بيان الكتب: نهاد خياطة باحث ومترجم سوري اختص بعلم الاديان ومقارنتها. ومن مبدأ معرفة الآخر بشكل تام لكي تستطيع محاورته والدخول، لأعماقه قام بدراسته هذه ولعلها الأكثر عمقاً وايضاحاً لتاريخ الديانة المسيحية ذات الأصل السوري، مستعرضاً أسماء رموزها من قديسين واتباع وأناجيل وملحقاتها وما ظهر منها وما خفي. كتابه المنهجي البحثي قسمه الى ثلاثة أبواب وثمانية فصول، في الباب الأول خاص بالاناجيل المعتمدة في الكنيسة وهي: انجيل متى، مرقس، مرقس السري، لوقا، يوحنا، وبحث في فكرة هل كان يسوع متزوجاً كما ذكرت الأناجيل غير المعتمدة كنسياً وهي انجيل بطرس، توما، مريم، فيلبيس، الطفولة، يعقوب، متى المنحول، انجيل الطفولة المنحول الى توما، الطفولة اللاتيني، الطفولة العربي، انجيل راعي هرماس. وخص الباب الثاني بالمذاهب والفرق المسيحية حتى انعقاد مجمع نيقية عام 325م وتحدث عن اشكالية المسيحية وفرقها والتوحيدية. وشرح اليهودية المسيحية، الابيونية، النصارى، الدوكيتية، المرقونية، الآريوسية، مجمع انطاكية 341م، الروح القدس، أبوليناريوس اللاذقي، النسطورية، مجمع خلقدونية 451م، النساطرة، مدرسة نصيبين، اساقفة نسطوريون (برصوما، نرسيس، باباي الأكبر)، نهاية النساطرة، المونوفيزية، ظهور هرطقة جديدة مع بدايات الاسلام والقول بالمشيئة الواحدة في المسيح. أما الباب الثالث فعرّف فيه الثلاثي والثالوث، التثليث في التاريخ، التثليث المسيحي، لماذا التأكيد على الثالوث؟، ثالوث أم رابوع.. محاولات تفسيرية، التوحيد والتثليث بين الظاهر والباطن، التثليث في الفكر الاسلامي، أقانيم الثالوث المسيحي الأب والابن والروح القدس وما معناهم. القاريء لهذا الكتاب يقف أمام معلومات دينية وتاريخية موثقة من مصادر ومراجع اعتمد عليها الباحث ذات أصول غربية وشرقية وعربية بلغت 42 مرجعاً ومصدراً لعل أهمها «القرآن الكريم والعهد القديم والجديد» يخلص الى نتيجتين هامتين هما: حتمية ظهور الاسلام الذي وضع حداً لفوضى العقائد التي جعلت المسيحية تحت تأثير البيئة الغربية الاوروبية بعد سيطرة روما عليها. وكانت سبباً في نشوء جميع انواع الانحرافات في البلاد العربية وما جاورها حتى أشرفت منطقة الشرق الادنى حتى الهند على الغرق في طوفان الزندقات والهرطقات البعيدة جداً عن روح المسيحية الأولى. بحيث لم يكن بُدّ للوحي الاسلامي بمقتضى السلطة الالهية الملازمة لكل وحي من ان ينأى بنفسه عن المعتقدات المسيحية التي كانت أقرب الى الانحرافات منها الى الوحدانية والتسامح. فالبعد الالهي الذي وجد آباء الكنيسة الأولى في شخص يسوع المسيح هو بالمناسبة بعد موجود في كل انسان على درجات متفاوتة حملهم على الخوض في ذات الله التي لم يخلق العقل البشري لادراكها وهو ما نهى عنه محمد صلى الله عليه وسلم نبي المسلمين بعد ستة قرون ونيف مرت على ميلاد المسيح إذ قال عليه الصلاة والسلام: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله». لقد رفض الاسلام عقيدة التثليث المسيحية وراح يحد من انتشارها كونها تقوم على تأليه عيسى ومريم، مع ان النص القرآني جعلهما في مرتبة