يشهد القرن الحادي والعشرين تطورا كبيرا وهائلا في استكشاف مافي أعماق البحار من كنوز مدفونة.. للتغلب على مشاكل العالم المتقدم والنامي على حد سواء! ولقد جعل الله سبحانه وتعالى الكثير من المواد الأولية والمعادن وألوان الطاقة المختلفة، من غاز طبيعي وبترول في البحار.. بل يمتلئ قيعانها بالجواهر الثمينة جنبا الى جنب مع المحار والقواقع! وفوق كل ذلك فإن البحار ترتبط ارتباطا وثيقا بالحياة باعتبارها مستودعاً لا ينفد للمياه.. كما أنها تعتبر مخزونا استراتيجيا عالميا للغذاء بما تحتويه من احياء مائية كثيرة جدا متنوعة للغاية.. تكفي لسد احتياجات البشر في مشارق الأرض ومغاربها!!حول هذا الموضوع.. يقدم لنا الدكتور عبدالمقصود حجو كتابه الجديد «البحار.. كنوز القرن 21». في البداية يؤكد المؤلف تحت عنوان «حاجة العالم إلى الغذاء» ان مشاكل الغذاء تزداد بصورة حادة ورهيبة يوما بعد الآخر.. حيث يفتك الجوع وأمراض سوء التغذية بالملايين من ابناء الارض في شتى البقاع. والمتأمل للأحداث يجد أن مشكلة الغذاء وتوفير الطعام لكل دولة.. أمر توضع له الامكانيات وتسخر له الوسائل نظراً لأهميته الشديدة. والبحار بما لها من امكانيات غذائية هائلة وغير محدودة.. نجد فيها الثروات النباتية والحيوانية والمعدنية التي تمد الانسان بحاجته اليومية من مأكل ومشرب.. بل ونواح جمالية أيضا. ويتساءل المؤلف هل بذل البشر بعض الجهد اليسير للحصول على خير البحار؟! ان الحكومات والمنظمات الدولية مطالبة بوضع الحلول غير النمطية لهذه المشكلة المستعصية.. والا حدث مالا يحمد عقباه.. ودخل العالم فيما يشبه ثورات الجياع في مختلف بقاع الأرض لتقضي بذلك على الأخضر واليابس. وليس أدل على ذلك من تلك المؤتمرات المتتالية بين الشمال والجنوب.. أي بين الدول المتقدمة والدول النامية.. أو بين الجنوب والجنوب.. وذلك لتبادل الخبرات في ميادين الزراعة وانتاج الحبوب والسلع الغذائية. وسوف يشهد القرن الحالي طفرة كبيرة في فلاحة البحار.. حيث أنها المنوط بها حل المشاكل الغذائية على مستوى العالم بماتحويه من مواد تكفي لاشباع البشر.. وعلى كافة المستويات سواء من أسماك أو احياء بحرية ونباتات. ان حل مشاكل الغذاء هي قضية أمن قومي بالدرجة الأولى يضعها صانعو القرار في الأسبقية الأولى قبل كل شيء، ومن ثم لها الأولوية على ماعداها من مشاكل. ولقد أودع الله الخير الكثير في البحار، وما على الإنسان إلا أن يكد ويتعب لاستخراج هذه الكنوز المدفونة استبقاء للحياة. ولقد قدر خبراء علوم البحار بأن كل كيلومتر مربع من البحار أكثر انتاجا للغذاء من نفس المساحة المماثلة في اليابسة، الا انه في الوقت الحاضر فإن الإنسان لا يجني سوى 1 - 2% من انتاج البحار. وتحت عنوان: (البحر كمصدر أساسي للمياه) يشير المؤلف إلى أن العالم العربي مقبل على أزمة مياه.. بدأت تلوح نذرها في الأفق.. يمكن ان تعصف بشعوبه وتهدد أمنه القومي. ويمكن بيان الموقف المائي للعالم العربي كالآتي: دول لها مايكفيها الآن: (العراق وسوريا والسودان وموريتانيا). دول تدخل الآن في نطاق ندرة المياه: (مصر والمغرب ولبنان والصومال). دول معرضة لنقص مزمن في المياه: (تونس والجزائر وجيبوتي). دول ليس لها مصادر للمياه وتواجه بنقص حاد: (السعودية وليبيا والامارات وقطر والبحرين والكويت واليمن وعمان). بيد أنه على الجانب الاخر فان العالم العربي مطل على مسطحات مائية شاسعة مثل: المحيط الهندي والخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلنطي. ويقول المؤلف: إذن فالبحار ستكون هي الملجأ والملاذ لتعويض النقص الخطير في مشكلة المياه في الوطن