يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعد من الكتب النادرة التي تنهض في وجه سلسلة الاصدارات التي انطلقت في الاعوام الأخيرة ضد العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاستهلاكية، فهو يشدد على ان العولمة ليست شراً كلها كما يذهب البعض، وانها لاتعني بالضرورة المساس بالثقافات الوطنية، بل قد تؤدي الى تعزيزها. والمؤلف يناقش هذا كله من منظور محدد، هو صناعة السياحة. وفي الرحلة الهائلة عبر صفحات هذا الكتاب نحن على موعد مع تحليل مميز لما تعنيه السياحة باعتبارها أحد أهم مظاهر بدايات الاقتصاد المعولم ومع رؤية متكاملة لمد الجسور بين السياحة وإيجاد السلع وبينها وبين مفهوم الحداثة. تتمثل احدى الوسائل للتعامل مع بعض التعقيدات في غمار تغييرات الاماكن في التركيز على سبل لتحديد الاماكن والادوار بصورة متساوية، معرفة ومقيدة. ومعظم الدراسات التي تبدي اهتماما بالسياحة وصلتها بمواقع محددة تميل الى التركيز على اماكن محدودة، سواء أكانت تلك الاماكن في الدول المتقدمة او في البلدان الاقل نموا، كما لوحظ سابقا. وهناك بضع دراسات تدور حول تأثيرات السياحة على الثقافات المحلية وعلى اساليب الحياة في المناطق الحضرية. ويعزى ذلك جزئيا لمشكلات فصل السياحة عن الاشكال الاخرى من النشاط وانماط السلوك الاستهلاكي، والاقل محلية والانماط الاكثر تبديدا للتفاعل الاجتماعي التي تحدث في المواقع الحضرية فضلا عن المشكلات الخاصة بتعريف الحدود المحلية المنفصلة. ولكن المشكلة الرئيسية مرتبطة بتطور السياحة الحضرية.وبعيداً عن القدرة الاستيعابية والاكتظاظ المبالغ فيه هناك اساليب يؤدي توظيفها لتحقيق فضاءات استهلاكية جديدة أي ايجاد حدود رمزية مابين الداخليين والخارجيين وغالبا ما يعبر السكان المحليون في المراكز السياحية الحضرية الاصغر، كالمدن التاريخية على سبيل المثال، عن خشيتهم من ان يمنح المكان الخارجيين خدمة لمصالحهم على حسابهم. الفقاعة السياحية وفي اطار هذه الصورة، وغالبا في المراكز الحضرية الأكبر، فان ذلك يوجد مايمكن الاصطلاح عليه «الفقاعة السياحية» التي تتكون من مجموعة قياسية من التسهيلات، مثل مراكز المؤتمرات والاسواق والتسهيلات الرياضية فضلا عن المناطق التاريخية المرممة، وذلك شكل من اشكال النمو، الذي يمكن العثور عليه بصورة متزايدة في الاطار الآسيوي الهادي الحضري. وتبنى المناطق السياحية في المراكز الحضرية حول سلسلة من الحدود الضمنية والظاهرة التي بدورها غالبا ما تكون نتيجة لسياسات متخصصة لتشجيع التنويع الاقتصادي من خلال التسوق الخاص المربح. ونرى تطويرات مثل هذه كأشكال من التجمع الحضري ولانه عن طريق اعادة تعريف فضاء المدينة وبتطوير اماكن محددة لجذب الزوار الخارجيين، فان وظائف المدينة تتغير من كونها تخدم احتياجات السكان الى كونها تخدم احتياجات الزوار، ومع ذلك علينا الا ننسى ان الحضري يفصل من حيث وظائفه بشكل او بآخر وفي بعض الحالات يرتبط ايضا بمجموعات عرقية خاصة. وعلى الرغم من وجود دليل جوهري يشير الى استخدام الفضاء بهذه الطريقة وترميز الحدود ووضع الحدود على استخدام الفضاء وما الى ذلك وينبغي ايضا ان يثبت في الذهن ان الحدود يمكن ان تكون رمزية ومادية ايضا ان لم تكن مزيجا من الاثنين، ويمكننا