الارتقاء لمصاف الحقيقة الشاملة ولكن بعيداً عن التأليه، في قوله تعالى: (واتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) [البقرة: الآية 87]. فالاسلام رفض مفهوم مريم أم الله و«المسيح ابن الله» واعتبرهما اغتصاباً جزئياً لحق الله في العبادة والتفرد لذاته الالهية. إن التعقيدات الفلسفية التي تضمنتها بعض المصطلحات اللاهوتية كالوحدة في الجوهر بين الاب والابن ليست من المسائل التي يسهل على عامة الناس تداولها وفهمها. إن المسيحية وعبر تاريخها وقرارات مجامعها اللاهوتية المتأثرة بالسلطة الزمنية المتمثلة بالامبراطور أو الحاكم أو شخصية البابا قد خلطت الحقيقة «الباطن» بالشريعة «الظاهر» وانطوت على مخاطر معينة أدت الى خلل في توازن الحقيقة على مدى القرون، وأسهمت بصورة غير مباشرة في الخراب الرهيب الذي يعيش عليه عالمنا اليوم من صراع بين الديانتين. إن الشجار الذي نشب فيما بين المذاهب المسيحية أدى لتعقيدات شاذة اتسمت بها الخلافات المسيحية حول علاقة الاب بالابن وعلاقة الاثنين بالروح القدس، كل ذلك سمح للاسلام ان يتوسع انتشاراً عبر معاقل المسيحية في بلاد الشام ومصر والعراق وشمال افريقيا وحتى في أوروبا والعالم الجديد، وان يجعل من البساطة النقية التي جاء بها التوحيد الاسلامي منارة يستهدي بها الكثير من الناس. ان الفكر التوحيدي الاسلامي بني على حقيقة عليا لا يدركها عقل ولا يصفها لسان وهي المبدأ الوحيد لكل شيء متفرد في كينونته وهي الحقيقة: لا تلد ولا تولد. لذلك سمي الله «بالحق» نسبة لهذه الحقيقة المتفردة في ذاته الالهية. ان مجمع لا تران الرابع المنعقد في فرنسا عام «1412» م والذي لم تذكره كل الدراسات المسيحية في توثيقها لتاريخها ومجامعها وتياراتها اللاهوتية يحض هذا المجمع بل يؤكد على حالة «القوام الالهي والطبية الواحدة للخالق. وهذا ما أكدته سورة الاخلاص في النص القرآني «قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد». اما النتيجة الثانية وهي ذات اهمية تاريخية اكثر منها فكرية ان الديانة المسيحية ديانة سورية سواء من حيث نشأتها او من حيث مركز انبعاثها للعالم، فالسيد المسيح ولد في بيت لحم ونشأ في كفر ناحوم وهم من اعمال سوريا الجنوبية «فلسطين» والمدينة التي انبثق نور المسيحية منها نحو العالم هي «انطاكية» وكانت عاصمة سوريا الشمالية واطلق اسم المسيحيين على النصارى منها واقترن النصراني بالمسيحي. وسوريا لم يقتصر دورها الريادي حضارياً وتنويرياً في ارساء الاسس التي قامت عليها الديانة المسيحية وحسب، وانما كانت دمشق بعد المدينة المنورة مركز الاشعاع الاسلامي الذي عم العالم كله آنذاك، ودمشق عاصمة الامويين العرب القرشيين فدمشق جمعت مجد المسيحية وسؤدد الاسلام منها انطلق بولس مبشراً بتعاليم المسيح السمحاء منادياً بالسلام والمحبة وكسر طوق اليهودية المنغلقة على نفسها الدموية في لاهوتيتها المكفرة لغيرها. ومن دمشق كان الاسلام نور الهدى، عربي النشأة سوري الامتداد.. ولا ادل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «اوصيكم بالشام خيراً». وضاح محيي الدين