يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعد من الكتب النادرة التي تنهض في وجه سلسلة الاصدارات التي انطلقت في الاعوام الأخيرة ضد العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاستهلاكية، فهو يشدد على ان العولمة ليست شراً كلها كما يذهب البعض، وانها لاتعني بالضرورة المساس بالثقافات الوطنية، بل قد تؤدي الى تعزيزها. والمؤلف يناقش هذا كله من منظور محدد، هو صناعة السياحة. وفي الرحلة الهائلة عبر صفحات هذا الكتاب نحن على موعد مع تحليل مميز لما تعنيه السياحة باعتبارها أحد أهم مظاهر بدايات الاقتصاد المعولم ومع رؤية متكاملة لمد الجسور بين السياحة وإيجاد السلع وبينها وبين مفهوم الحداثة. التأثير القوي لموضوع الثقافة موثق توثيقاً جيداً، لكنه يظهر ميلاً للتحول إلى جدل عقيم، عندما يتعلق الامر بتأثيرات التسليع السياحية على المجتمع المضيف. وبينما لا ينفي مؤلف الكتاب انه يمكن ان تكون للسياحة تأثيرات سلبية فإنه يرى ان مثل هذه التحليلات تميل إلى ان تكون حجة قدمت على الافتراض ان الثقافات، وخاصة تلك التي اعتبرت غريبة، هي في الواقع انظمة مغلقة، وثانية تميل إلى الاعتبار بأنها ضحايا للعصرنة ولا ذنب لها. وتلفت فكرة انتقال الثقافات الانتباه إلى تزايد تدفق الناس والاشياء، وهو عنصر مهم من عناصر العولمة. ان ما يميز السياحة عن سواها في اشكال الاستهلاك هو تسليع المكان باعتباره مؤلفاً من امكنة متميزة. وبالمقابل فقد اعتبرت هذه عملية دينامية يتم من خلالها الحفاظ على اهتمامات خاصة ومنحت غطاء قانونيا. وفي هذا الاطار تم تحويل النضال من اجل البناء المادي والرمزي إلى مفاهيم كونه صراعاً من اجل تحويل المعاني إلى قوالب مادية محسوسة، لفرض نظام معين ويتطرق المؤلف إلى هذا الموضوع بفحص التفاعل بين المضيفين والضيوف من حيث عناصر التعزيز المشتركة التي تأتي كل واحدة إلى الاقتصاد الرمزي للسياحة، والتي تقوم كل منها ببناء نماذج هدية ليست ضاربة الجذور في التقاليد فقط بل تتضمن التغيير. ويشير المؤلف إلى ان تحليل الهوية هو عمل معقد ولكن للاغراض التي تذكر في هذا الفصل فإنه يحصر مقاربته في مجموعة من القضايا المحددة التي تتصل بمشكلات التسليع الثقافي وكيف يمكن فهم هذه العمليات على المستوى المحلي. المكان والهوية يوضح كيفن ميثان انه ابرز مفهوم انتزاع القطرية كمكون للعولمة، وحذر ايضاً من النظر إلى الثقافات كما لو انها صياغة اعيد بناؤها كهويات عائمة وغير محددة. وعلى الرغم من ان الثقافات لها صلة برموز البناء والاتصالات، فإنها مع ذلك تحتوي على قاعدة مادية. واهمية المكان والاساليب التي تعيشها وتعيش من خلالها لم تتلاش بسبب العولمة، ولكن يمكن ان تعزز بها. وعلى السطح فإن هذه التوترات المتضادة والاندماج الاعظم في المستوى الاقتصادي والاختلاف الاكبر عند مستوى محلي اكبر قد تبدو متناقضة، لكن هذا التناقض ليس الا شيئاً سطحياً. وعلى الرغم من ان احدى سمات العولمة هي هجرة الناس بأعداد كبيرة، وليس لغرض قضاء الاجازات فقط، فإن المزيد من الناس لا يزالون يعيشون حياتهم وتجربتهم اليومية في مكان واحد. واهمية العولمة عندئذ هي في انتقال المواقع ذاتها، اي ان الاساليب التي تميل باتجاه العولمة تتحقق في اشكال فضاء اجتماعي محددة لتطبيق الاطار التحليلي الذي تبناه ليفيفر وما نتعامل معه هنا هو الفضاءات التمثيلية اي المكان كما يعاش منه وتجرى تجربته وكما هو مخطط لجذب الناس اليه وكما جرى بث المعلومات عنه والاشكال الخاصة للمعرفة المحلية والاصيلة. وبالمقابل