رؤية ذلك في قضية القدس على سبيل المثال، ويرى ساتشر وشوفال ان تنمية فضاءات دينية متبانية في اطار المدينة هي نتيجة تراكمية لسنوات طويلة من الصراع الديني والسياسي. ففي السنوات الاخيرة فان الاماكن الدينية اليهودية والمسيحية والاسلامية، التي تنقسم هي ذاتها بعدد من الاساليب، اصبحت فضاءات سياحية متميزة فضاء ورمزا. ويكتب ساتشر وشوفال قائلين ان كلاً من هذه المواقع تتحكم بها مؤسسات من كل من الاديان الثلاثة ولكل منها شخصيته السياسية المحلية القوية التي تحدد هويتها باعتبارها نوعا من الاماكن المغلقة او المدن الصغيرة في داخل المدينة الواحدة ولعل نموذج القدس هو من اكثر الامثلة بروزا في هذا الصدد، ويلاحظ ان النظام المادي للفضاء هو ايضا نظام اجتماعي وستسعى بعض المجموعات الاجتماعية الى تعريف نفسها وفقا لمصطلحات او تسميات رمزية وفضائية او بالتبادل، وقد تجد نفسها مهمشة ازاء هذه العمليات. الانتماء وحب المكان الفرق بين السياح والسكان المحليين هو انتماء المجموعة الاخيرة الى المكان وحبها له، والاساليب التي ترتبط بها بالمناطق المحلية باساليب متنوعة، وهو ما يمنحها التركيز على الاشكال الجماعية للهوية. والواقع ان وجود السياح في المكان هو وجود مؤقت، ولذلك فإن العلاقات بين السياح المستضيفين غير متكافئة خاصة عند التعامل مع الاماكن السياحية والثقافات الاكثر هامشية او بعدا. ان تأثيرات السياحة على السكان المحليين يمكن رؤيتها وفقا لاكثر من منظور، ولكن اذا لم تكن الاتصالات بين السياح والمستضيفين سلبية دائما، فبأي المعاني يمكن ان تعد هذه العلاقة ايجابية؟ ربما كانت اكثرالمسائل اثارة للجدال فيما يتعلق بالسياحة هي ان السياحة تعزز تفاهما اكبر بين الثقافات والمجتمعات. وكما يقول وهاب فان: «حركة السياحة تجعل من السهل اثارة مسألة التجانس الاجتماعي، على الرغم من ان ذلك قد يثير مسألة تجانس العادات والتقاليد، التي قد تدفع باتجاه صدمة ثقافية، قد تؤدي الى مشكلات اجتماعية ولكن فكرة ان العولمة وزيادة الاتصالات تقود لا محالة الى التجانس لم يثبت بالبرهان القاطع صحتها، ويفترض الدليل بقوة ان هناك في الواقع حالات معاكسة وببساطة فإن النظر الى الاتصال المتزايد كشيء يفضي بالضرورة الى فهم اعظم قد يكون من الاهداف المرحب بها، وقد يحدث ذلك في ظروف معينة، لكن تزايد الاتصال يمكن ان يعزز ايضا المواقف المتطابقة لكل من المستضيفين والزوار بدلا من ان يباعد بين الطرفين. ويقدم هيتشكوك قائمة شاملة للأساليب التي يصنف بها السياح محليا وخارجيا في عدد من الثقافات والظروف على انهم «الآخرون» او «الغرباء» ويوضح هيرتز فيلد كيف ان السكان المحليين في ريثيمنوس (جزيرة كريت) يعتبرون الفنلنديين مستقيمين وليس لديهم اية عقد، اما الالمان فانهم يتسمون بالميل للاصرار على المساومة، اما الانجليز فيوصفون بالجلافة، في حين انهم خلال الرحلات الجماعية يوصفون بأنهم طيبو المعشر و«كالخراف الصغيرة» اما الهيمالايون فإنهم يعزون الجدب الذي اصاب مناطقهم لتردد السياح عليها. ولكن الامر لايقتصر على السياح الاجانب في التسبب في مثل تلك السلبيات ويوضح مارتينز كيف ان السياح اليابانيين الزائرين لقرية يابانية في شبه جزيرة شيما اعتبروا «خطرين وقذرين» ولاحظت