفاعية قوية. باستلهامهم دروسا من غارتين اسرائيليتين سابقتين على جنين، لم تنجح اي منهما في التغلغل في داخل المخيم، قام المدافعون الفلسطينيون باخلاء المناطق الواقعة في نطاق المعركة وشق انفاق اتصالات حول النقاط الاستراتيجية تحمل قوات العدو على ترك ناقلاتها المدرعة ومواصلة القتال الارضي على الارجل، وصرح ضابط كبير في القوات الاسرائيلية معروف باسم بول «لقد استفادوا من الوقت الاضافي الذي منحناهم اياه فقد وفرنا لهم فرصة الاستعداد للهجوم وأحدهم تمكن من تحديد الخطوط التي ستقتحم عبرها قواتنا» الانفاق اظهرت ايضاً ان الاشراك المخبأة كانت توضع حول الزوايا الاستراتيجية في الشوارع، وفي المنعطفات المظلمة وفي الساحات الموجودة في الأزقة الخلفية المحيطة بالمخيم وحذر بول بقوله «انهم يعرفون عن كل شبر الارض وسيمكنهم ذلك من اختيار المواقع التي يريدون القتال فيها. كان الوجود المحتمل للمدنيين الفلسطينيين واغلبهم من النساء والاطفال وسط اجواء من القتال العنيف من الامور المتوقع لها ان تؤدي الى حدوث مشكلات اضافية للقوات الاسرائيلية وبخلاف الوحدات الخاصة فإن القليل من جنود الاحتياط التابعين للوحدة الخامسة تلقوا تدريبات في حرب العصابات في المدن لكن وعلى الرغم من ذلك، عندما بدأ الهجوم الارضي في وقت قريب في صباح يوم الثالث من ابريل وتلاه انقضاض السفن الحربية بالقذائف الصاروخية على نقاط تمركز الفلسطينيين القوية ظهرت فرقة الرقيب عزرا بمعنويات عالية ثم جاءت المؤشرات الاولى على انهم قد يلقون مقاومة اكثر عنفاً مما توقعوه في وقت لاحق من ذلك اليوم عبر تقارير متقطعة من مجموعة احتياط اخرى كانت قد ارسلت في الطليعة كان قائدها الرائد موشي غرستنر 29 عاماً قد اصيب في رأسه بطلقة سددها احد القناصة الحادث الذي ازاح النقاب عنه وعلى الاقل اصيب اثنان من رجاله باطلاق نار بالأسلحة الاوتوماتيكية قادم من كل الاتجاهات مما اعاق تقدم مجموعته.في اليوم التالي، وفيما كانت مجموعة عزرا تتقدم مندفعة في ناقلاتها المدرعة شاقة طريقها نحو المخيم، ذكرهم للمرة الاخيرة بأن يعايشوا زخم الموقف ثم قتحت الابواب بقوة وبدأوا في تنفيذ مهمتهم خلال ثوان قتل رجال غير معروفين قائد الفصيلة نسيم بن ديفيد (22 عاماً) وفيما كان عزرا يهرع الى استعادة جثته تعرض هو الآخر لاطلاق النار اما صديقه دان الذي كان يحتمي في مكان قريب فقد قال: «لقد اصيب غادي برصاصة في رقبته، فوقع على الارض ثم قال: «انني لا أكاد اشعر بنفسي على الاطلاق» ثم غمغم بتلاوة الدعاء، «شيما اسرائيل» واغمض عينيه كان قد قتل على يد نفس القناص الذي قتل نسيم قبل ثلاث دقائق فقط.عندما بدأت المجموعة في التحرك مرة اخرى، تحت وابل النيران المستمرة اكتشفت ان اعمدة الكهرباء المقطوعة وقطع الاسمنت كانت تسد الممرات الضيقة وكان يبدو من ذلك ان اشراكاً كانت منصوبة في كل مكان، على مداخل البيوت تحت السيارات، فوق الاشجار، على صناديق القمامة وحتى في ثلاجة استغنى عنها اصحابها وبعد وقت قصير اصيب اربعة آخرون من رجال الفرقة وبدأ رجال زانغان بانقاذهم.