لقد أُخذ على الأستاذ عبدالغفار تحمسه الزائد ضد القديم بحيث جرّه حماسه لأن يودع الشعر العكاظي كله سراديب المتاحف ومن مبالغته لم يكتف بأن يجعله في المتاحف فقط وإنما أوغل به ليدسه في سراديبها، وفي ذلك شيء كبير من التحامل على الثقافة العربية التي يعتبر الشعر من أخص رموزها فالشعر العكاظي وغيره من نتاج العقل العربي ليس مكانه المتاحف أبداً وإنما وجدان وعقل الأمة في دراسته وفهمه وحفظه وتحليله والاستفادة منه لأنه الأصل الذي ينبني عليه تطور ثقافتنا ولا يمكن لثقافة عربية عصرية أن نبتّها من أصلها وإلا لأصبحت لقيطة لا أب ولا أم لها، فالشعر الجاهلي ومابعده من عصور يعتبر الإطار العام للثقافة العربية وبالأخص الشعر العربي الذي يحويها ويحفظها لنا ولأجيالنا القادمة لأنها جزء من تاريخنا الذي لايمكن لنا أن نتناساه ونسيء إليه. ولايزال الشعر الجاهلي والإسلامي حيا ونابضا بلغته ومعانيه ومضامينه وتعابيره وصوره وأخيلته يمد القارئ العربي بمعين وافر من الثقافة الأدبية التي لاغنى للقراء المعاصرين عنها ليستفيدوا منها ويفيدوا بها ويستمدوا منها كثيراً من مقومات ثقافتهم وشعرهم ضمن مقومات أصالتهم وانتمائهم لجذور أمتهم دون أن ينسلخوا منها بحجة التطور والمعاصرة. إذا جارينا الاستاذ الكاتب وقلنا ان مكان الشعر العكاظي في سراديب المتاحف فان ماينطبق على هذا الشعر ينطبق على غيره من الشعر العربي القديم وبذلك نحكم على هذه الثروة الأدبية بالموت والفناء وعدم صلاحيتها للثقافة العربية المعاصرة بينما أقول وعهدة ما أقوله عليّ بأن الشعر العربي المعاصر لايمكن أن يفصل عن سابقه في عصوره الماضية المختلفة من الجاهلية وما تلاها وأن كل تلك العصور حلقات مترابطة مع بعضها وسلسلة من التواصل تمد المثقف العربي والشاعر بالذات بتلك المقومات الثقافية والأدبية لشعره ولايمكن لشاعر معاصر يقدر شعره أن يكون شاعراً دون أن يطلع على دواوين العرب ويحفظ من أشعارهم ويتأثر بهم .. ولا نقول بوجوب أن يحتذي شعراؤنا المعاصرون بآثارهم ويقتفوا معالمهم لايحيدون عنها فذاك حكم بالجمود والتحجر وعدم مسايرة ظروف العصر لأن لكل عصر إضافاته ومميزاته التي عبر عنها الشعراء في شعرهم بحيث تميز كل عصر بخصائص ظهرت في ثنايا شعره حتى أصبح النقاد يعرفون العصر من خلال النصوص الشعرية الخاصة به، ولكن لايعني ذلك الحكم على هذه الثروة الأدبية بالموت وتعليبها بالمتاحف وإنما يجب أن تكون حية من خلال الاطلاع عليها ودراستها والتأثر بها وهذا ماهو كائن في جزء كبير منه حيث أن هناك حجما من البحوث والدراسات في هذا الشأن ساهمت في حفظ هذا النتاج وحيويته لأجيال المثقفين العرب. البساطة والخشونة يذهب الاستاذ عبدالغفار بأن معظم الشعر العكاظي قائم على خشونة اللغة وصلابتها ومضامين عفا عليها الزمن لايفهمها القارئ المعاصر واستشهد ببيت من الشعر فيه من الثقل والخشونة مايصعب قراءته وقاس به بيتاً جميلاً بسيطاً معبراً لأحد المحدثين وإن كان كلامه صحيحاً في بعضه إلا أن هناك أبياتاً