كاليجان ايضا ان السياح المحليين في كورنول بالمملكة المتحدة يوصفون بصفات خطيرة، ويدرجون على انهم اشبه بالنمل او ماهو أسوأ من ذلك كما ان هناك مقاومة للسياحة على مستوى التفاعل المحلي، والواقع فان السياحة ليست شيئا يستهلك من دون وعي على مستوى الضيوف والمستضيفين. وكما يلاحظ هيتشكوك فان السخرية تعزز الحدود كتعبير معاكس للهوية «ويشير بواسفين ايضا الى الاساليب التي يمكن بواسطتها التعبير عن الاشكال السلبية للمقاومة وتميز الاشكال المحلية للمعرفة والهوية بين السكان المحليين والغرباء عن وجود السياح او عدم وجودهم. ومن جهة جدلية فان الطبيعة الطارئة للسياح قد تثير حفيظة اصحاب مثل هذه المفاهيم، ومن هنا فانها تبني او تعزز مثل هذه الصور المطابقة. وعلى سبيل المثال، فهناك العديد من الامثلة المسجلة للكثير من السياح وهم يتجاوزون الحدود بين الفضاء العام والخاص ويشير بواسفين الى الطريقة التي يضل بها السياح طريقهم في مالطا ويدخلون الى ممتلكات المالطيين الخاصة، ويذكر امثلة عديدة مشابهة من سردينيا وجزر لوفوتن في النرويج. ويسجل لاكسون ايضا امثلة لسياح يزورون قرى الهنود الحمر في نيومكسيكو بالولايات المتحدة وينتهكون حرمة مساكن السكان الاصليين وغالبا ما يكون تعريف الحدود وفقا لصيغ المعرفة المحلية ضمنيا. وليس هناك مايدعو للدهشة حيال ان اساءة الفهم يمكن ان تحدث وهي تحدث فعلا ولكن ذلك لا يمنح السياح اي عذر، ان ما يحدث في هذه الحالات هو تضارب الآمال بين الجانبين (السياح والسكان المحليين) التي تتضمن اختلافات فيما يتعلق بما يكون العام والخاص. ومثل هذه الاختلافات غالبا ما تتبلور في مفاهيم مثل «الجبهة» و «الخلف» وتشير الكلمة الاولى الى كل من الفضاءات التي تتم فيها ممارسة الادوار الاجتماعية والعلاقات اما الكلمة الاخرى فتشير الى فضاءات تعد خاصة او مؤطرة بحدود ويرى اي كوهين ان هذا التمييز والتباين يمكن ان ينطبق على السياحة بصلتها بالاطلاق المقصود للاحداث لاغراض سياحية والتي تسمح بعدئذ للمجتمع المستضيف بان يحافظ على مسافة تفصلهم عن السياح. وكنموذج يتحدث عن قضية مجتمع آميش حيث باستطاعة السكان المحليين ان يطلقوا بصورة فعالة «الجبهة» للسياح وهو ما يمكنهم من الحفاظ على شعورهم بهويتهم الخاصة. ومع ذلك فإن الفصل بين الامامي والخلفي والعام الخاص ليس متباعدا او جافا وكذلك فان دور المرشدين السياحيين والوسطاء الثقافيين الآخرين قد يكون مهما هنا. ومثل هؤلاء الاشخاص قد يقومون بدور الوسطاء الثقافيين حيث يعزل الزائر عن الاشياء غير المألوفة. وبمعنى آخر فانهم يقومون بدور الوسطاء والمترجمين ليس كمترجمي لغة فحسب، بل القيام بتفسير الاشكال المحلية للمعرفة وما يخص الامكنة التي تجعل السكان المحليين متميزين وكيف يتعين على السائح ان يتصرف في ظروف معينة، وما الى ذلك. ويلعب المرشدون السياحيون، وخاصة في مواقف تكون فيها اللغة مشكلة وحاجزا، دورا مهما ومثيرا للجدل. ويرى كل من فادن بيرج وليز ان «الوسيط يصبح عميلا نشطا في تكييف الوضع الذي يعيش فيه ويقتات منه». وفي بعض الحالات فان ذلك يعد ببساطة بيان حقائق فالناس ليسوا متلقين هامشيين اوناقلي ثقافة بل يلتحمون باستمرار في عمليات تعديل مواقعهم. لكن ذلك يتم ضمن اطر وحدود، ولكن دور