فإنه يجرى الاتصال من خلال صور مترابطة وصيغ رمزية، فضلاً عن اشكال تدريبات اجتماعية. والانتماء إلى مكان يجعل الانسان عارفاً وملماً برموز تلك الصيغ، وبالمعنى الجماعي لتلك الاماكن الخاصة، التي يمكن ان تغلف بعض الافكار الجمعية. ربما يكون ذلك كشكل التاريخ المحلي الذي يولي اهمية لمواقع معينة، مثل الاضرحة والنصب التذكارية والمباني واماكن العمل والمواد الخام التي يتكون منها التراث. وتحتوي الاشكال الاصلية والمعرفة المحلية عناصر تقريرية، مثل وصف الاساليب الصحيحة للتمثيل في اماكن معينة ومن ازمنة معينة حول ما هو مناسب وما هو غير مناسب. ومن خلال اشكال المعرفة هذه يتم التفريق بين الداخليين والخارجيين، لنأخذ على سبيل المثال فكرة «المنزل». حيث تتنوع القيم والمعاني المتصلة بهذه الفكرة بين الاماكن المختلفة وفي الثقافات المختلفة. وعند مستوى قاعدي، فعلى الرغم من ان فكرة المنزل تثير او توقظ مجموعة من المعتقدات والرموز ذات الصلة التي تجسد افكار الانتساب لمكان خاص، شكل من الاشكال الخاصة للاسرة والقرابة وربما القرابة الدينية او السياسية وربما حتى اوقات خاصة. ان فكرة المنزل قد تكون لها صلة ايضاً بأشكال تماسك اجتماعي اوسع يقبع ما وراء حدود الاسرة والقرابة لتشمل المجموعة الدينية والعرقية او منطقة او حتى الامة. وكما اشار لفيل فإن «المبيت» قد يكون بالنسبة لاولئك الذين قد يحسبون انفسهم محرومين. وقد يتمنى كل من المهاجرين واللاجئين العودة إلى موطنهم لكونه يرمز إلى هويتهما الجماعية. وقد يكون الانتماء إلى المكان والناس في هذا القصد المحلي مهماً، ولكن ينبغي الا يتحول ذلك إلى عشق وهيام وإلى فكرة التقيد بالمكان وبالمجتمعات المتميزة التي بحكم العنوان الممنوح لها، تظهر شكلاً من حميمية التقاليد والتضامن الذي «فقدناه نوعاً ما». وللتفكير بالمجتمعات ككيانات متجانسة هي ان نفترض ان كل شخص في محل مناسب او محدد ستكون له الرغبات والاحتياجات والآمال ذاتها، وفيما بعض الناس قد يمتلكون احساساً واضحاً بالانتماء، فإن آخرين لا يكون لديهم هذا الشعور نفسه. وفي الفصل السابق من الكتاب جرت الاشارة إلى ان احدى السمات المحددة المفترضة للثقافة هي الارتباط العرقي، ولذلك فهي محددة ازاء انتمائها لثقافات اخرى. ويشير لانفان إلى انه لايجاد صيغ هوية ذات صلة بالسياحة يتعين الحفاظ على الثقافات الاخرى وتكوين احترام لها. ويضيف لانفان ان ذلك في جانب منه مناشدة السكان المحليين للحفاظ على ما يمتلكونه، والذي يجعلهم متميزين. والاكثر من ذلك فإن العرقية غالباً ما تطرح في اطار شكل من الانتماء، اي نقيض الغالبية. وبكلمات اخرى فإن عملية تحديد الهوية على قاعدة العرقية هي في نواح كثيرة، اتخاذ لوضعية الاقلية ومن منظور السياحة فإن دراسة الثقافات الاخرى هي عرض ملامح غير عصرية ولأن الهوية العرقية هي شكل من الانتماء الاولي، والذي يرى غالباً غير منظور، اذا لم يكن طبيعياً. وعلى سبيل المثال فإن ماكانل يرى ان العرقية التي اعيد بناؤها وهيكلتها، اي العرقية التي اعيد بناؤها نتيجة للتسليع السياحي هي عرقية زائفة، وتدفع للتفريق. وكما يرى جي سكوت ايضاً فإن مشكلة الهوية في التحليلات السياحية غالباً ما تستمر على قاعدة مماثلة للجوهر الداخلي للثقافة التي تقاوم او تمنح سبيلاً للتغييرات المدفوعة خارجياً. والمشكلة هنا هي ان مثل هذه الصياغات تفترض ان الهوية والعرقية يعدان ممنوحين وثابتين وجوهريين. لكن هيتشكوك يرى انه من الافضل اعتبار العرقية عبارة عن سلسلة عمليات و«قالب له