العربي. ولسوف تظل البحار هي الضمان الاساسي لامدادات المياه على سطح البسيطة في القرن الحادي والعشرين ومايتلوه من قرون. إن أكثر من 70% من الأرض مياه بحار وان هذه الكمية كافية لغمر جميع اجزاء اليابسة ولعمق 152 مترا اذا سويت الأرض كسطح مستو. كنوز دفينة! وينتقل بنا المؤلف الى الحديث عن البحر كمستودع للمعادن والمواد الاخرى.. مؤكدا ان البشرية ينتظرها الخير الكثير بما تحويه البحار من خيرات مثل: المعادن والثروات الاخرى.. ذلك المخزون العظيم.. فقد تبين ان الارصفة القارية الممتدة عبر سواحل الولايات المتحدة تحتوي على 20 من احتياطي البترول والغاز الموجودة في طبقة الرسوبيات تحت أرضية البحار. ومن العجيب ان المتر المربع من قاع المحيط به مايكفي لاحتياجات الفرد من المعادن المختلفة للعديد من الأعوام بالمعدل الحالي للاستهلاك.. كما ان به طبقة غنية جدا من الفسفوريت وكميات كبيرة من الكوبالت والنيكل والنحاس. وقد يبدو للعيان ان التقدم العلمي اتجه بشيء من القوة والتقدم نحو اتجاه الفضاء الخارجي والأقمار الصناعية حتى وصل الإنسان الى القمر.. ونسى أو تناسى مابجواره.. والأكثر فائدة وعائدا هو استكشاف البحار بما يناسبها من ثروات غير محدودة ولا نهائية.. والتي من المؤكد انها تغني البشرية في حاضرها ومستقبلها.. ولا تتطلب التكاليف الباهظة كبرامج ارتياد الفضاء الخارجي.. فقط تتطلب الجهد اليسير والعمل الدؤوب لاستخلاص الكنوز الدفينة. وعن العلاقة بين البحر والطاقة يتوقف المؤلف طويلا موضحا ان العالم يواجه أزمة طاقة عالمية تأخذ بخناقه.. ولعل أهم سبل الخروج من هذه الأزمة هي: البحار.. ليس فقط بماتحويه من أنماط مختلفة ومتعددة من مصادر توليد الطاقة التي لا تنضب ابدا على مر الأيام والسنين.. بل تعداه في نوعية هذه الطاقة.. حيث انها طاقة نظيفة غير ملوثة للبيئة.. ممايجعل في المستقبل استخدامها قد يكون أمرا لازما وحتميا. ونقطة اخرى جديرة بالاهتمام والدراسة.. وهي انها طاقة متجددة بدون استهلاك لوقود أو مجهود من إنسان.. فيمكن الحصول عليها دائما. وتتباين أنواع الطاقات التي تزخر وتمتلئ بها البحار.. ولعل من أهم هذه الأنواع: المد والجزر: وهي طاقة كامنة القدرة متولدة باستمرار.. لا تنفد أبدا.. بل تتجدد لحظيا.. وهي ببساطة تنتج من ماء البحر الذي يفيض حتى يغمر اجزاء طويلة وعريضة من مساحته بقوة اندفاع ذاتية هائلة.. ثم تراه بعد ذلك ينقبض وينكمش متراجعا أدراجه مرة أخرى ثانية بقوة دفع ذاتية في حركة توافقية مستمرة على شكل انبساط ثم ارتداد.. في مسلسل لا يكل ولا يهدأ منذ بدء الخليقة وحتى ماشاء الله. وهو في هذا الفوران الدائم متغير الشدة والاتجاه حسب الوقت مقدرا بالفصل والشهر واليوم والساعة. الطاقة من فرق درجات الحرارة: من المعروف علميا ان الماء البارد أكثر كثافة من الماء الساخن.. ومن ثم بواسطة الحمل الحراري فإن الماء الساخن يعلو والماء البارد يهبط للقاع.. فوجد أن درجة حرارة مياه السطح في البحار تصل في المتوسط إلى 30 درجة مئوية.. بينما تقارب درجة حرارة القاع 10 درجات مئوية.. اذن هناك فرق في درجات الحرارة مقداره حوالي 20 درجة مئوية.. وهي بلا شك طاقة حرارية كامنة في جوف البحار غير مستغلة. الطاقة من الهيدروجين: من البديهي ان الماء يتكون من الاكسوجين والهيدروجين بنسبة ثابتة قدرها 1: 2 فإذا امكننا الحصول على الهيدروجين لكان وقودا مثاليا للانتاج حيث ان له عدداً من المميزات الهامة.. فهو: صديق للبيئة حيث ان احتراقه يؤدي لانتاج بخار ماء فقط.. وهو أيضا يحتوي على كمية طاقة كبيرة نسبيا مقارنا بالغازات الاخرى. مصطفى محمود علي