جاهلية من الشعر العكاظي الذي عاداه الاستاذ عبدالغفار تتناسب مع معاني العصر ومقومات ثقافته، فيها من الرقة والحيوية مايجعلها ماثلة في الذهن واللسان من مثل مايقوله عروة بن الورد: وإني امرؤ عافى إنائي شركة وأنت امرؤ عافى إناءك واحد أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بجسمي شحوب الحق والحق جاهد أقسّم نفسي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد تعبير بليغ ورقيق ومعان في غاية الدلالة والأهمية تعبر عن مضمون مايتمتع به الشاعر من صفات الجود والكرم حتى أنه يقسم طعامه بينه وبين غيره وأحياناً يسخو به لغيره مما يورثه نحولة في جسمه .. وهذا معنى من معاني الاشتراكية الحديثة التي جاءت في العقد الحديث وطبقت في بعض الدول وسرت الى بقاع كثيرة قبل أن تسقط نظريتها فهي موجودة في معنى هذا البيت وفي تصرف الشاعر منذ العصر الجاهلي سبق بها العصر الحديث.. وقول السموأل الجاهلي: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس الى حسن الثناء سبيل فهذه أبيات وغيرها مثلها وأحسن منها مرت عليها الحقب وتطاولت عليها السنون لأكثر من 1500 عام لكنها لاتزال طرية على ذات القدر من القوة .. وحقيقة ذلك كما قال الشاعر بأن الشعر الرديء يموت والجيد منه يبقى ويزدهر مهما تعاقبت عليه الأعوام: يموت رديء الشعر من قبل أهله وجيده يبقى وإن مات قائله فالتعميم غير مقبول ولاهو بصحيح فلا أنا مع الرأي الذي يقول به الاستاذ عبدالغفار ولامع الرأي المضاد الذي يتمسك بالقديم إلى درجة تقديسه لأن في كلا الرأيين نسبية محدودة لاتصدق بالشكل الذي يراه أصحابه، فالشعر الجاهلي قوي وصعب وخشن ولكن فيه جمال وإبداع ورقة وتميز لايستغني عن الاطلاع عليه والتفاعل معه أديب وشاعر لأنه أصل الشعر العربي وجذوره الذي فتقت منه شجرة الشعر ونمت أغصانها، والقول بمتحفيته فيه شيء من السخريه به والتهوين من شأنه وإلغاء فائدته ولقد تطور الشعر العربي في العصور الاسلامية وخاصة في العصر العباسي حتى بلغ أوج ازدهاره ونمائه ووصل الى غاية رقته وانتشاره في العصور الأندلسية وبعد ذهاب تلك العصور الزاهية اضمحل الشعر ونزل قدره الى درجة أن أصبح في العصور المتأخرة شكلاً ممسوخاً وصورة ممجوجة من التعبير المكرر الذي يعنى بالزخرفة المصطنعة الى أن استعاد شيئاً من روحه في العصر الحديث على يد البارودي ومن ثم ازدهر على يد شوقي ورفقائه وبعد أن رحل عمالقته عاد الشعر أدراجه الى الوراء ليعبر عن درجة من هبوط اللغة إلا في القليل النادر.. فالحكم المتسرع على الشعر العربي القديم بعدم الفاعلية والمعاصرة وعدم الصلاحية فيه تشويه لصورة هذا الشعر الذي يعتبر أحد مقومات الثقافة العربية وقد حكم الاستاذ عبدالغفار على شعر بوشهاب بأكمله بتكرار لغة القدماء واجترار معانيهم وتقليد أوصافهم يدور في إطارهم دون أن يجهد نفسه للخروج من عالمهم القديم الى صور ومعان وصياغة حديثة تجاري تطور العصر وخصائصه ولاشك أن هذا الحكم من الاستاذ عبدالغفار فيه شيء كبير من القسوة