اهمية نسبي وطاريء». وباختصار يتعين النظر اليها كشيء مكون من فئات متضاربة لكنها جوهرية. واذا تم قبول ذلك، فإننا لا نستطيع اعتبار ذلك صيفاً ذي هوية ومعرفة غير مقبولة، وازلية وثابتة غير متبدلة على الرغم من كل العناوين التي تحاط بها غالباً. الحصن الاخير للتقاليد ان الصيغ المحلية للمعرفة والادعاء بتحديد الهوية يعتمد على فكرة الانتماء للمكان والناس، وينتج ذلك من خلال عمليات متواصلة للتفاعل من التفاعل التي يمكن ان تكون لها ديناميات داخلية بقدر ما لها ديناميات خارجية. ويظهر جيمسون على سبيل المثال، كيف يمكن لصيغ محلية لهوية عرقية ان تنتج كلا الصراع والتحالفات غير المستقرة ما بين العناصر المتعارضة، اعتماداً على ما اذا كان التهديد المدرك داخلياً ام خارجياً، في حين ان والدرن يلفت الانتباه إلى الطرائق التي تبنى بها الايديولوجيات السياسية تمثيلاً للمكان والوقت والهوية يتسم بمواصفات الاختلاف والتضارب. وذلك بدوره يمكن ان يدور حول قضايا اوسع نطاقاً للهوية القومية والعرقية التي قد تحتاج إلى ان يحافظ عليها في مواجهة مقتضيات الصراع. ان سلسلة عمليات العولمة هي عناصر رئيسية هنا وتستحق ملاحظات ابادوريا ان نقتبس منها ما يضيء جوانب هذه الافكار حيث يقول «بالنسبة لشعب اريان جايا فإن اضفاء الطابع الاندونيسي» قد يكون اكثر تسبباً في القلق والازعاج من الامركة، وقد يكون هؤلاء كوريين بالنسبة للامركة واضفاء الطابع الياباني وسريلانكيين بالنسبة لاضفاء الطابع الاندونيسي وكمبوديين بالنسبة للفتنمة وارمينيين وجمهوريات بحر البلطيق بالنسبة للروسنة. وهناك دائماً مخاوف من الابتلاع الثقافي عن طريق الدول ذات الميزان الاكبر». وينبغي علينا ايضاً ان نضع هذا في اذهاننا ان المجتمع او المجموعة العرقية قد ينظر اليها على انها الحصن الاخير لتقاليد ينبغي الحفاظ عليها في مواجهة هجمة العصرنة او ان ترى كمصدر لتهديدات الحياة السياسية والثقافية لفئات المجتمع. وينبغي الا تعمينا التألقات الوردية للهيام التي تحيط باللاحداثة والبدائية عن امكانية ان نرى التقاليد وحتى العرقية عبارة عن صيغ تخنق التوازن الذي حررتنا منه العصرنة، وعندما تؤخذ كل تلك العوامل في الحسبان يصبح من الممكن القول ان الفضاءات التمثيلية للتجربة المعاشة والصيغ المحلية للمعرفة الاجتماعية هي فضاءات متعددة الاصوات وتعرض هذه الآراء افقاً ممكناً من المعاني، وهي مصدر للمادي والرمزي يمكن الاستفادة منهما لصياغة هويات. وتسليما ان السياحة تحتاج إلى تسليع المكان والثقافة والناس على شكل مواقع محلية متباينة واساليب للحياة عندئذ فإن ذلك يثير السؤال حول كيفية تأثير السياحة على صيغ مثل المعرفة وما اذا كانت السياحة تشكل تهديداً للهوية ام تقوم بدور مصدر آخر من خلاله تنشأ الهويات. وبينما يعبر السياح حدود الحس الحرفي فإنهم يعبرون ايضاً الحواجز الثقافية وكذلك فإن فكرة الثقافات المسافرة التي نوقشت سابقاً تذكرنا ايضاً بأن السياح يحضرون معهم ليس فقط مجموعة من المفاهيم والآمال حول المكان الذي ينحدرون منه بل تفضيلاتهم ومرجعياتهم الثقافية واشكالاً من السلوك ومعرفتهم الاصيلة. ان هذا العبور للحدود والحركات لمجاوزة الهوية القومية هو بطبيعته مؤقت ولذلك فإن الاتصالات بين المضيفين والزوار هي وقتية وانتقالية. ويظل السياح بصفتهم عابري سبيل اجانب، غير حميمين بالنسبة لمضيفهم، وكذلك تظل هوية مضيفهم بالنسبة اليهم مبهمة وغير معروفة. وتنظر كل مجموعة إلى الاخرى كنوع معمم، نظراً لأن فرص تطور اي نوع من التفاعل الاجتماعي، متجاوزا المستوى السطحي تعد امراً محدوداً بصورة عامة وقد لا يكون مرغوباً ايضاً او يتم تشجيعه. وعند هذا المستوى من الفضاء التمثيلي المعاش نصبح قادرين على تحديد ديناميات النزاع الذي يخاض في عالم رمزي كما في الواقع. وبدوره فإن ذلك يثير قضية مصالح من تخدم؟ هل هي مصالح المضيفين او مصالح الضيوف؟ ان القضية الجوهرية التي تحتاج إلى حل هنا اذن هي الاساليب التي بها تتصل هذه العوامل لتشكل سياحة وكيف تتفاعل تلك السياحة بدورها مع اشكال الفضاء التمثيلي ومع صيغ المعرفة التي تخص الانتماء والهوية. تأثيرات السياحة يحرص المؤلف على ان يعيد إلى اذهاننا الحقيقة القائلة ان احدى الموضوعات الثابتة في ادبيات السياحة هي فكرة ان التسليع السياحي تؤدي إلى خسارة وفساد التميز الثقافي. ان التغيرات التي تغذي السياحة على المستوى المحلي تقوم في الغالب من حيث التأثير الذي يعالج بصورة عامة على قاعدة ادخال المعلومات او اخراجها او التصنيف وفقاً للأثر والنتيجة. وبدورها فإن هذا النهج يتجه إلى تقسيمات فرعية تنحصر في الاقتصادي ـ الثقافي والاجتماعي ـ الثقافي. تشير النقطة الاولى الاقتصادي ـ الثقافي إلى قدرة السياحة على توفير فرص العمل، في حين ان النقطة الثانية وهي الثقافي الاجتماعي تشير إلى التركيز على التأثيرات الخاصة بهذه التغيرات من حيث انماط السلوك والثقافة الاجتماعية. وفي هذا القسم يبحث المؤلف بعض الموضوعات الرئيسية التي تلامس هذه الاهتمامات الاخيرة. ومن الواضح ان هناك عددا من القضايا المهمة لها صلة بالسيطرة على تطوير وتشكيل السياحة، ولا شك في ان السعة المادية للاماكن ليست مطلقة، ولو انها تحتاج إلى الخضوع لصيغ تتحكم ومع ذلك فهنالك عدد من المشكلات تبرز عندما تنقل افكاراً مثل هذه من حيز الادارة السياحية للمشكلات المادية إلى عالم الاتصال الثقافي. ويرى كل من فيلاس وباكريل ان الاتصالات بين المضيفين والضيوف يمكن ان ينجم عنها احتكاكات بسبب الاختلافات في اسلوب المعيشة والثقافة وهم يرون ايضاً ان هذه المشكلة الخاصة بالعلاقة ما بين السكان المحليين والزوار الخارجيين يمكن كبحها، ان لم يكن تجنبها، من خلال الادارة الدقيقة لتطور السياحة. ويمكن انجاز ذلك اما بابعاد السياح عن مناطق الاحتكاك الثقافي للمستضيفين او استقطاب السياح ذوي الوضع الاجتماعي المتميز على امل ان صغر عددهم يعني تدهوراً اقل للثقافة المحلية وهناك ايضاً قضية ان صيغاً معينة من السياحة قد تكون اقل احتكاكاً مع الثقافات المحلية، كما ان المجموعات الاقل من السياح يمكن ضبطها بصورة افضل، ويقف وراء هذه الفرضية فكرة ان السياح المؤثرين اي الذين يملكون قوة انفاق كبيرة سيكونون اكثر تعاطفاً تجاه الآخرين، ولكن هذا الطرح موضع مناقشة، ويعتقد البعض ان وجود بون شاسع بين السياح الاثرياء قد يعمق الاختلافات ايضاً. ونسبت بعض المحاولات لتبرير هذه التغييرات الثقافية ـ الاجتماعية او التأثيرات لاقحام السياحة التي توظف مفهوماً قياسياً للمؤثرات الاستعراضية التي تفترض ان السكان المضيفين سيقومون ببساطة بتقليد سلوك وقيم الضيوف. وفيما يلي تعريف من بيرس حيث يقول: حتى يضاهوا الضيوف قد يتبنى السكان الاصليون اساليب جديدة في ارتداء الثياب ويشرعون في تناول وشرب مواد مستوردة ومشروبات يفضلها السياح او يطمحون للحصول على سلع مادية غالباً ما تظهر مع السائح». وعلى الرغم من ان بيرس يعترف ان هذه القضية يمكن ان تكون عملية متبادلة، اي ان السياح قد يعودون إلى بلدانهم بعد ان يكونوا قد تقمصوا ذائقة السكان