المرشدين السياحيين قد يتضمن ايضا نشر القانون واعلانه وهو يمثل المحظورات في المجتمع. ومع ذلك فينبغي الا نصاب بالدهشة حول ذلك. والحقيقة فان المعرفة المحلية ليست شاملة، وينبغي ان نتذكر ان جميع الحكايات حول المكان هي جزئية وانتقائية سواء اكانت تعكس اهتمام السكان المحليين مثل الخارجيين ام لا. وعلينا ايضا ان نأخذ في الاعتبار اهمية الآخرين الذين يقومون بالربط بين الجانبين مثل وكلاء السفريات والشركات السياحية وحتى الحكومات الوطنية. وليس هناك اي سبب يجعلنا نفترض ان قراءة اي شخص صحيحة ومطلقة ولكن هناك مناسبات يرتبط فيها نشر النسخة المحظورة من الاحداث للاستهلاك السياحي بصراعات اجتماعية وسياسية اوسع بشأن اهمية المكان، ومن الامثلة التي توضح ذلك دراسة لمرشدين سياحيين فلسطينيين واسرائيليين وقدم هذه الدراسة بومان، ولاحظ انه بموجب القانون الاسرائيلي فان المرشد السياحي المرخص ينبغي ان يرافق مجموعة سياحية تستخدم المواصلات التجارية. وعلى الرغم من ان هؤلاء اشرفت على تدريبهم الحكومة فان الترجمات التي يوفرونها للسياح تعتمد ايضا على خلفياتهم الدينية والسياسية وبناء على تمييز اريك كوهين، بين المرشدين ، اي المرشدين، الذين يقودون السياح في مناطق غير ملمين بتضاريسها فأولئك هم أكثر اهتماما في ان يدمجوا مابين المعاني واهمية المكان في الحكايا المتماسكة. ويلاحظ بومان ان الاستراتيجيات الخاصة بالمرشدين السياحيين تشكل عاملا مهما في دمج الآمال الاولية للسياح في الاطر التفسيرية التي هي عمليات مناقشة تتضمن مصالح محلية بقدر ما تتضمن ايضا تنظيم صناعة السياحة نفسها وعلى الرغم من ان ذلك يتضمن عناصر توصف بأنها عين السائح للسيطرة على المكان التمثيلي فإن النقطة المهمة هي ان تلك تتحقق باعتبارها مجموعة من الانجازات العملية. اما النطاق الآخر للنشاط، حيث نقوم بالاشارة الى الطبيعة العملية للعمل، فهي ذات اداء شعائري. الطقوس والمكان والسياحة يعيد المؤلف الى اذهاننا انه اوضح في الفصل السادس من الكتاب ان فكرة التراث تمتد ايضا الى ماوراء العالم المادي للمشاهد الطبيعية وبناء النصب التذكارية والاشياء لتوحيد مظاهر اقل حسية، مثل اللغة التي يتحدث بها والموسيقى التي ربما نحتاج الى ان نضيف اليها انجازات شعائرية. والهدف ليس تقديم تحليل شامل لكل من الشعائر او الانجازات، بل لفحص الوسائل التي يؤثر فيها الاتصال بين السياح والسكان المضيفين على بعض المظاهر الشعائرية لحياة الناس. وباختصار يمكننا رؤية طقوس سنوية مثل عيد الميلاد وعيد الفصح كوسائل لتحديد مرور الوقت. اما المراسيم الاخرى، مثل الزواج، فقد استخدمت لتبيان التغيرات من حال الى حال ويمكن ان انظر الى الشكلين كليهما ايضا على انهما وسائل لتمييز انشطة معينة عن الانشطة الدنيوية. وترتبط الطقوس ايضا بالمكان وقد تكون عبارة عن صيغ من التذكير ترتبط بكل من المكان والتاريخ. كما ان بعض الاماكن ينبغي ان تنحى جانبا بالتفصيل لأغراض طقوسية تشمل الى درجة اعظم او اقل بعض اشكال الاداء العام، ولكن ليس علينا ان نساوي الطقوس مع الغريب او الآخر وتوجد الصيغ الشعائرية كذلك في المجتمعات العلمانية الحديثة خلافا لما يتصور البعض، وترتبط غالبا باشكال التسليع السياحي ويمكننا القول ان هذه الاشكال