وعدم الدقة .. ومن يتمعن في شعر بو شهاب يجد فيه قوة العبارة ومتانة الأسلوب وسلامة اللغة وصحة الصياغة وتجد فيه المضامين والمعاني القوية العميقة المعبر عنها برشاقة من الجرس الشعري الجميل .. وذكر الاستاذ عبدالغفار في معرض نقده لأغراض الشاعر أنه لايخرج عن مفهوم أغراض القدماء من مثل المدح والنسيب والوجد وآهات الحب والإعجاب بذاتية الشاعر وانتقاص الذين لا يستسيغون قوله ولو بحث الكاتب لوجد أن شعر بوشهاب مفعم بكثير من أغراض الشعر حتى أنه لم يكد يترك غرضاً منها في شعره وماذكره الكاتب هو جزء من هذه الأغراض. وقد ركز الشاعر ذاته على كونه متعدد الأغراض في قوله: طرقت في الشعر أغراضاً منوعة ولم أغادر من الأبواب مدّخلا مدحت أرخت ساجلت الذين لهم علم وماكنت إلا المتقن العملا إن صنف الجهل خلف الركب راحلتي فالحكم للعلم لا ماصنف الجهلا ويأخذ عليه الكاتب في مجال مدحه الزعيم جمال عبدالناصر تشبيهه بالضيغم والغيث والمطر ويراها أوصافاً بعيدة عن روح العصر .. ورأيي أن تشبيه الممدوح بمثل هذه الأوصاف التي ذكرها الشاعر وإن علقت بها آثار الماضي إلا أنها لاتناقض روح العصر ولاتبعد من أن يتناولها أي شاعر غيره فالأسد للدلالة على القوة والشجاعة والمطر للدلالة على الجود وكثرة الكرم ولايزال الخيال العربي خصباً يتفاعل مع كثير من هذه الأوصاف والمميزات القديمة التي عرفتها الحياة البدوية والتي لاشك جاء العصر ببدائل لها إلا أنها لاتزال ساكنة في الذهن والوجدان العربي وتحتل جزءاً مهماً من ساحة الخيال الشعري العفوي، ورغم تطور العصر في كثير من آلاته ومعداته فانه لايستساغ من الناحية الشعرية أن تصف الرجل القوي الشجاع بالدبابة أو المجنزرة أو الطائرة المقاتلة التي ترمي بالحمم والموت وتصف الكريم بمصفاة البحر التي تدر ملايين الجالونات من المياه العذبة .. وإن لم يستطع الاستاذ عبدالغفار هضم هذه الأوصاف في العصر الحاضر فهناك كثيرون يستسيغونها ويجدونها أكثر مناسبة وقدرة على تجسيد الصورة الأدبية من غيرها من الأوصاف الحديثة ورغم انتهاء دور الناقة والخيل في النقل والحروب إلا أنها لاتزال في أذهان الكثيرين من الشعراء والأدباء رمزاً لهذه المعاني التي ربما انقرضت لكنها لاتزال حية في ذاكرة العربي عموماً وقد ورد لدى شوقي بيت يحمل نفحاً من معاني القدماء فالسيف كما نعلم قد انتهى دوره في الحرب الحاضرة لكنه بقي في ذهن الشعراء ووجدانهم رمزاً للقوة والعدة الحربية فشوقي هنا يصور هذا المعنى في بيته التالي: يا ابن الذين إذا الحروب تتابعت صلوا على حدّ السيوف وصاموا وحد السيوف دليل على شدة الأهبة بحيث يصلون ويصومون على حدّها لايتوانون لحظة عنها. تطور مرحلي على أن هذه القصيدة المدحية تعتبر من قصائد بوشهاب القديمة مّر عليها أكثر من أربعين عاماً فلا شك أن تكون قدرة الشاعر التصويرية ومكانته الفنية قد تطورت الى حد أبعد تسعف الشاعر لو تناول هذا الغرض اليوم لأضاف عليه شيئاً من زاد معرفته واطلاعه وتطوره على أن بعض استشهادات الاستاذ عبدالغفار عن بو شهاب ونقده فيها جاءت مجتزأة من إطارها الذي وردت فيه فلربما لو قرئت في مكانها وضمن قصيدتها لأدت المعنى والمفهوم الذي أراده الشاعر ضمن ترابط أبيات القصيدة ودلالتها .. واستدل الاستاذ عبدالغفار بقصيدة غزلية للشاعر بوشهاب على أنها لدى الشاعر كما يشير الكاتب من عيون قصائده: أتحمل عينك السيف الصقيلا وخدك يحمل الورد الجميلا ولايحتار عقلي بين سيف يميت ووردة تحيي القتيلا وفي شفة تخبّئ عقد در وتتخذ السلافة سلسبيلا فإني لأجد في هذه القصيدة التي قسا الكاتب في نقدها نغمة شعرية جميلة ومعنى يناسب فخامة لغتها.. بينما ينسفها الأستاذ الكاتب في فقرة بسيطة وبكلام عام دون تحليل لمضامينها وصياغتها ويوصلها إلى الدرك المتدني من الكلام الممجوج بقوله «مجرد تكديس عشوائي للألفاظ الممضوغة على مدى القرون والسنين ... وبلغته الغرامية الخاصة معتلياً منبراً من منابر العهد المقاماتية في الأدب يقرقع الآذان بصوت مفرقعات من المحسنات الكلامية من قبيل ياحياتي وياقلبي وياعيوني وياجنوني ويامهجتي ويا ويا .. الخ». تشويه متعمد ويستطرد الكاتب بقوله «نداء هيامي يفتقر الى الوجدانية ولايجد فيه القاريء المثقف سوى سذاجة تعبيرية وترداد لكلمات معادة ومكررة منذ الزمن الغابر» .. لاشك أن ماورد على لسان الاستاذ عبدالغفار في هذه الفقرة هو تشويه متعمد لصورة شعر الشاعر تفصيلاً وإجمالاً ليس في مجال القصيدة التي نقلها وإنما عممّ الحكم من خلالها على شعره الغزلي كله فوصفه بما يحط من قدره بينما المتمعن لقصائد الشاعر الغزلية يجد له فيها القدح المعلّى لأنها ربما تكون أغلب قصائده وأهمها فإذا تسنى للكاتب نسفها جميعها بفقرة واحدة وبجرة قلم من أنها سذاجة ومكررة وممضوغة ومقاماتية ومفرقعات من المحسنات الكلامية فماذا بقي للشاعر إذن من بعد هذه القصائد من شعر يستحق أن يقرأ أو يدرس؟ لقد تجرّأ الاستاذ عبدالغفار على أن يلغي تاريخ الشاعر كاملاً بهذه السرعة والقسوة دون أن يكون منصفاً في حكمه عليه فقد نقل شيئاً قليلاً من أبياته ومن خلاله سحب الحكم على جميع قصائد الشاعر وألغاها كما قلت بجرة قلم ومسح جهد الشاعر وتاريخه الشعري دون عناء ولا تمحيص ولادراسة وذلك ما يأباه النقد الأدبي، إذ يبين أن حكم الاستاذ عبدالغفار غير قائم على أساس من مقومات النقد الأدبي سوى المنحى الشخصي في عدم تذوقه مايصدر من الشاعر بوشهاب من شعر في أي غرض من أغراضه التي تناولها. فهذا الحكم على شاعر كبير مثل بوشهاب يحتاج الى دراسة معمقة عنه تناقش شعره وتحلّله ويكون من نتيجتها إصدار مثل هذا الحكم القاسي.. وبصفتي ممن أمارس مهنة الاطلاع على مايصدر عن شعرائنا المحليين أرى أن الكاتب ركب متن الشطط والمبالغة في الحكم غير المنصف على شعر بوشهاب ولست أعذره فيما تبنّاه من رأي عن شعر بوشهاب الذي ألغاه كبيان وألغاه كمضمون بحيث لم يترك منه شيئاً يستحق أن يبقى في الساحة وليته ربط حكمه بالنصوص التي نقلها كما أراد أن يحكم عليها ولربما تمت مناقشته فيها ولكنه تعدّاها