المحليين. وتؤخذ التأثيرات الاستعراضية او في الواقع اشكال اخرى من المؤثرات السياحية باعتبارها دليلاً على التبادل الثقافي الذي تعود اسبابه لعوامل خارجية. ويعتقد كل من بيرنز وهولدن ان التأثير الاستعراضي مسألة في الغالب يصعب تجنبها. وبينما يعترضان بأن هناك اهمية اكثر للتبادل الثقافي من مجرد فرض تأثيرات خارجية الا انهما لا يزالان يعتبران السياحة مساراً لادخال «الايديولوجيات الخارجية واساليب الحياة الاجنبية». وفي اسلوب مماثل يكتب فينل ان سلع الغرباء نادراً ما تكون هناك رغبة فيها مثل ادخالها إلى المجتمع المستضيف في حين ان شاربلي ينظر إلى السياحة كوسيلة بواسطتها تقدم قيم الغرباء إلى ثقافات المستضيف. وليس من الصعب ان ندهش ازاء ادراكنا ان سلع الغريب لا تكون مرغوبة من جانب السكان المحليين إلى ان تتم رؤيتها، ولكن ما يقلق اكثر هو الافتراض الضمني هنا الذي يشير إلى مسميات مثل «الغريب» و«الخارجي» و«الاجنبي» وهذا الافتراض يشير إلى ان الثقافات الاخرى ليست كيانات معزولة محتواة ذاتياً فقط، ولكنها ايضاً تتلوث بالاتصال مع ما يمكن ان ينظر اليه بلا استثناء على انه غربي او العالم النامي. ولكن كما يعرض كلاسن وهاوز بصورة مقنعة في كتابهما حول الاستهلاك بين الثقافات فيقولان: «عندما يستهلك شعب غير غربي بضاعة غربية فلا يعني ذلك انه يبتلع البضاعة كلها بالضرورة، قيماً رمزية وكل شيء، بل هم يقيسونها وفقاً لمذاقاتهم الخاصة وعاداتهم». اما المعضلة الاخرى الخاصة بفكرة تدخلات الغرباء فهي فكرة ضمنية قوامها ان الآخرين لا ينبغي عليهم ان يطمحوا لتحقيق الطموحات والتطلعات ذاتها التي يتطلع اليها الاثرياء في البلدان التي تصدر سياحاً والتي تعد بالنسبة اليهم من المسائل البديهية. ومن نواح معينة فإن ذلك ناجم عن تحويل الآخرين إلى مفاهيم، كما لو انهم يمتلكون او يجسدون روح الثقافة التي كما يشير الفصل الاخير إلى انها صيغ «ليثوبويا» رومانسية أسيء اختيار موقعها. وفي معرض اتباع خط النقاش ذاته يستخدم المؤلف قضيتين وكلاهما له صلة ببعض التغييرات المنسوبة إلى العصرنة في اطار ثقافات اخرى تصل إلى نتائج مختلفة جداً. والقضية الاولى يستعرضها بليسديل وتابسيل عن دراستهما حول السياحة في تونس. كتب الاثنان يقولان: «من حيث تأثير الاستعراض فإن تأثير السياحة واضح، ولكنه حتى الآن يبدو انه تغلغل في قطاع السكان الذين يتصلون بالسياح اتصالاً مباشراً، خاصة قطاع الشبان الذين يفضلون ارتداء الجينز والسترات الجلدية السوداء، وهو الطراز المفضل عندهم الذي استقوه من السياح الغربيين». ويشير المؤلف إلى وجود عدد من المشكلات في هذا السياق فالسياحة تعتبر العامل السببي الخارجي والوحيد في التغيير. وبالنتيجة فقد تم استبعاد وسائل الاعلام والاعلام الالكتروني والمؤثرات الخارجية الاخرى الممكنة. ويرى كل من ويفر وفيلاس وبيكريل ان الانتشار العالمي لشبكات التلفزة يرجح انه يقوم بدور اكبر في مثل هذه المؤثرات غير اننا نجد انفسنا امام البديل البسيط لآلية سببية وحيدة وعودة للمثال السابق، فإن امكانية ان يكون الجينز والستر الجلدية السوداء انماطا متنوعة من اساليب الموضة المحلية لم يؤخذ في الاعتبار. ويبدو ان المؤلفين لم يحاولوا التحقيق في السياق المحلي لهذه الازياء ولاهميتها عند من يرتدونها ولا يمكن تجاهل ان الناس في الثقافات غير الغربية، مثل اي مكان في العالم، يستخدمون بنشاط بضائع استهلاكية لصياغة هوياتهم الثقافية الفريدة الخاصة بهم. اما النموذج الثاني فيقدمه هاريسون في دراسته عن