كان القتال كثيفاً على نحو لا يمكن تصوره وصرح زانغان في تقرير له بقوله: لم يكن بمقدورك التحرك لمسافة متر من دون ان يصيبك اطلاق النار ان هؤلاء الفلسطينيين يعلمون جيداً انهم لن يخرجوا من المعركة احياء ولذا فهم يريدون ان يأخذوا معهم ارواح اكبر عدد من الاسرائيليين في مساء يوم 4 ابريل باءت 4 محاولات توغل بالفشل، ولم تنجح محاولات اربع وحدات في العمل عبر خرائط غير دقيقة للمخيم من الداخل، كانت الفوضى كبيرة الى حد انها اوقعت اصابات من نيران صديقة على الرغم من عدم تسجيل اصابات فيما لاحظ ضباط من مجموعة غيرستنر ان الضباط كانوا يقومون بخلع شاراتهم العسكرية من على اكتاف ستراتهم خوفاً من ان يتعرف اليهم القناصة وتحت جنح الظلام شق جنود الاحتياط المذعورون طريقهم الى المنازل وهم يحملون المطارق الثقيلة للبحث عن مخابئ كان اربعة عشر فرداً من افراد عائلة راشد يجثمون في مطبخ منزلهم عندما داهمهم جنود ذوو وجوه مطلية باللون الاسود عبر الجدار الخلفي وبذعر شديد كانوا يتوسلون لتركهم يحتمون في منزل اقاربهم الا ان الجنود الاسرائيليين قالوا لهم «ان كل من يحاول الخروج من هذا المنزل سيكون معرضاً للموت». في ساعة متأخرة من الليل تردد النداء الصادر من منابر المسجد عبر مكبر الصوت عن رجل دين مسلم يتحدث العبرية بالقول للاسرائيليين ان الطريقة الوحيدة لحملهم على الذهاب الى منازلهم هي حملهم في نعوش عسكرية وتبعه صوت مهلل لفتاة تحيي «ابطال المقاومة الفلسطينية» الذين يقاتلون جيش اليهود ويدافعون عن شعبهم وفي اليوم الثاني 5 ابريل كان القتال يحتدم اكثر فأكثر كلما فتح القناصة النيران من مواقع تم اختيارها بذكاء لم يستطع الاسرائيليون تحديدها كانت الاباتشي تندفع كالسهام لضرب المواقع المشتبه فيها، وفي تلك الاثناء قتلت احدى القذائف مقاتلين كانوا يعملون من غرفة تقع في الطابق العلوي من احد المنازل وقبل حلول المساء قتل ثلاثة ضباط اسرائيليون وهم روني تال (21 عاماً) وفيشر (19 عاماً) وعوديد كورنفيلد (20 عاماً) وهو يحتمي في مكان قريب من سترة فيشر الملطخة بالدماء، تذكر جندي احتياط يدعى عوفر تحذيرات قائده بأن هنا سيكون الامر غاية في الصعوبة، فالجنود يقتلون على يد القناصة خلال الثواني الاولى» وكان قد ارسل رسالة الى والدته عبر الهاتف النقال يطمئنها فيها على حياته الا انها كانت قد سمعت بموت غادي عزرا فاتصلت به عبر الهاتف وهي تصرخ طالبة منه مغادرة ساحة القتال.في ذلك المساء وبينما كانت فرقة عوفر تجلس بانتظار ليلة شاقة اخرى في منزل فلسطيني مهجور، كان مزاج القيادة الاسرائيلية العليا قد اتسم بالسوداوية وبعيداً عن الانتصار السريع الساحق الذي توقعه جنرالات شارون، كان تقدم الألف رجل الذين تتألف منهم الفرقة الخامسة لبضع مئات من الامتار قد استغرق ثلاثة ايام بأكملها ومات فيه سبعة منهم وجرح ما يصل الى العشرين وكان يبدو واضحاً ان المقاتلين الفلسطينيين ما زالوا يمتلئون بالحماس.