كان أصل الطيور يشكل قضية يحتدم النقاش حولها في اطار دراسات التاريخ الطبيعي منذ اكثر من 140 عاماً. ولكن لماذا سببت قصة الطيور هذا القدر من الجدل والخلاف؟ السبب هو ان عدداً متزايداً من علماء الحفريات يعتقدون ان الطيور هي ديناصورات حية، وانها نسل منحدر من حيوانات مفترسة، أرضية، سريعة العدو، مثل الديناصور «فيلوسيرابتور» الذي اشتهر في فيلم «الحديقة الجوراسية». هل يمكن ان يكون مخلوقاً ضخماً مرتبطاً بالارض مثل الديناصور قد تطور الى شيء خفيف كالطائر؟ لقد استخرج المزارعون في الصين مؤخراً، سلسلة من الحفريات لديناصورات طائرة الامر الذي يقدم اقوى دليل حتى الآن على ان الديناصور تطور الى حيوان طائر. ومع ذلك استمر نفر من العلماء في رفض هذه الصلة قائلين انه كانت هناك فروقات جوهرية كثيرة بين الديناصورات والطيور تحول دون وجود رابط بينها، والمطلوب هو «حلقة مفقودة» ـ دليل يؤكد النظرية بصورة نهائية. قبل عام من الآن، تم اكتشاف حفرية تقدم هذا الدليل، ويعتقد الخبراء ان اللغز الذي مضى عليه 140 عاماً قد حل أخيراً. كانت الفكرة القائلة ان الطيور المعاصرة تطورت من ديناصورات قد جرى اقتراحها لأول مرة في عام 1867 من قبل توماس هنري هاكسلي، وهو مدافع كبير عن نظرية التطور لداروين. فقد قام بدراسة حفريات اقدم طير معروف في العالم، كانت قد عثر عليها في جنوبي المانيا وكانت تثير اهتماماً كبيراً في الاوساط العلمية، وسرعان ما لاحظ هاكسلي التشابه المذهب بين الهيكل العظمي لهذا الطير القديم المعروف باسم «آركيوبتريكس» والهيكل العظمي بـ «كومبسوجناثوس» وهو ديناصور صغير مستخرج من الترسبات الجيرية نفسها، وباعتبار «آركيوبتريكس» نموذجاً مثالياً لاحدى «الحلقات المفقودة» التي اقترحها داروين، اعلن هاكسلي نظريته الجديدة حول سلسلة النسب الخاصة بالطيور.. وانقسم الرأي بين العلماء حول هذا الامر منذ ذلك التاريخ. لقد بدا من الواضح ان «أركيوبتريكس» كان له ريش وكان قادراً على الطيران. غير انه كانت له مع ذلك اصابع مخلبية على اجنحته وذيل عظمي طويل وأسنان. وفي هذا الصيف، سيتم وضع بقايا هذا الطائر القديم في ظهور علني نادر الى جانب مجموعة من الحفريات الصينية الرائعة لديناصورات طائرة في معرض جديد بمتحف التاريخ الطبيعي بلندن. وكما توضح الباحثة في المعرض جين مينوارنج، فان «هاكسلي ومن بعده جيرهارد هيمان اشارا كلاهما الى وجود صلة بين الطيور والديناصورات المفترسة، ولكن كلا منهما كان يفتقر الى الدليل المقنع ـ الذي توفره الحفريات الصينية الآن». ولم يتم اكتشاف الدليل الاحفوري إلا في الاعوام الخمسة الاخيرة، وقد جاءت جميع الاكتشافات المهمة تقريباً من منطقة تقع شمال شرق الصين، وتدعى لياوننج، وهي واحدة من اغنى المناطق بالحفريات في العالم، وفي هذا المكان، عملت ثورات بركانية حدثت قبل 124 مليون سنة على طمر بيئة تحيط ببحيرة كانت تعج بالحياة البرية، وقد حفظت الكثير من المستحاثات بشكل جيد في الرماد البركاني الناعم، وحتى ان بعضها لايزال يحتفظ ببعض بقايا النسيج الرخوي، وفي هذا المكان، تم العثور في عام 1996 على مستحاثة لمخلوق اسماه العلماء «سينوسوروبتركس» وهو حيوان يشترك هيكله العظمي في صفات عديدة مع الهيكل العظمي للديناصور المفترس «كومبسوخباثوس» ولكن بدا ان لديه كساء من الريش، وتبع ذلك اكتشافات اخرى لديناصورات مشابهة تختلف في الحجم ومقدار كسوتها من الريش. وبالنسبة للمتشككين بوجود صلة بين الديناصورات والطيور، فإن هذه المستحاثات الرائعة لم تكن كافية. وقد اقترحوا بأن الصور المنطبعة في الذهن عن العثور على شيء يشبه الريش كانت نتيجة اختلاط هيكل عظمي لطائر مع الهيكل العظمي للديناصور اثناء دفنهما، وذهب آخرون الى القول بأو اوجه التشابه بين الطيور والديناصورات ربما تطورت بشكل مستقل أو ان العلامات التي تشبه الريش في الحفريات هي شيء آخر مختلف تماماً. استمر البحث بعد ذلك عن حفرية أصلية تظهر، بشكل لا يدع مجالاً للشك، الصلة بين أول طير معروف «آركيوبتريكس» وأقرب المقربين اليه من الديناصورات. وعرف الخبراء انهم بحاجة الى حيوان انتقالي يظهر جميع التفاصيل العظمية وكساء من الريش لكي يتمسكوا بموقفهم وقبل عام فقط، شاعت تقارير تتحدث عن اكتشاف جديد في الصين. وكان هذا الاكتشاف هو أول حفرية شبه مكتملة لديناصور محفوظ جيداً يبلغ عمره 1241 مليون سنة، كان مغطى من رأسه وحتى ذيله بزغب ناعم وريش بدائي. كانت تفاصيل الديناصور الجديد الذي اطلق عليه اسم «دروماصور» واضحة جداً بحيث اتاحت للعلماء رؤية الاختلاف والتنوع في ريشه، ولكن هناك نقطة مهمة ينبغي الاشارة اليها، وهي ان هذا المخلوق لم يكن طائراً بالمعنى الحقيقي للكلمة، فالريش الموجود على جسمه لم يكن ريشاً للطيران، وانما هو زغب ناعم يغطي الجسم. والاستخدام الرئيسي لها كان يتمثل في مساعدة الحيوان على ضبط درجة حرارة الجسم. وقد اعتبر الباحثون من امثال دكتورة مينوارنج ان الحلقة المفقودة بين الديناصور والطير، فهو يملك هيكلاً عظمياً كالديناصور وريشاً ناعماً كالطير، مما يدل على ان الطيور الحالية ما هي إلا اشكال متطورة عن الديناصورات. ضرار عمير