تعتبر رحلة صادق باشا العظم التي قام بها مؤلفها الى الحبشة في ربيع وصيف سنة 1896 في عداد الرحلات الدبلوماسية حيث ارسل موفدا من قبل السلطان عبدالحميد، ومعه رسالة الى النجاشي منليك الثاني امبراطور الحبشة ، الذي استقبله في بلاده بحفاوة تليق بشخصية كبيرة. فالمؤلف كان قائدا عسكريا كبيرا في الجيش العثماني ومندوب الدولة العلية في بلغاريا، اضطلع بمهمات عديدة على الاصعدة العسكرية والدبلوماسية، منها الاشراف على مد الاسلاك البرقية من دمشق الى الحجاز وهو سوري ينتمي الى بيت دمشقي عريق، ولد ونشأ في دمشق وتلقى تعليمه الاولي في مدارسها، وانتقل الى مدارس بيروت اما علومه العالية فتابعها في الاستانة وبرلين وتخرج من كلياتها الحربية وقام بزيارات عديدة الى اوروبا. ولصادق باشا المؤيد العظم كتاب آخر تحت عنوان «الرحلة الى صحراء افريقيا الكبرى» اشار اليه في رحلته هذه التي نحن بصددها. قضى ايامه الاخيرة في دمشق وتوفي ودفن فيها سنة 1911. بدأ صادق باشا رحلته في 15 ابريل سنة 1896، منطلقا من ميناء اسطنبول على ظهر باخرة فرنسية متجهة الى مرسيليا وعاد الى الاستانة على ظهر باخرة روسية يوم 16 يوليو من العام نفسه، وبذلك تكون رحلته الى الحبشة استمرت ثلاثة اشهر. ويشير العظم في متن الرحلة انه وبين هذين التاريخين استخدام العديد من وسائل النقل حيث ذكر انه حملته بارجة حربية فرنسية، من بورسعيد الى سواحل جيبوتي وسفن اخرى استقلها الكاتب قبل ذلك من موانيء في اليونان وايطاليا ومصر وقطارات بين دريدوه وهراري والاسماعيلية والاسكندرية وعشرات البغال المدربة على صعود الجبال الوعرة واختراق الغابات والادغال الكثيفة، وعبور الانهار الجارفة في المناطق الافريقية وصولا الى اديس ابابا وفي طريق العودة منها وبتوصية من السفير الفرنسي في الاستانة المسيوكونستان استقل العظم (وبصحبته بقية اعضاء الوفد المؤلف من البكباشي طالب بك، الجاويش ياسين افندي، ابراهيم بكر افندي، شوكت افندي) بارجة حربية فرنسية تدعى «لافودر» التي توقفت في بورسعيد في طريقها الى الهند الصينية، وغادرها بعد ذلك الى جيبوتي. دون صادق باشا وقائع رحلته وما حفلت به من احداث ومشاهدات يوما بيوم، ولم يهمل الكاتب يوما لم يدون فيه ما شاهده وسمعه وقرأه ووقع له، وبالتالي فهي تشبه في ترتيبها المذكرات اليومية. والواقع ان ما يقدمه الكاتب من وقائع واحداث دقيقة في التعبير وامانة في النقل من خلال رحلته هذه وضعته في مصاف كبار الكتاب العرب والاجانب كما تفصح عن كاتب رحلة محترف وكذلك لما يتميز به من رهافة في وصف المشاهد وبساطة في اللغة وطرافة في التعليق فهو يذكر بعناية كبيرة الامكنة ومحطات التوقف ودرجات الحرارة والمواقيت، كأن يقول مثلا: «وفي الساعة السادسة وخمس دقائق افرنجية مررنا بجزيرة كابري قادمين من نابولي» او «نحن الآن على ارتفاع 1500 قدم عن سطح البحر» فضلا عن التقاطاته اللماحة في امور ومسائل اخرى تتصل بالناس والسلوك والعلاقة مع البيئة.. وفي كل مكان يحل صاحب الرحلة فيه نراه يدون مشاهداته وانطباعاته على مستويين اساسيين: اولا: يوميات البعثة من حل وترحال واستكشاف للطرق بين المدن والحصون والمواقع، والوقائع اليومية للمسافرين، وما يواجههم من متاعب ومشاق ونجاح واخفاق ومفارقات خلال السفر، وثانيا: نقل الصور والمشاهدات والظواهر على خلفية متصلة من حوادث الطبيعة، واختلاف الجو، وتبدل المناظر التي لاتتوقف عن مد الرحلة بعالم من الجمال الطبيعي، يسوده اختلاف الطقس بين جبل وواد، وبين ساحل وقفر، وتفاوت المناخ. وهو الى هذا وذاك يرسم ملامح وصفية للناس تكاد تكون قطعاً أدبية ملهمة، كما ويورد أخباراً تتعلق بالمكان وحاضره وماضيه استقاها من السكان وتعليقاتهم، كاشفاً عن قدرة كبيرة على شبك خيوط السرد بالوصف والمقارنة، والاسترجاع والتسجيل والتحليل بكثير من الدقة والسلاسة. ويقول نوري الجراح في تقديمه للرحلة بأن تعليقات صادق باشا التي ضمنها الرحلة تكشف عن نفس ذات نزعة انسانية لا يتناهى اليها تعصب لجنس أو دين أو ثقافة، فتراه لا يكتفي بأن تلفت انتباهه الظواهر والمواقف والحالات