فيما كانت الاصابات ترتفع في صفوف القوات الاسرائيلية كان نوع آخر من مشاعر بالقسوة يستشري في صفوف جنود المشاة وهم يتفجعون على رفاقهم وشيئاً فشيئاً كان الجنود يتخلون عن التقيد بقواعد المواجهة التي كانت تتيح لهم ان يطلقوا النار فقط على الاهداف المسموح بضربها قانونياً ولاحظ احد جنود الاحتياط وهو يشعر بنوع من الاشمئزاز ان قواعد القتال على الرغم من ألوف الفلسطينيين كانوا قد غادروا المخيم الى القرى المجاورة قبل وقوع الهجوم الاسرائيلي، الا ان الامور التي لابد من تصورها في حالة حدوث المواجهات العنيفة وقوع اصابات في صفوف المدنيين الابرياء الذين يجهلون التحذيرات الصادرة بالعبرية من مكبرات الصوت بضرورة مغادرة منازلهم على الفور قد حل محلها اطلاق النار على كل شيء يتحرك بغض النظر عما اذا كانت القوات الاسرائيلية تتعرض لاطلاق نار مماثل «أطلقوا النار على كل منزل وبالتالي فقد كنا نسحب الذخيرة من أسلحتها ونمطرهم بدزينات من القذائف الصاروخية والأسلحة الاوتوماتيكية الثقيلة ولم يكن من الصعب علينا ان نتخيل ما يحدث في داخل البيوت بعد اطلاق النار عليها. وفي كل ليلة كنا نوقظ سكان المخيم بأوامر، نطلق النار حتى يستجيب لنا الرجال المسلحون ثم بعد ذلك نطلق النار على مواقعهم على نحو دقيق كنا نطلق النار بدافع الخوف، لكي نعطي الآخرين شعوراً بالامان، من اجل الانطلاق وعندما مر أمامنا حصان، مزقناه بالرصاص على الفور. في وقت مبكر من يوم 4 ابريل، في اليوم التالي لبدء الهجوم الارضي، اصيب هاني رميله 19 عاماً باطلاق نار من بندقية قناص اسرائيلي، فيما كان يسترق النظر خارج الباب الامامي لداره وحملت صرخاته فدوى جمعة الممرضة البالغة من العمر 27 عاماً الى الخروج من بيت قريب لنجدته وصرخت اختها، التي كانت ترافقها بأنها كانت ترتدي زيها الرسمي الذي تميزه بوضوح شارة جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني للخدمات الطبية «لقد بدأ الاسرائيليون باطلاق النار باتجاهنا، واصبت بطلق ناري في رجلي ثم وقعت على الارض فحاولت اختي اسعافي قلت لها «لقد اصبت فقالت وانا كذلك» كانت قد اصيبت في بطنها. ثم اطلقوا عليها النار مرة اخرى واصيبت في القلب فأصدرت صوتاً فظيعاً وحاولت التنفس ثلاث مرات. بعد اعاقة طويلة سمح لسيارة اسعاف تابعة للهلال الاحمر بالمرور عبر الخطوط الاسرائيلية الا ان فدوى كانت قد توفيت ساعة وصولها كما توفي هاني رميله متأثراً بجروحه، وفي اليوم التالي قتل والده عطية رميله بطلق نار في الرأس، يرجح ان يكون قد اطلقه جندي رماية اسرائيلي وتقول زوجته التي شاهدته وهو ينزف من انفه وفمه «كان جسمه كله يرتعش وقد اطلقت صرخات استغاثة من اجل الحصول على سيارة اسعاف لنقله، ولكن عندما وصلت الينا واحدة من السيارات قام الجنود الاسرائيليون بطردها» وظلت جثة زوجها ترقد في المنزل لمدة اسبوع. يؤكد الكثيرون من شهود العيان الفلسطينيين ان القوات الاسرائيلية كانت في أغلب الاحيان تحول دون وصول الاسعافات الأولية لنجدة المدنيين الفلسطينيين، وكان الجيش الاسرائيلي يدعي ان ذلك الاجراء كان يهدف الى ضمان سلامة الفلسطينيين كما ادعى الاسرائيليون ان المقاتلين الفلسطينيين المصابين