بحيث أفسح لنفسه المجال ليشطب كامل شعر بوشهاب وهذا مالا نوافقه عليه مطلقاً .. وحيث أنني قريب من شعر بوشهاب ومن غيره من شعرائنا أجد الكاتب قد جانبه الصواب في هذا الرأي لأن لبوشهاب قصائد جميلة ومبدعة في كثير من الأغراض أعتبرها معبرّة عن مستوى شعراء الإمارات حيث يقف بوشهاب في صدارة قائمة المتميزين منهم من أمثال الشيخ صقر بن سلطان وخلفان بن مصبح وسلطان العويس وأحمد أمين وغيرهم ولايمكن لبوشهاب أن ينزل عن هذه المرتبة التي هم عليها فاستمع إليه في قوله: يانفحة الفجر ما ليلي بذي سعة فأقطع الوقت في ساعاته مرحا ومانهاري على ماكنت أعهده حيث الزمان ربيع والشباب ضحى وليس كالشعر تذكير بعاطفة إذا الزمان سجلات الوفاء محا ويمكننا أن نأخذ عليه بعض الهفوات الشعرية ولكن ذلك في حكم الأمور الطبيعية بالنسبة له ولغيره من الشعراء ممن هم في طبقته فلا يمكن أن يخلو شعر شاعر من سلبيات وأخطاء .. وأكثر مايتميز به شعر بوشهاب الغزلي قصائد جميلة فيها رقة وحيوية وإبداع ولايمكن أن أقبل رأي الاستاذ عبدالغفار فيه بهذه الصورة المبالغ فيها لأنني من متذوقي هذا الفن وأملك شيئاً من أدوات التحليل والنقد فيه يمكنني من معرفة عدم دقة حكم الكاتب في شعر بوشهاب وقسوته عليه بشكل ملفت للنظر وبعيد عن النصفة إذ مسح شخصية الشاعر وألغى شعره كاملاً. وجوه النقد فمن خلال مستواي المتواضع في بعض الكتابات الأدبية استطيع القول بأن رأي الكاتب في الشاعر لايعتمد على سند من مقومات النقد الأدبي وإذا تبسّطت قليلاً في كشف الأسرار فإني أعرف أن ذلك مرده الى ضرب من المواقف الشخصية المفعّلة بين كلا الرجلين منذ فترة طويلة والذي انعكس شيء منه لدى الاستاذ عبدالغفار في الانتصار للذات بشكل مقال نقدي لاتتوفر له مقومات النقد في محاكمة النصوص وإنما هو في حقيقته طعن في شعر بوشهاب ومن يدقق فيه يكتشف خلفية شخصية بينهما تمثلت في جزء منها في هذه المقالة ولم يقتصر النقد فيها على الشعر وإنما تناولت جانباً من مواقف الشاعر وتصرفه من منتقديه وازدرائه لهم واعتداده بنفسه الى غير ذلك من التلميحات والتصريحات في ثنايا المقالة ربما لا يكتشفه إلا من يعرف العلاقة المتوترة بين الرجلين، فأنا أعرف تاريخ بعض المصادمات السابقة بينهما وعدم استمزاج كل منهما للآخر والتصريحات غير الودية من كليهما في كليهما والتي ظهرت لي جلية من خلال هذا النقد الجارح في تناول الشاعر من جهة وشعره من جهة أخرى .. ولو سلمنا بهذا النقد الذي قرأناه للأستاذ عبد الغفار فيعني ذلك أن بو شهاب ليس بشاعر وأن شعره قد تجاوزته مرحلة المعاصرة وليس فيه من مميزات الشعر الحديث مايجعله مقبولاً لدى القراء الى غير ذلك من النقائص والسلبيات وهذا ما لا يمكن أن يقول به كاتب غيره، ولو أراد الاستاذ عبدالغفار أن يكون لنقده أذن مصغية لنقد بوشهاب في المواضع التي تستحق نقده وبيّن سلبياته فيها وفي المقابل بيّن محاسن شعره في المواضع التي أجاد فيها ويستحق أن يشاد بها ولو فعل الكاتب ذلك لأجاد في أخذه بجانبي