الغريبة المفاجئة، بل وحتى الاشياء البسيطة والجميلة المؤثرة، فالمرأة تحت المظلة تتخذ لها في سطوره حضوراً شاعرياً، والازهار الغريبة تبلغ عينه المتجولة باندهاش، كأن يقول: «ورأيت وقتئذ نوعاً من القرنفل المطبق لم تر عيني مثله قط». كما وتكشف هذه الرحلة عن مستوى رفيع من ثقافة صاحبها، فهو لا يهمل، مثلاً، ان يعقد الصلة بين المكان والأدب، ففي طريقه الى مرسيليا يمر بجزيرة مونت كريستو إذ نراه يشير الى ان الكسندر دوماس اتخذها موضوعا لاحدى قصصه الشهيرة، واحياناً نراه يخبر عن نفسه إنما بموضوعية وتواضع في مناسبة تتعلق بحدث أو مكان أو تجربة تستدعي خبرة سابقة. وفيما يتعلق بالآراء والافكار التي يفصح عنها صاحب الرحلة، فنحن قلما وجدناه يتناول موضوعه من خارجه، أو يستعمل ما يعرض ليؤكد فكرة مسبقة، أو يروج لموقف، فهو إذ يثني على مهارة العرب في الشدائد والملمات وتفضيل الاوروبيين لهم على غيرهم من البحارة، فلكونه رآهم يتصرفون بسرعة بديهة وذكاء فطري وخبرة مديدة، وهو ما يفسر اعتمادهم من قبل البحرية المتصلة بشواطيء الرحلة. ويذكر العظم انه استقى الكثير من المعلومات عن حاضر البلاد وتاريخها وتاريخ الدول والممالك والحروب الداخلية والحروب مع الطليان والاوضاع التجارية وغيرها من خلال اشخاص من ابناء الجالية العثمانية من سوريين ومصريين وأرمن وغيرهم الذين التقاهم اثناء رحلته، سواء في جيبوتي أو في الحبشة نفسها، كنعمان الخوري سفير فرنسا في الحبشة، الذي كان زميله في المدرسة في أول نشأته، وانقطع عنه منذ أيام الصبا، ومن بين هؤلاء ايضاً يذكر العظم أخوين سوريين من قرية بيت شباب في لبنان هما اسكندر وبشارة غالب، وكانا في مطلع الثلاثينيات من العمر ويشتغلان في التجارة. ويصفهما بأنهما على جانب كبير من الشهرة في البلاد. وقد وضعا نفسيهما في خدمة الوفد السلطاني الذي يرأسه العظم وقدما للأخير معلومات مفيدة عن أحوال البلاد وتجارتها وسياستها. وفي هذا السياق نجد الرحالة أيضاً لا يهمل ايراد معلومات مستفيضة عن الامكنة العامرة بالحركة والنشاط التجاريين، وأطوارها وميزاتها وامكاناتها وطرق الوصول اليها كجيبوتي مرغباً التجار العثمانيين في الوصول الى هذه الامكنة من باب توسيع تجارة السلطنة. ونراه يورد معلومات مفيدة عن النشاط التجاري عبر البحار على خطوط التجارة القديمة والحديثة، وأبرز القوى البحرية كالروس والانجليز والفرنسيين والايطاليين والهولنديين والهنود والعثمانيين والايرانيين وغيرهم. ويعدد أنواع البضائع التي تمر بميناء جيبوتي وتلك التي تدخل الحبشة قادمة من أميركا وانجلترا والبلاد العربية كأنواع الاقمشة القطنية والحريرية والاجواخ والآلات والادوات الحديدية والبسط العجمية والاوروبية وأنواع الاسلحة النارية ومصوغات الفضة والنحاس والطنافس التركية وعطر الورد والبن والملح وأنواع الحبوب والحصر، وهذه البضائع ترد بواسطة السفن وكلها تعمل تحت العلم العثماني. أما البضائع التي ترد من الحبشة عن طريق مضيق هرمز فأبرزها، كما يذكر العظم، البن والعاج والذهب الأصفر والشمع العسلي والماشية كالعجول والغنم والماعز وغيرها، وجلود الحيوانات الوحشية، وينشط هناك من الرعايا العثمانيين السوريون واليمنيون والحجازيون والأرمن. والقاريء للرحلة يمكن ان يلحظ ان الكاتب خلال وقوفه على الأمكنة لم يهمل تفصيلاً يستلفت انتباهه، مهما كان صغيراً إلا وتشاكل معه، فهو يصف كل ما يقع تحت نظره من بشر وحيوان أو جماد مستعرضاً ميزاته، ومن هنا فإن وصفه يمكن ان يشكل وثيقة بالغة الاهمية لما كانت عليه الحال في الحبشة خلال نهاية القرن التاسع عشر. ويمكن القول ان الموضوعية والأمانة والذمة التي يتحلى بها الكاتب، فضلاً عن الروح الانسانية المتخففة من العقد، تؤهل هذه الرحلة من ان تتخذ كدليل بالغ الاهمية بالنسبة الى الرحالة والمسافرين الى تلك الانحاء والى القراء الراغبين في معرفة جغرافية تلك البلاد وأحوالها معرفة لا تنشد إلا نفسها. والمؤلف نفسه أشار الى ذلك بقوله: «رحلتي هذه اكتبها بطريقة تمكن السائح في تلك البلاد من اتخاذها كدليل له». عبدالرزاق المعاني