كان يتم تهريبهم خارج المخيم في سيارات اسعاف (وقد نفى الهلال الاحمر ذلك). حسبما ورد عن احد جنود الاحتياط الاسرائيليين المتواجدين في الخطوط الأمامية، فقد كانت هناك احداث طارئة أصيب فيها مسلحون وتركوا لينزفوا حتى الموت الا ان زانغان صرح بأن فريقه قام باسعاف فلسطينيين على الفور ومن بينهم شاب اصيب بطلق ناري كانت ذراعاه تحملان وشماً يخلد ذكرى الأعمال البطولية التي يقوم بها الانتحاريون. في صباح يوم 6 ابريل، وبينما كانت الاساطيل الحربية تطلق نيران مدفعيتها باتجاه المنطقة القريبة من الشارع الرئيسي للمخيم، اصيبت مريم الوشاحي 58 عاماً بشظية انطلقت على اثر انفجار صاروخي وقبل ذلك بساعات قليلة قتل ابنها، وكما هو واضح فقد اصيب في عملية تبادل اطلاق نار، فيما كان يغامر بالخروج من منزلهم وعلى الرغم من انها كانت تقيم بالقرب من مستشفى الرازي الواقع في منطقة جنين، الا ان القوات الاسرائيلية لم تسمح لأي من سيارات الاسعاف بنقلها فتوفيت بعد 36 ساعة من اصابتها وفي اليوم التالي دفن رجل فلسطيني مشلول يدعى جمال فياض 37 عاماً حياً في ركام منزله عند قيام احدى الرافعات العسكرية المدرعة من طراز د-9 بهدم الجدران الداخلية لمنزله في حين ادعت اسرائيل ان المنزل كان مستخدماً من قبل رجال مسلحين وحسبما ورد عن عائلته، فقد رفض الجنود الاسرائيليون توسلاتهم الشديدة بالسماح لهم بنقله من اجل سلامته وفيما كان تقدم القوات الاسرائيلية يتداعى كان بعض الجنود يرغمون المدنيين الفلسطينيين على تشكيل دروع وقائية بشرية، ويقذفون بها امام الدوريات وقالت امرأة تدعى اسمهان مراد بأنها امرت للمرور من امام احدى الوحدات القريبة المحاصرة لمنزل كان يعتقد ان بداخله مسلحين فلسطينيين وفيما كان خبراء الألغام يستعدون لتفجير الباب المعدنية الامامية، كانت المرأة المقيمة في البيت عفاف الدسوقي 52 عاماً تفتح الباب وتقتل في الانفجار. وفي يوم 6 ابريل ارغم كمال طوالبة وابنه على الوقوف في احدى الشرفات المستهدفة في اثناء مواجهة استمرت ثلاث ساعات وفي تلك الاثناء استخدم الجنود الاسرائيليون الذين كانوا يحتمون بهم كتفي طوالبة كمساند لبنادقهم وألمح احدهم بالقول «اذا شاهد احد القناصة شخص يعرفه فقد يمنعه ذلك من التصويب نحوه».كانت بسالة المقاتلين الفلسطينيين الذين يشاركون في القتال على كل شبر من الارض محل اطراء حاقد من قبل القوات الاسرائيلية وصرح احد الجنود بالقول على الرغم من انهم مقاتلون شجعان الا انهم انذال كبار بسبب استخدامهم النساء والاطفال كغطاء وكان الرجال المسلحون باستمرار يلوذون بالفرار من مواقعهم قبل اكتساحها تماماً: كانت الوحدات الاسرائيلية في حالة خوف شديد من مهاجمتها من الوراء في الأزقة الخلفية اما المدنيون الفلسطينيون وكانوا غالباً ما يغامرون بأنفسهم من اجل نجدة المقاتلين، وبمساعدة اثنين من ابناء اخوته المنتمين الى حركة حماس بذل جمال كل ما بوسعه لمساعدة الرجال المسلحين يقول «ان كل اولئك الذين قدموا المساعدة يرون انهم يساهمون عملياً في المقاومة الفلسطينية، ولم يغلق احدنا قط