المعادلة النقدية في بيان السلبي والايجابي في شعر المنقود لكن أن يكون النقد كله منصباً على السلبيات فقط وكأنه ليس به حتى إيجابية واحدة تستحق أن تجلى فهذا نقد يميل الى عدم مصداقيته. فاقرأ هذه الأبيات للشاعر لتجد فيها شيئاً كبيراً من جمال الشعر ومعانيه وهو يحادث القلم ويجادله: هل أنت مثلي محب أيها القلم تشدو وتبكي كما أبكي وتبتسم إن قلت لا قلب لي يهوى ولابصر يرى الجمال ولا سمع يعي وفم فكيف شاطرت من هاموا بمن شغفوا حباً وكيف مع العشاق تنسجم ويرى الاستاذ عبدالغفار بأن شعر بوشهاب الغزلي ينحصر في تعداد مفاتن المرأة الحسية من الخد الاسيل والعيون السوداء أو العسلية والأسنان الدرية المرصوصة الى غير ذلك من الأوصاف التي لاتخرج عن إطارها الحسي ويتجاهل كون المرأة إنسانة ومربية ومدرسة وشريكة حياة ومثقفة تمسك بزمام المعارف الإنسانية في ميادين كثيرة من علوم التكنولوجيا والاجتماع والسياسة ربما بزت الرجل فيها ويضرب الكاتب مثلاً بامرأة تولت منصب رئيس مجلس إدارة بنك بسلطنة عمان .. فالاستاذ عبدالغفار يخلط هنا بين الغرض الغزلي الذي ينتهجه الشعراء في حديثهم عن المرأة ووصفها بتلك الأوصاف الغزلية وبين الحديث عن المرأة من جوانب أخرى من حياتها العلمية والعملية وهو مايخرج عن نطاق الغرض الغزلي الى غرض آخر تحت مسمى آخر لاصلة له بالغزل تماماً ولايمكن أن يحاسب أو ينقد الشعراء الغزليون على أساسه في حديثهم الغزلي عن المرأة فهذا شيء وذاك شيء آخر لا ارتباط بينهما فيه وليس بوشهاب بدعاً من الشعراء الذين تناولوا الفن الغزلي منذ الجاهلية الى اليوم فكلهم يدورون في ذات الغرض من وصف جماليات المرأة والتشبيب بها فالعيون والخدود والرموش والطول والنحافة وغيرها من أوصاف جمال المرأة مدار حديث الشعراء في الغرض الغزلي وقد كرروا فيه وأعادوا وانتجوا روائعهم الغزلية. ومن منا لا يحفظ قصائد أو أبيات غزلية لبعض من شعراء العربية على مختلف عصورهم حتى أن هذا الغرض طغى على غيره من الأغراض الشعرية الأخرى لدى كثير من الشعراء قديمين وحديثين حتى أن منهم من عرف بالغزل وحده كقيس وجميل وكثيّر وغيرهم من الهائمين المولهين الذين أخذ العشق بعقولهم وشغلهم الى درجة الجذب والجنون .. ولو أردنا أن نحاسب بوشهاب على غزله لحاسبنا معه جموع الشعراء منذ الجاهلية حتى معاصرتنا في غزلهم بالمرأة لأنهم نظروا إليها من خلال جمال أوصافها وتحدثوا عنها في هذا الاطار ولم ينظروا إليها كانسانة ومربية ومدرسة وشريكة حياة .. وإن كنا لاننساق مع التشبيب الى درجة الانحلال والتصوير الدقيق لما يجسد مفاتن المرأة لكننا نعرف أن بو شهاب لم ينزل الى هذا القدر وإنما هو يجاري الآخرين في هذا الغرض السائد الذي يتخذ من جمال المرأة مجالاً للحديث عنها ووصف مظاهر الحسن فيها وعدد معي جميع الشعراء إن استطعت أن تخرج واحداً منهم من هذا الإطار الذي ينتقده الاستاذ عبدالغفار.. وتأمل غزل ابو شهاب في هذه الأبيات الجميلة: أحبك هل تدرين ماقيمة الـ حب مخاطرة بالنفس والعقل والقلب