السياحة والعصرنة في سويسرا. ويلاحظ هاريسون ان المؤثرات الاجنبية رآها الكثير من الكبار في السن في سويسرا ادوات ذات تأثير مفسد للشباب خاصة الديسكوتيك وارتداء الشابات للسراويل الرجالية. وادى هذا العامل الاخير إلى مشاجرات بين الشابات وعناصر الذكور التقليديين في المجتمع السويسري. ويعلق هاريسون على ذلك بالقول: «ان ما يبرز هو تحدي السلطة الذكورية في هذه الامور فالنساء عرضن انفسهن لسلسلة من الاتهامات. فهن أولاً يقمن بانتزاع دور الذكور. ثانيا، فإنهن يقلدن السياح، وثالثاً فإنهن يتورطن في ممارسات غير اخلاقية». وبينما يعلق على هذه الامور فإنه لا يمكن محاسبة السياحة وحدها عن ذلك، على الرغم من ان العصرنة هي مشكلة بالنسبة للكثيرين من السويسريين، والمعروف ان سويسرا ليست جزيرة معزولة عن بقية العالم، ولذلك فهناك الكثير من الوسائل للدخول إلى اشكال مختلفة لوسائل الاعلام التي تبنت بالتفصيل اتجاهات الموضة في اوروبا واميركا الشمالية. ويقول هاريسون ان المنظور الذي ينظر اصحابه إلى مثل هذه الاتجاهات كتهديد يتضمن ان الانماط التقليدية للسلوك هي انماط ثابتة ومفضلة تقليديا واخلاقيا وهي وجهة نظر تظل مثار نزاع اذا لم تكن تثير الروح الوطنية». ومن النقاط الممتعة التي يمكن استقاؤها من هذه القضية هي الطريقة التي تلقي فيها عناصر تقليدية من المجتمع السويسري المسئولية على كاهل التدخلات الخارجية للسياحة. وذلك قد يبدو دليلا لدعم فكرة ان تأثيرات السياحة تسبب تآكل الثقافات الاخرى وأساليب الحياة، ومع ذلك فانه لقبول ذلك كدليل فإننا سنربك الايضاحات المحلية للظواهر الاجتماعية باستخدام التفسيرات التحليلية. ان هذه الامثلة التي طرحت هنا هي دليل على النزاع، ولكنها ليست متفردة بحال من الاحوال. ولكن لكي نقوم التأثيرات الثقافية على قاعدة صيغة ما للسببية البسيطة او افتراضات تحليل الكلفة والربح فان الثقافة المضيفة هي شيء ثابت يتعرض داخليا لعوامل التوليد الخارجي للتغيير». ان مثل هذه المقاربات تحتاج الى تحد والى التخلص منها، وتعني عمليات العولمة وزيادة التسليع الثقافي والاستهلاك اللتان تتضمنهما العولمة، ان افكار تأثير الاستعراض في افضل اوضاعها مبالغ بها، وفي أسوأ الحالات تكشف موقفا مصطنعا اتخذ بناء على افتراضات خاطئة، فيما يتعلق بالعلاقة ما بين الثقافة والهوية. وما يظهره هذا ان المثلين ايضا بوضوح انقسامات واضحة للجنس وهو ما يمكن ان يكون له صلة اكبر بالديناميات الداخلية للمجتمعات المقصودة. المرأة والعمل تقويم تأثيرات السياحة كما سبقت الاشارة ينظر اليها بمنظار الرخاء والازدهار الاقتصادي فيما مقابل حساب النجاح والفشل. واحدى المشكلات في تقويم مثل هذه الادعاءات كانت حقيقة ان قطاع السياحة ليس من السهل فصله عن الاشكال الاخرى للعمل. وغالبا ما يكون التوظيف في السياحة موسميا ويتضمن ايضا عمالا مهاجرين ينخرطون في قطاع اقتصادي غير رسمي وغير منظم، ومن الوسائل في مقاربة ذلك فحص انماط التغيير في العمل وسوق العمل وعلاقته بطبيعة العمالة من حيث «الجنس» رجالا ام نساء وقد اثرت العولمة ليس فقط في المكان بل ايضا في تقسيمات العمل من حيث جنس العامل ذكرا ام أنثى، ويعد ذلك تصنيفا جوهريا يحدث في جميع المجتمعات، على الرغم من ان حدوثه يتم في اشكال مختلفة. واخذا في الاعتبار بأن السياحة هي في بعض المواقع شكل جديد نسبيا للعمل، الذي يبدو انه يتقاطع مع انماط ثابتة للعمل، فاننا قد نتوقع رؤية تغيرات في العلاقات الخاصة لجنس العامل في التوظيف السياحي، وتسجل سنكلير