بابه في وجه هؤلاء الذين يذودون عنا. تعتقد المخابرات الاسرائيلية ان ثلاثة على الاقل من المنتمين الى الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي من الذين لاذوا بالفرار الى المخيم قبل الهجوم كانوا يعدون لحفر النفق الدفاعي وكان محمود طوالبة، وهو احد المقاتلين الاسطوريين في مخيم جنين متهماً من قبل اسرائيل بتدريب 18 على الأقل من الاستشهاديين اما مسئولاه الكبيران ثابت مرداوي وعلي صافوري فقد كان من بين اوائل المطلوبين لدى الاسرائيليين، وفيما كان القتال يمتد قريباً من حي الحواشين الواقع في وسط المخيم، استخدم الثلاثة اجهزة الهاتف النقال لحث كل المقاتلين على مواصلة القتال حتى آخر رصاصة في حوزتهم، وبعد ذلك التفوا بالاحزمة الناسفة وماتوا شهداء. خلال اجازة اخر الاسبوع يومي 6 و 7 ابريل فقدت الفرقة الخامسة رجلين اخرين هما الرقيب شمويل ويس 19 عاماً، وماثانيا روبنسون 22 عاماً، اللذين اصابتهما نيران القناصة الاسرائيليين ليصل عدد القتلى في صفوف القوات الاسرائيلية الى تسعة بالاضافة الى عدة عشرات من المصابين. وببقاء اقل من نصف عدد سكان المخيم في حالة امان اضاف الجنرال شلين ان الوقت قد حان لتقوية اداء جنود الاحتياط التابعين له بالحاقهم للقتال لدى مجموعات جديدة من وحدات الجيش العادية. وعلى الرغم من ان القوات كانت ماتزال تقوم بالمساعدة في اجلاء المدنيين الفلسطينيين، الا انهم كانوا يشعرون بالقلق تجاه تلك المواجهات. كانت زند البنادق تحرك. وعلق ضابط احتياط على ذلك بقوله: لم يكن لدينا الوقت الكافي لاعادة التفكير في تلك الاثناء التي بدأ فيها القتال ينتقل من بيت الى بيت. في يوم السبت 6 ابريل بدأ التوتر الذي أخذ يسود بالظهور في سلسلة من الاحداث التي برزت بعد اقتحام القوات الاسرائيلية منزل رجل عجوزيدعى احمد اسعد بشارع العدوي قبل حلول الظلام بوقت قصير. ويقول الفلسطينيون الذين كانوا هناك انه في اعقاب عملية بحث دقيق، جمعت القوات الاسرائيلية جيرانه في الشارع، ثم عدداً من النساء والاطفال الى المنزل.وامر شقيقان له بخلع ملابسهما للتأكد من انهما لا يرتديان احزمة ناسفة. وقال اسعد الذي يتحدث القليل من العبرية بأن احد الاخوين كان يضع حزاماً لعلاج الظهر. لكن الضابط الاسرائيلي اخطأ باعتقاده بأنه حزام ناسف فصرخ في اثنين من جنوده «اقتلوه» واطلقت النار على المدنيين الثلاثة من مسافة قريبة؟ ونجا الاب من هذه المحاولة. الا ان متحدثة في القوات الاسرائيلية نفت الادعاءات الفلسطينية بشدة بقولها بأن الجنود الاسرائيليين كلهم كانوا ملتزمين بالتعليمات الواردة اليهم «عدم الحاق الاذى بالمدنيين واطلاق النار فقط على المسلحين الذين يغامرون بحياتهم». على الرغم من الملاحظات الساخرة التي اطلقها جنود الاحتياط الا ان تصريحات اذاعية صدرت في يوم 8 ابريل تحدث فيها الجنرال شاؤول موفاز رئيس الاركان الاسرائيلي آنذاك ادعت ان المعارك الدائرة في جنين قد توقفت بالفعل، وان المقاومة الفلسطينية اظهرت في النهاية انها اصبحت ضعيفة ان المقاتلين فقدوا امداداتهم من