تشكل عواطف مشتركة للانتماء والهوية، وهي تستفيد من اشكال المعرفة المحلية. ويمكنها ان تعد وسائل تفرز من خلالها الفوارق مابين السياح والمستضيفين (السكان الاصليين). وقد يكون الخارجيون عاجزين عن قراءة مايحدث بالطريقة نفسها التي يكون فيها الداخليون قادرين على فعل ذلك. وعلى سبيل المثال فقد فحص لاكسون العلاقة بين السياح والذين يؤدون طقوسا قبلية في احدى قرى السكان الاصليين في نيومكسيكو بالولايات المتحدة وهو يصف الطقوس الشعائرية على انها تنجز بالدرجة الاولى لأسباب دينية، وان فكرة السرية هي عنصر مهم. والفهم الصحيح للاحداث ممكن فقط من خلال فهم كامل لصيغ محددة للمعرفة فقط، ولهذا السبب فإن بعض الطقوس الشعائرية تحتاج الى أبعادها عن تدخل الاجانب والمراد هنا السياح. ويكشف المبحث الدراسي للاكسون ايضا بعض الوسائل التي من خلالها يعالج مؤدون وسكان من القرى الهندية في نيومكسيكو مظاهر ادائهم وبصورة خاصة في الاحتفالات القبلية في جالوب، وتعقد هذه المناسبات الاحتفالية سنويا في جالوب بنيومكسيكو منذ عشرينيات القرن الماضي، وكانت تقام بالتحديد لتشجيع السياحة ويلاحظ لاكسون انه خلال هذا الموكب الاحتفالي التاريخي فان السكان الاصليين يسهمون في آمال المشاهدين عن طريق اداء الراقصين الذين يرتدون ملابس تقليدية خاصة بالهنود الحمر، ويلونون وجوههم، وهي عادة ورثها هؤلاء من هنود السهوب الحمر. وفي بعض الحالات فان هذا ينجم عنه ان يسعد السياح بالحيرة ما بين ما هو أصلي وأصيل وما هو غير ذلك ويسجل بيكادر بصورة مشابهة ان معظم السياح في بالي ليست لديهم معرفة بالكثير من الاداء الشعائري الذي يقدمه راقصون من بالي، يرقصون من اجل الاستهلاك المحلي، وان الكثير من المؤدين الآن يقدمون كل ذلك للترفيه عن السياح فقط، بدلا من تحقيق اغراض عقائدية طقسية وكما يرى بواسيفين فان مثل هذا التحكم هو طريقة يستطيع من خلالها الناس الحفاظ على كل من المسافة المادية والاجتماعية بعيدا عن التدخلات الاكثر وضوحا للسياحة. وهناك ايضا امثلة عديدة لهذا الحدث. ولكن مع ذلك فان افكار المقدمة والمؤخرة مشتقة من افكار مسرحية غربية ينظر من خلالها الى الرأي على انه احتيال وخداع، ومن هذا المنطلق فإنها غير صادقة.وفي كلتا الحالتين اللتين جرى نقاشهما سابقا، فإن الدخول الى اشكال من المعرفة البلدية توفر الطقوس الشعائرية مع المعاني من أجل الاستهلاك الداخلي، في حين انه تم بناء الاخرى كصيغ مسلعة.وفي كلتا حالتي بالي ونيومكسيكو يسمح للخارجيين ، اي السياح، الدخول الى بعض الشعائر من دون ان يسمح لهم بحضور اخرى. والشعائر ايضا مثل الاماكن متعددة المفعول، وفي هذه الحالات يتلقى السائح معاني مختلفة للسكان الاصليين، واهمية الطقس الشعائري قد تقع ليس كثيرا في الغوامض والاسرار التي تفصح عنها وتوضحها بل في ان تلك الغوامض هي بالنسبة للسكان الاصليين فقط، وعلى هذا الاساس ينبغي علينا ان نكون قلقين من افتراض ان القدسية تعني الشيء ذاته لجميع اصحاب الشأن في كل الظروف، ولاحظت دراسة كولمان واليسنر لولسينجهام، وهو موقع مقدس يزور البعض في نورفولك في المملكة المتحدة ان قدسية الموقع يمكن ان تخضع لسلسلة من التفسيرات التي قد تؤشر الى مشهد بسيط بالقوة نفسها الى مسائل اكثر جدية روحية. وفي كل الحالات التي وصفت هنا فإنه من الواضح ان وجود سياح كان له تأثيرات قد تعد سلبية لدرجة اعظم او اقل. وفي كل الاحوال فان هذه المسألة ليست نفسها كما يذكر ان التسليع السياحي للطقوس بناء على ذلك يحول هذه الطقوس الى قضية غير اصيلة، وانها قد ابتكرت ارضاء للسياح وللسوق السياحية، وهي بذلك غير اصيلة، ويرى بيكارد في بالي ان المساعي للتمييز ما بين الثقافة من اجل السياحة والثقافة من اجل السكان الباليين فشلت لان السياحة ذاتها اصبحت جزءا متلاحما بعملية التدخل الثقافي. النجاح المدوي للمهرجانات لابد من فهم بعض النماذج من اجل الطقوس وتمثيل هذه الطقوس لم تتأثر بتسليعها او حتى تستند اليها، واحدى الحالات المثيرة للاهتمام لهذه الظاهرة هي كرنفال نوتنغ هيل في لندن حيث استورد الى لندن اسلوب ترينيدادي خاص ولكنه انقلب في احدى السنوات الى عراك بين الشرطة والسود في الشوارع وعلى الرغم من ذلك فقد انتهى الكرنفال بأن اصبح اكبر الاحتفالات التقليدية في اوروبا بأسره، ومن هنا تحولت المناسبة الى اكبر حدث سياحي بل ركز ايضا، بالنسبة للبريطانيين، على هوية المواطنين البريطانيين من اصول كاريبية. ويتسم الكرنفال بأنه عمل تطوعي يقتضي الكثير من المال والجهد في تصميم الازياء الكرنفالية التي يرتديها اولئك الذين يشاركون في العرض الكبير، وبصورة مماثلة العرض الكرنفالي الكبير الذي يقيمه الهنود الحمر في شوارع نيويورك وقد اطلق عليه يوم كرنفال هنود الغرب الاميركيين، ويوفر الكرنفال تركيزا على بناء هوية صداقة بين شعوب الكاريبي المهاجرين الى الولايات المتحدة وكذلك فان مهرجان آيستدفود يعرض اشكالا من هوية الاميركيين من اصول ويلزية. ويلاحظ سامباث كيف ان الكرنفال التريندادي، الذي نبع منه احتفال نوتنج هيل، يكون قادرا على جمع ملامح عالمية للسياحة في ادائه التمثيلي من دون التضحية بأهميته الثقافية المحلية ولا بأصول الكرنفال الذي اصبح له فرع الآن يرى على انه اداة لجذب السياح.كيف يمكننا اذن معالجة اداء طقوس شعائري ابتكر او تشكل على نحو خاص من أجل أغراض سياحية؟وتصف زيبل مهرجان فنون المحيط الهادي انه حالة مثيرة للاهتمام، وعرف هذا المهرجان في الاصل على انه طريقة بالنسبة للشعوب الاصلية لمنطقة المحيط الهادي للاحتفال بتراثهما الوطني الاصيل وبالطريقة نفسها مضت الامور بالنسبة الى الكرنفالات الكاريبية ومهرجان ايسترفورد الويلزي، وبدأت الكرنفالات في العام 1972 وفي اواخر العقد الثامن من القرن الماضي اصبحت حدثا كبيرا يستقطب السياح.وكتبت زيبل، وهي تقلق على الكرنفال الخامس، قائلة «بينما تعتمد اساليب الرقص اعتمادا كبيرا على الاشكال التقليدية فان الزي الذي يرتديه الراقصون يتراوح ما بين الثياب التقليدية الى ازياء تم تكييفها تقليديا فضلا عن ارتدائهم لملابس حديثة، وكما تلاحظ هي ايضا فان المهرجان ذاته يحقق اهدافا عدة، فهو ليس تأكيدا على الهوية الثقافية والاختلاف فحسب بل هو ايضا وسيلة لعرض الثقافات والسلع في صناعة السياحة وان يصبح في الوقت ذاته مؤسسة ثقافية في ذاتها. ويمكن العثور على نماذج اخرى مماثلة في اماكن اخرى، فخلال عقد سبعينيات القرن الماضي اعادت نيويورك اكتشاف ماضيها الفايكسجي، الذي اعيد تعديله بشتى الطرق. ويضم مهرجان الفايكنج