أحبك هل تدرين ماالوجد والجوى رفيقان للعشاق في الملتقى الصعب أحبك هل تدري عيونك ماالذي جنته على قلبي بواسطة الهدب فليس في هذا الغزل أي تجسيد حسي بقدر ماهو حديث عن النفس المولهة. ورأيي أن لا حق للاستاذ عبدالغفار في نقد الشاعر في هذا المجال لأن بوشهاب وإن أكثر من الغزل إلا أنه لم يسف بقدر المرأة فيه ولم يجسدها بصورة حسية مثيرة بعيدة عن الذوق والخلق والدين وإنما هو يدور في عجلة الذوق الأدبي الغزلي الذي لا غضاضة فيه.. وأعتقد بأن الاستاذ عبد الغفار خانه الحكم السليم حين نعت شعر بو شهاب الغزلي بحسيّة مفرطة في حين أرى أن هذا التجسيد الحسي يخفت لدى بوشهاب فلا تكاد تقع في شعره على مايلفت نظرك من وصف مخل بالحشمة أو كاشف للستر وإنما هو تصوير غزلي لمحاسن المرأة يستوعبه الشعر الغزلي ويهضمه الذوق الأدبي دون خروج على المألوف والمعتاد، والشاعر بو شهاب نفسه من الذين يرون المرأة من جانب حسن خلقها وحيائها كما يذكر ذلك في شعره: أقدس فيك أخلاقاً عذاباً وحسناً صيغ من ماء اللجين وأخلاق ينمقها حياء كنبت الروض باكره الندى والشاعر يرى الحب في الطهر والعفة التي تسمو بنفوس المحبين إلى درجة الترفع عن السوء والفحشاء .. وهذا مذهب العذريين من العشاق الذين عرفهم التاريخ وقرأ لهم الشاعر: سمت نفوسهم طهراً فعاش بها حب ترفع عن سوء وفحشاء ومن أبياته الجميلة التي يحكي فيها حقيقة شعوره وحديث نفسه عما حركه الجمال فيه من شعر ونغم وشعور: لا أكتم العذراء أن جمالها أوحى إلي روائع الأشعار وبأن آي الحسن أضحى ملهمي آي القريض بكل معنى سار ولو كان لي من رأي في شعر بوشهاب الغزلي أدلي به هنا فإنه يتمثل في أن الشاعر قد استنفد إبداعه فيه وليس من مزيد لديه يمكن أن يضيفه في هذا المجال غير ما أنتجه فيه من قصائد استغرقت مساحة كبيرة من شعره وطاقته الفنية فقد آن الأوان لأن يركز على الأغراض الأخرى بشكل أكثر ثقافة وفاعلية وخاصة تلك التي تهم المجتمع وتخدم الناس من حث على الفضيلة والأخلاق والتزام بقضايا الوطن والأمة وطرق أبواب ايمانية لترقيق المشاعر وتزكية النفس الانسانية فقد كفى من الغزل ما قاله حيث ان المرحلة العمرية الراهنة للشاعر تستلزم اهتمامات اجدى واخلد لذكرى الشاعر دنيا وآخرة.. وهذه كلمة صدق ازجيها لشاعرنا من منطلق حب له.. وانا لا أنكر ما لشعر بوشهاب من دور في هذا الشأن ولكن رغبتي ان يستغرق ذلك منه جهدا اكبر وشعرا اكثر لانه الاهم والافضل والاخلد والابقى وهو القادر عليه فلماذا لايكون كذلك. وختاما ارجو ان اكون قد اعطيت القاريء إلمامة واضحة عن رأيي فيما نشره الاستاذ عبدالغفار من نقد وملاحظات على شعر الشاعر بوشهاب وقد استأذنت استاذي عبدالغفار في الرد عليه فأذن لي برحابة صدر اشكره عليها وارجو ان يتقبل مني ما طرحته في هذا الشأن من آراء ادبية حيث يهمني الا اكون سببا في ازعاجه حتى ولو كان ذلك راجعا الى اختلاف في الرأي بيننا فهو لاشك استاذ لي اكن له كل تقدير واحترم آراءه وملاحظاته واعطي لنفسي الفرصة لأتعلم منه.