الطعام، والماء، والذخيرة، وانهم لن يتمكنوا على الاطلاق من تعويض خسائرهم. غير ان اجواء الحرب عادت الى الظهور عندما وقع 20 جندياً اسرائيلياً يتقدمهم الرائد عوديد كولومب في شرك محكم كان منصوباً في مكان قريب من وسط المخيم. وفي حوالي الثامنة قامت الدوريات بعمليات تفتيش اضافية لمنطقة كان الجنود العاديون قد اخلوها في اليوم السابق. وعندما وصل الجنود الى مسافة صغيرة تطل عليها من كل الاتجاهات منازل شبه مهدمة، وثب استشهادي من مخبئه وفجر نفسه في وسطهم. ثم تفجرت بعد ذلك سلسلة متعاقبة من القنابل المخبأة وفتح القناصة نيرانهم وامطرت الدورية. ولم تمض الا دقائق قليلة حتى كان كل الاسرائيليين قد سقطوا على الارض، اما الرائد كولومب واثنان من الضباط فقد قتلوا على الفور. وفيما كانت تتم عملية ازالة الشرك كان منظر الاشلاء ينزل الرعب في نفوس كل من ينظر اليها في المقر الرئيسي للغرفة، وفيما كان الرقيب زانغان يسرع الى موقع الحدث كانت نيران المدفعية الثقيلة تمطره.وفي وقت لاحق قال «لقد قمنا باجلاء سبعة من الجنود المصابين «ورغم اننا قمنا باستدعاء طائرة الاباتشي على الفور، الا اننا كنا قريبين جداً في متناول الاعداء. وعندما توقف القصف، سقط تسعة جنود منا في ساحة المعركة وزحف آخر ليموت في مكان قريب.ولم نعرف مصير ثلاثة اخرين، الا في ساعة متأخرة من النهار عندما تم اكتشاف جثثهم التي القى بها المسلحون بعيداً.وما ان حل المساء حتى قتل القناصة اسرائيلياً اخر ليصل عدد القتلى في يوم 10 ابريل الى 14 جندياً اسرائيلياً ويكون بذلك اليوم الذي يشهد اسوأ الاحداث الدامية في تاريخ القوات الاسرائيلية منذ حرب لبنان.وعلى الرغم من ذلك فقد اطلق كبار الضباط الاسرائيليون العنان لطائرات الإف 16 لقصف بعض جيوب المقاومة المتبقية في جنين. وبمنع الصحافيون الاجانب من دخول المخيم سرت شائعات حول مجزرة واسعة النطاق راح ضحيتها المدنيون الفلسطينيون. وبدلاً من ذلك تقرر ان ترسل الجرافات الى قلب المخيم لدك كل شيء يمكنه ان يعترض طريقهم ولفتح ممرات للعبور لشن الهجوم الاخير باستخدام الدبابات وناقلات الجند المدرعة. وبعد وقت قصير من طلوع النهار يوم 10 ابريل سمع الفلسطينيون الرابضون في بيوتهم المخرمة بالرصاص اصوات محركات د ـ 9 وهي تهدر وشاهدوا المباني وهي تتهاوى من حولهم. وكانت مكبرات الصوت تطالب المدنيين بمغادرة منازلهم، ثم سمعت اصوات طائرات الاباتشي، وهي تحلق على مسافة منخفضة فيما كان الجنود المسلحون الذين يسدون اخر المواقع الفلسطينية ما يزالون يقومون بأعمالهم الروتينية.الضابط يوناتون ولف مايزال يقف مع جنود وحدة الاحتياط التابعة له في مكان قريب بانتظار اوامر بالبدء باطلاق النار الذي كان يتمنى ان يكون الاخير. وقد صرح بقوله: «طالما ان الناس مازالوا يطلقون النار من منازلهم، فلن يكون امامنا من خيار سوى تدميرهما». ثم تولت الجرافات القيام بما كان يجب القيام به. لكن ذلك كان يعني حتماً معاناة المزيد من المدنيين. وفي حوالي الرابعة مساءً قدم رجل يدعى ضرار حسان المساعدة لصديقه الذي يجلس على