تمثيل احداث مثل اجناس «القارب الطويل» على النهر، وهو معرض لفنون الفايكنج ويشمل عرض مشغولات شعبية وبيع اغذية ومشروبات الفايكنج وتصل احتفالات الفايكنج ذروتها بموكب المشاعل يطوف به المحاربون الفايكنج في شوارع نيويورك فضلا عن احتراق القارب الطويل على النهر (نيران وهمية). ويعد هذا المهرجان ومهرجانات كثيرة وشعائر، هي في جانب كبير منها سياسات محلية عريضة صممت لانعاش المواقع الحضرية الجديدة المخصصة للاستهلاك، اما النماذج الاخرى فهي تضمن احداثاً فصلية مثل الفنون والمهرجانات الثقافية مثل تلك التي تعقد في أدنبرة وبرايتون. ولكن بعض الطقوس الشعبية تقام، وهي لا تقبل ان تصبح مدمجة في النظام السياحي. وعلى الرغم من ان تنمية النظام السياحي العالمي قد تتضمن ان شيئاً ما لا يمكن ان يكون محصناً من التسليع فإن هناك شك في ان ذلك لم يحدث. فكر على سبيل المثال بالمسيرة السنوية التي ينظمها محفل اورينج الذي يطوف ألستر. في حين ان الاطفال المتدربين يطوفون في لندنديري. ويخلد هذا اليوم ذكرى انتصار جانب من السكان على الجانب الآخر ولا يزال يولد توترات بين جانبي السكان. وكما يدلل في هذه اللحظات فإنه اصبح حدثاً مشحوناً سياسياً ومذهبياً. وعلى الرغم من ان المسيرة هي للتضامن مع قسم من السكان الذين يرون فيها تأكيداً على جذورهم الثقافية كما ترى انها عرض سلبي للروح الانتصارية من قبل قسم آخر من السكان. وباختصار فإن التسليع السياحي لا يعد شيئاً لا مفر منه كما قد يظن.وتظهر الامثلة المطروحة في هذا الفصل ان عمليات تسليع السياحة تتحقق بأساليب مختلفة ويمكن ان تتعرض للحياة المحلية بأساليب مختلفة للحياة في عدد من مظاهرها. ولكن العولمة وما يتلوها من ثقافة تتضمن الاخذ والعطاء. ولا ينظر اليها على انها تحول باتجاه الامركة. ومن دون شك فإن ادخال السياحة وتطويرها تعيد تطوير العلاقات الاجتماعية والممارسات المحلية في عدد من المستويات وعلى سبيل المثال ينبغي الاخذ في الاعتبار وفقاً لعدد من الاساليب ان السلع واشكال السلوك يمكن ان تصبح اصيلة وجزءاً من المجتمع او تتم اعادة صياغة الطقوس الشعائرية وفقاً لاعتبارات هذا التغيير. لكن الاندفاع الرئيسي هنا يوجه ضد نماذج تسعى لتقديم مثل هذه التغييرات بمسميات المسبب والاثر البسيطة. ومن بعض المناسبات فإن شبح نظرية الحداثة لا يزال يواصل ملازمة تحليل السياحة وخاصة عند التعامل مع الامكنة والثقافات التي تعد اكثر غرابة. وتكمن المشكلة هنا في حقيقة ان الكثيرين من المحللين يميلون إلى القبول او استعارة الأوضاع النظرية ربما بالروحية الانتقائية الاوضاع النظرية ربما بالروحية الانتقائية من دون عرضها على الفحص النقدي. وذلك اكثر ما يمكن رؤيته بوضوح من الافتراضات غير النقدية التي تتعلق بتأثيرات العرض وفي الواقع بأشكال اخرى لتأثير التحليل دون تقويم فائدتها واشتراطها في هذا العالم ذي التغييرات السريعة. ان مشكلة التغيرات الثقافية والتأثيرات المحلية هي مجال واحد حيث هناك مقاربة غنية بالمعلومات المطلوبة. ان هذه الانتقادات لكيفية تحليل مشكلات الاتصال الثقافي في بعض الحالات ينبغي الا تؤخذ على انها تتضمن القول ان الاتصالات الثقافية لا تحتوي على اي مشكلات كما هي في واقع الامر. وتهدف الدفعة الشديدة