بيان الكتب: في مجموعتها القصصية الصادرة حديثا عن دار النهار «ضجيج الجسد» تحاول الكاتبة هيفاء بيطار ان تلتقط مشاهد الحياة الغائبة، في زواياها الجانبية المنسية من اجل ان تفضح بؤس الحياة وقسوتها وتدين ما أصاب الانسان في هذا العصر من انغلاق على ذاته وشهواته وتغييب لقيم الانسان الطيبة في الرحمة والتضامن والمحبة. وتحتل المرأة في قصص المجموعة الثماني عشرة حيزا واسعا حيث تقدم صورا مختلفة لنساء يتوزعن في تجربتهن ومعاناتهم بين قضايا الحب والجسد والعلاقات الاجتماعية التي تحكم حياتهن وتمتاز قصص الكاتبة بالجرأة في طرح هذه القضايا وتناولها اذ لا تحاول ان تقول نصف الحقيقة ولا ان تلامس قضاياها من الخارج بل تدخل في عمق هذه القضايا. وان قراءة عناوين هذه القصص تكشف عن المعاني التي تنطوي عليها هذه القصص في معالجتها واقترابها من عالم المرأة (قلب فارغ ـ ضجيج الجسد ـ العاشقة الكونية ـ مجرد صورة ـ ابجدية الحب). وتسعى قصص المجموعة الى طرح قضايا اشكالية من الموت الرحيم وما يولده من شعور قاس بالذنب والخطيئة الى المرأة التي تقايض مشاعرها بالمال تحت ضغط الحاجة مرورا بالمرأة التي تعاني من الوحدة والانغلاق على ذاتها والمرأة التي تسلم جسدها لشاب يصغرها بعشرين عاما نكاية بزوجها الذي خانها مع طالبته التي تصغره بعشرين سنة بالاضافة الى الزوجة التي تخلى زوجها عنها من اجل الدولار فيشتد حقدها عليه في حين ان العاشقة الكونية تتوحد في حبها مع الارض والطبيعة في علاقة حية وعميقة تعبر عن الرغبة في التوحد معهما. ان هيفاء بيطار تقدم في قصصها الجديدة شهادة على ما اصاب الحياة من تحجر وانانية وضياع للقيم الجميلة لكنها بقدر ما تكشف عن هذا الرجه المشوه والمريض بقدر ما تؤكد على ان الحب لم يختف نهائيا من قلب الانسان فمازال موجودا يعيش في اعماقه ويحتاج الى اللحظة التي تحرضه على الظهور من جديد ففي قصة قلب فارغ تتحول بطلة القصة في النهاية الى فتاة طيبة تعاني من الشعور بالذنب لانها لم تستجب لرغبة المرأة العجوز في ان تبادلها مشاعر الحب والشفقة رغم ان المرأة العجوز لم تبخل عليها بالمال فقد أرادت من خلالها ان تعوض عن مشاعر الحب التي افتقدتها من ابنائها الذين هاجروا وتركوها وحيدة تواجه شيخوختها ووحدتها. ويتضح الشعور نفسه عند بطل قصة «دموع الشيطان» إذ يتحول بطل القصة من رجل يقتل ابن أخته لكي يريحه من معاناته لكن هذا الفعل يحوله الى انسان آخر لا يعرف كيف يعبر عن مشاعر الندم والخطيئة وتشترك قصص «تسكع» و«أم» مع القصص الاخرى في نفس الرؤية والتحول الذي يصيب بطل القصة. إن القاصة تركز على الانساني في الانسان وتحاول ان توقظه وتبعثه من جديد من خلال تعرية الحالات التي أصابت هذا الانساني فيه بالتشوه سواء من خلال العلاقات الاستهلاكية أو من خلال العداء للآخر ورؤية الحياة من خلال الذات الضيقة وشهواتها وفجورها. تتميز قصة المجموعة بأنها تتخذ من الحياة مرجعية وفضاء لها ولذلك فهي لا تحاول ان تغرق شخصيات قصصها بقضايا ذهنية مجردة لأنها ترى ان وظيفة القصة تتمثل في عبور الحياة الى زواياها الخلفية لاكتشاف ما يحدث هناك من مآس ومرارات واختناق خاصة بعد ان تراجعت مساحة الحب في الحياة بعد ان أضحت شخصياتها الانثوية تحاول ان تواجه ظلم الرجل وأنانيته واستبداده باعلان حقها في ان تعيش حريتها وان تبحث عن خلاصها ومشاعرها بصدق ولذلك تجعل صوت نسائها في هذه القصص عالياً وجريئاً في اعلانه عن مشاهره ورغباته التي يعيشها