عددا من القضايا في هذا الصدد حيث التوظيف في السياحة يتصل اتصالا وثيقا بالواجبات المنزلية للمرأة. وترى سنكلير ايضا ان السياحة توفر امكانية بأن ادوار الجنس التقليدية وتقسيم العمل يمكن اعادة النظر فيها. ان التغييرات في المتغيرات المادية مثل نسب الاجور او مفاهيم الانواع المناسبة للعمل يمكن ان تغير كلا الطلب على العمل والامداد والعلاقة الاسنادية المشتركة بين تعريفات الجنس وتقسيمات القوى العاملة». وتمثل دراسة كل من ولكينسون وبراتيفي لقرية اندونيسية حالة من المهم تأملها. وفي هذه القرية تعد مهنة الصيد هي الدعامة الاساسية للاقتصاد المحلي في حين ان هناك قطاعا زراعيا محدودا وتجارة بالقطاعي محدودة محليا. وفي السنوات الاخيرة اصبحت السياحة تلعب دورا مهما، ولكنها تطورت بصورة عشوائية لم يكن مخططا لها. ونتيجة لذلك فان معظم عمل السياحة تكون من تأخير المرافق غير الرسمية، وكانت معظم هذه المرافق السكنية تمتلكها وتديرها سلسلة من الاسر، ولذلك كان من السهل على النساء الدخول الى المرافق، وهناك ايضا مظاهر اخرى للعمل السياحي، مثل العمل في حقل المرشدين السياحيين، الذين نظر اليهم على انهم غير مناسبين لانهم يجروا اتصالات اكثر من اللازم مع الاجانب وخضع هذا التقسيم الجنسي للعمل لتعقيدات من قبل عوامل اخرى مثل الوضعية العرقية والوضع الاقتصادي الاجتماعي والانقسام ما بين المقاولين الداخليين والخارجيين. وتعرض جارسيا رامون ايضا علي قضايا مماثلة، وبحث دور النساء وعلاقتهن بالسياحة الريفية في كاثالونيا وجاليسيا في اسبانيا، وردا على تشريع الحكومة الاسبانية والتشريع الاوروبي، تم تشجيع المزارعين التقليديين لتنويع انشطتهم بعيدا عن الانتاج الزراعي والاتجاه الى اشكال جديدة من السياحة الزراعية. وبتوسيع التنوع الاقتصادي لهذه المناطق، فان المناطق الريفية ستكون من غير المرجح ان تغرق في دوامة التراجع. وفي حين تم تبني مثل هذه الاجراءات، فان دور النساء يميل لاتباع النمط التقليدي والمقرر لتحضير المأكولات وكل ما يتعلق باحتياجات المنزل ويسجل بوكيت تطورات مماثلة في سياحة المزرعة في ديفون بالمملكة المتحدة. ويعاد استثمار الاموال التي يتم كسبها نتيجة لهذه الانشطة في التجارة الاسرية، وعلى الرغم من انها تسهم في ثلث الدخل الشامل، فانها تبقى مفيدة وما تحصل عليه النساء من قيمة من كل ذلك هو ان نشاطهن المنزلي العادي يحقق عائدا ماليا له قيمة عالية في حد ذاته. ثانيا اصبحن قادرات على الاسهام في صيانة المزرعة بدون ان يكون عليهن مغادرة البيت، ثالثا فإن الكثيرات من النساء لقين ترحيبا عاليا وحصلن على فرصة ان يحققن اتصالات مع الناس من خارج خلال اماكنهن الطبيعية العادية الروتينية والتقليدية. ولفتن اليه الانظار ايضا طريقة تقديم الضيوف الى حياتهن الطبيعية في البيت، ونظر الى ذلك بداية على انه يعد انتهاكا للحياة الشخصية، ويسجل زاركيا الخبير في الشئون الاثنية الجغرافية للسياحة كيف ان المكاسب الاقتصادية تتفوق على اعتبارات فضاء الحياة الخاصة للريفيين، فأولئك الذين اجروا اجزاء من منزلهم لن يندموا على ان جزءا من خصوصيتهم قد فقد، ولن يقلقهم ان يعشيوا في غرفة واحدة، فيما الغرفة الثانية يستأجرها غريب، ويستمر هذا الوضع لشهرين وفي الوقت الراهن فان الدخل هو المهم اكثر من الحرية الشخصية. ولاحظت ايضا كيف تؤثر السياحة بالمظاهر الاخرى الخاصة بالثقافة المحلية فمع تقدم السياحة اخذ السكان يميلون اكثر الى تبني اساليب تحديثية وحضرية اكثر في العناية بالشكل الداخلي