الكرسي المتحرك كمال زهير 57 عاماً وكان حسان قد اعطى صديقه راية بيضاء للتلويح بها وتركه في الشارع الرئيسي حيث اعتقد حسان بأنه سيكون في مأمن من الضربات الاسرائيلية الا انه سمع اصوات دبابات تقترب، تلاها صوت اطلاق نار متقطع، اعتقد بأن الاسرائيليين كانوا يحذرون كمال وينصحونه بضرورة الابتعاد عن الطريق. وفي اليوم التالي، خرج حسان للبحث عن صديقه فعثر عن كرسيه وقد تساوى بالارض، وعلى بعد قريب كانت جثته في حالة يرثى لها. في وقت متأخر من ذلك اليوم، تم استخراج جثة زعيم حركة الجهاد الاسلامي محمد طوالبة من تحت انقاض احد المنازل حيث كان متواجداً هناك للمرة الاخيرة، ليدفن فيما بعد في مقبرة الشهداء في جنين. في ذلك المساء، وفيما كان اخر المقاتلين الفلسطينيين يتراجعون تحت ضغط الهجمة الاسرائيلية الشرسة، كانت مكبرات الصوت تعلن محذرة من قرب القاء طائرات إف ـ 16 قنابل ما لم يقم الفلسطينيون بالاستسلام للقوات الاسرائيلية وعلى الرغم من انها كانت مجرد خدعة الا انها اتت ثمارها: فقد خرج على اثر ذلك ما يتراوح عددهم بين 300 و 400 شخص كانت غالبيتهم من المدنيين غير المسلحين، تم نقلهم للتفتيش. في صباح يوم الثلاثاء 11 ابريل مشى حوالي 40 مقاتلاً فلسطينياً يشعرون بالانهاك باضطراب وسط الانقاض في الحواشين وقاموا بتسليم انفسهم ثم رفعوا قمصانهم للاشارة الى انهم لا يحملون متفجرات قبل ان يقوم الاسرائيليون بعصب اعينهم، وتقييد ايديهم واقتيادهم الى قاعدة سالم للتحقيق معهم. وبذلك وصلت معركة جنين بالفعل الى نهايتها، على الرغم من سماع بعض الطلقات فيما كان الاسرائيليون يقومون بحركة تمشيط اخيرة للمخيم، كانت منطقة الانفجار قد دمرت بالاضافة الى 130 مبنى على الاقل من بينها منازل ومحلات ومكتب تقديم المعونات للاجئين قد تحولت الى ركام. واخيراً رفع حظر التجول الذي كانت السلطات الاسرائيلية قد فرضته لساعات قليلة. في اليوم التالي لم يتمكن الفلسطينيون الباقون في منازلهم من شراء الاغذية والحصول على الماء. كانوا يتجولون عبر المناطق التي اصابها الدمار في حالة من الشعور بالغثيان واليأس حيث كانت روائح الجثث العفنة تملأ المكان. وحتى في هذه الاثناء لم تتوقف اعمال القتل. فهذا صبي في الحادية عشرة يدعى فارس زين في طريقه لشراء بعض الحاجات من بقالة قريبة، يموت متأثراً بنيران دبابة اسرائيلية. في شهر مايو امضت بعثة من المفتشين التابعين لمنظمة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة عدة ايام في المخيم قامت خلالها بالوقوف على حجم الكارثة. وتوصل الفريق الى نتائج منها ان 52 فلسطينياً على الاقل قد قتلوا في المواجهات يعتقد بأن نصفهم من المسلحين. ومن جانبه يتفق مدير مستشفى جنين المركزي حول هذه الارقام مضيفاً الى ذلك ان اكثر من 200 شخص تمت معالجتهم من الاصابات. كما صرح عمال اغاثة بأن ما يقارب الخمسين فلسطينياً كانوا قد فقدوا، ويعتقد بأنهم اما ان يكونوا قد فروا من المخيم او دفنوا تحت انقاض ما كان يسمّى في السابق منازلهم. ترجمة: مريم جمعة فرج عن «صنداي تايمز مجازين»