الرئيسية لانتقاداتي الاسلوب التبسيطي التي يمثل بموجبه المشكلات إلى ان تكون مؤطرة ومحللة وتعتمد في اساسها على عاملين متصلين. أولا ان السياحة تعد المسبب الخارجي للتغيير، وثانياً فإن تحويل السياحة إلى جملة مفاهيم ينظر اليها كمجموعة من السمات الجوهرية غير المتغيرة التي تفتقر لأي دينامية داخلية. واذا تم قبول هذين العاملين من دون انتقادات عندئذ يمكن ملاحظة وقياس وتبويب التأثيرات الاستعراضية، واقتباس القيم الثقافية من شعب لآخر والتلوث الاجتماعي والتدخلات في الاجانب، لأن هناك بعض السمات غير قابلة للتغيير التي يمكن القياس عليها. ومثل هذه الطروحات غير مسوغة لانها تتضمن عملية احادية الخط لا تثبت بواسطتها الثقافات فقط بل لا تمتلك اي خيار سوى العودة إلى التقاليد ورفض العصرنة او ببساطة تبني وتقليد القيم الغربية واحتضان العصرنة. والمشكلة الاخرى التي تبرز هنا هي التقسيم التعسفي والاصطناعي الذي غالباً ما ينشأ بين التأثيرات الاقتصادية والوقع الثقافي. وربما، من منظور العمليات التنموية، علينا الا نندهش او نفاجأ اذا كانت الوضعية المسيطرة لتقويم النجاح او الفشل تعتمد على قاعدة كشوف الارصدة، ومع ذلك فإن الامثلة المستخدمة هنا تشير إلى ان هذين العالمين غالباً ليس من السهل رؤيتهما وقد تتقاطع بأشكال من التقسيمات الاجتماعية والتصنيفات مثل النوع (الجنس ذكر أو انثى) والسكان المحليين والسياح والوضعية الاقتصادية الاجتماعية والواقع العرقي وهذه التقسيمات تكون تمثيل المكان والصيغ الاصيلة للمعرفة.ومع ذلك فإن السياح يحملون معهم معرفتهم الاجنبية ويمكن ان يؤدي التصادم بين الجانبين إلى سوء فهم وقد يخدم فقط في تعزيز الاشكال المتطابقة بدلاً من تخفيضها. ولكن اشكال المعرفة هذه لا ينبغي النظر اليها على انها قائمة من بعض الاشكال المحولة لابداع صور وجعل الافكار مجسدة كما لو انها في واقع مادي مثل «تبادل الاحاديث والخطب» و«النصوص» التي يعرضها المحلل على «القراءة النقدية». ويفترض انه من الافضل تحويل هذه إلى مفاهيم مثل الممارسات الاجتماعية التي لا تعكس الاختلافات بل تبني الاختلافات في الواقع من خلال العمل.ان ما نحتاج اليه هو مقاربة معرفية اكثر للمشكلة. مقاربة تعترف بتعقيدات الاتصال الثقافي، في عالم معولم ومقاربة لا تعزل السياحة عن الاشكال الاخرى للتغير الخارجي والداخلي. واذا تحولت الثقافات إلى مفاهيم باعتبارها انظمة تستعير وتنقل باستمرار الواحدة من الاخرى عندئذ تبزغ صورة اكثر دينامية واكثر تعقيداً. وبدوره فإن مثل هذه المقاربة تحتاج إلى ان تأخذ في الحسبان التدفق العكسي والتأصيل البلدي والظروف السياسية وديناميات الثقافة الداخلية والاساليب التي تستطيع فيها السياحة ذاتها ان تصبح مصدراً لانشاء التمايز الثقافي والحفاظ عليه. ان معظم الامثلة المستقاة هنا هي امثلة انثروبولوجية في الاسلوب والمقاربة. وهناك ايضاً مسألة ذات صلة بمنهج البحث المتبع هنا من حيث وضع هذه المسألة في سياقها الصحيح. حيث يستحيل الغاء السياحة او عزلها عن السياقات الاخرى او ضغطها وتحويلها إلى فئة من فئات الثقافة. واذا كنا سنعتبر التغيير المحلي عندئذ ستكون هناك حاجة إلى تقنيات «مايكرواثنوجرافية» دقيقة للغاية توظف تحليلات مكثفة للسياق العالمي.