لمنازلهم، فالمنازل التي تؤجر للسياح بالمقابل كانت تفرش على نقيض ذلك بالمفروشات التقليدية. وحتى اصالة تلك المنازل كانت مستنبطة وفقا للمعايير المتحفية ولكن على نقيض حالات اخرى حيث التقاط الصور يمكن ان ينظر اليه كنوع من التدخل في حياة السكان المحليين ويبدو ذلك مختلفا. الشيء الذي بقي بدون تأثير هو عواطف المرأة التي تظهرها نحو اهل بيتها. وعندما سئلت النساء في تلك المناطق حول فتح منازلهن للغرباء، تحدثن عن ذلك بفخر، وقلن انهن يعرضن كل التقاليد الاصيلة للكرم التقليدي للمنطقة ويبدين اهتمامهن بأخذ صور مع الغرباء وانتظار تلك الصور عندما يرسلها الغرباء بالبريد فيما بعد. ويصررن على تنظيم بيوتهن قبل التقاط الصور، ويحببن ان تلتقط لهن الصور. ويشمل هذان المثالان تقديم الخدمات في اطار المنزل، وقد يرى مثل ذلك تغييرا في حدود الكرم كصيغة الزام اجتماعي وكرم كتسليع، وذلك من خلال السياحة، وبكلمات اخرى فان تقسيم خدمة (البيت، العمل، الاجازة) قد اعد تشكيله، لكن التقسيم على اساس النوع (ذكر أو انثى) في اطار المنزل والخدمات المنزلية لم يتغير تغييرا كبيرا. ويشير مؤلف سكوت حول الجنس والسياحة في قبرص الشمالية بالمقابل الى دور نساء المهاجرين وبشكل خاص الروسيات والرومانيات اللاتي يملن للعمل كمضيفات في النوادي الليلية، او نادلات يقدمن الطعام والشراب وينظر الى تلك المهاجرات على انهن فتيات ليل، ويطلب منهن الحصول على تأشيرة وان يخضعن لفحص الايدز، قبل ان يمنحن تصريح عمل وعلى الرغم من انه ليس جميعهن منغمسات في تقديم خدمات خاصة للسياح الا ان بعضهن يقدمن هذه الخدمات دون مواربة، على الرغم من عدم شرعية نشاطهن، وتخضعن لقيود مشددة في حركتهن بالنسبة للجهة الموظفة، وفي العموم لا تقيم هذه النساء اكثر من خمسة اشهر في شمالي قبرص. ويرى سكوت ان مثل اشكال السيطرة تتناغم من الرأي العام الذي يرى ان هاته النسوة يشكلن سلسلة من التهديدات للصحة والاخلاق العامة والاسرة. وتلفت النظر ايضا الاساليب التي ينظر من خلالها لهذه الصيغ من العمل السياحي، سواء اكان مناسبا او غير مناسب للنساء القبرصيات. وبصورة عامة فان النسوة اللاتي يقمن اتصالا منتظما او طويلا مع السياح ينظر اليهن على انهن يقمن بأعمال خطرة وبدورها فإن مثل هذه المفاهيم الخطرة تنبع من افكار تقليدية لها صلة بقضايا الشرف والعيب، وتستغل ايضا في طروحات الرجال لمنع المرأة من الدخول الى سوق العمل. ونتيجة لذلك فان الكثيرات من اللواتي يوظفن في سوق العمل السياحي يحترفن اعمالا كتلك التي يقمن بها بصورة تقليدية في منازلهن، وهي اعمال تقوم بها النساء غالبا خدمة لمصالح الاسرة، وحتى عندما تتضاعف مشاركة المرأة في سوق العمل فان ذلك يرجع الى «الاسترخاء في القيود كرد فعل على التغيرات في البيئة الاقتصادية والاجتماعية ولكن استمرت المرأة محاطة بطرق تعكس حدود المخاوف التي تظهرها التقاليد». تظهر هذه الامثلة بوضوح الحاجة لوضع الامور في السياق الصحيح فيما يخص تأثيرات السياحة التي قد تكون ناتجة عن ضغوط داخلية او عن ضغوط خارجية. وفي جميع الحالات نستطيع رؤية الدور المنتامي للتأثيرات العالمية للتغيرات القليلة لكنها كبيرة في اهميتها ازاء انماط وممارسات العمل من جهة جنس العامل بمعنى كونه ذكرا او انثى ونرى ايضا ان هناك ميلا على الرغم من الاختلافات الثقافية، للنظر الى الدخل الناجم عن توظيف المرأة على انه فرعي بالنسبة للاشكال الاخرى لكسب الدخل ولذلك فإن تقسيم النوع في السياحة يعكس النمط الغالب للخدمة المرنة في قطاع العمل.