ولد فرانسوا مورياك في مدينة بوردو الفرنسية سنة 1885، توفي والده وعمره سنة ونصف السنة تاركا أمه مع خمسة أولاد، كان فرانسوا أصغرهم، صُدم بوفاة والدته عندما كان عمره ثماني عشرة سنة، وظل يعاني طوال حياته من الازمات الصحية والنفسية، أبرزها إصابته بالسرطان في لسانه، درس الأدب في مدينة بوردو التي كانت مسرحا لمعظم رواياته ثم في باريس، وكان ابنه كلود مورياك هو الآخر روائيا مشهورا، حاز فرانسوا مورياك على جائزة نوبل في الأدب سنة 1952، كتب في كتابه «الروائي بشخصياته»: الفنان في طفولته يختزن المشاهد والصور والكلمات وحتى النكت والدعابات وهي بدون أن يدري تعيش في داخله ثم تظهر في الوقت المناسب. تكشف روايات مورياك عن أسرار الوجود الانساني ورغبة الإنسان الدفينة في توحده مع الطبيعة، وتركز على موضوعي الخطيئة والحب، وتتميز بلغتها الجميلة ذات البعد النفسي ويتجلى ذلك في روايته «عقدة الأفعى» التي تحدث فيها حول صراع اخوة على الميراث بحضور والدهم المحامي المحتضر، وتألمه وهو المحامي الناجح أن يجد أبناءه يتعاملون معه في ساعاته الأخيرة على أنه ثروة طائلة سوف يمتلكونها، ومن أشهر رواياته أيضا «دروب البحر» و«تيريز ديكير» و«قبلة للمجذوم» و«نهاية لي» و«صحراء الحب» التي نشرها سنة 1925وهي الرواية التي أهلته للفوز بجائزة الاكاديمية الفرنسية سنة 1932، بعد أن فازت بجائزة القصة الكبرى من المجمع اللغوي الفرنسي، كما كتب عدة مسرحيات أهمها «اسمودي ـ 1938» و«الجحيم فوق الأرض-1951». هذا فضلا عن أشعاره التي جمعت تحت اسم «دم آنيس -1940» ومؤلفين عن المسيح عليه السلام «حياة المسيح-1936» و «ابن الانسان-1958». نبذ مورياك العنف وتأثر بعمق لسقوط بلاده تحت الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية حتى إنه شارك في المقاومة ضد ذلك الاحتلال، وفي المقابل عشق مورياك الطبيعة التي تربى في أحضانها، وسافر في أنحاء العالم، وكان صديقا لبروست وأندريه جيد والجنرال شارل ديغول، وقلده الأخير وسام الشرف الأكبر سنة 1958. وعُرف عنه غزارة الانتاج الأدبي حتى إن أعماله الكاملة نشرت في 12 مجلدا بين سنتي 1950- 1956، فضلا عن يومياته الضخمة، كتب مورياك منذ سنة 1939 سلسلة مقالات في جريدة «الفيغارو» الفرنسية عبر فيها عن وجهة نظره في الحياة والأدب. يرى الدكتور نبيل راغب مؤلف كتاب «أدباء القرن العشرين» أن الصراع الدرامي عند مورياك يبدأ عادة بأزمة تدفع بالشخصيات إلى استرجاع الاحداث الأساسية في حياتهم، فغالبا ما تبدأ رواياته من حافة نهايتها وهو الأمر الذي نراه بوضوح في روايته «صحراء الحب» موضوع بحثنا. كان ريمون كوريج وهو في سن الخامسة والثلاثين مزهوا بأنه من جيل ما بعد الحرب، يُمني نفسه بلقاء «ماريا كروس» التي يرجع إليها الفضل في تحويله من مراهق متحفز إلى إنسان جديد، اكتسب رجولة دائمة منذ أن التقاها قبل سبعة عشر عاما، تمنى لقاءها لا ليشكرها وإنما ليشفي غليله منها بالثأر! لذا كان يلاحق في الطرقات أية امرأة يُحتمل أن تكون هي، وعندما هيأ له القدر مواجهة هذه المرأة عينها، لم يشعر على الاطلاق في البداية بنوع من الفرح الممزوج بالغضب، وهو الأمر الذي يُحدثه مثل هذا اللقاء عادة، التقاها في حانة شارع ديفو قبل العاشرة مساء ورغم أنها طرقت الاربعين وقد قصت شعرها، وازداد وزنها وترهلت رقبتها وخديها ، عرفها وهو يستعرض في خياله صباه، وتساءل هل ستعرفني؟ وهل ستدير وجهها لو عرفتني؟ وفاحت رائحة الرغبة، التي ما زالت قائمة كما كانت قبل، فهو يريد أن يريها أي نوع من الرجال هو، هؤلاء الذين لا يقبلون أن تسخر منهم أنثى أو تلهو! تذكر ريمون شهور الصيف في بوردو، تلك المدينة التي تحميها التلال من رياح الشمال وتظللها أشجار الصنوبر في أطرافها فضلا عن أكوام الرمال التي تتجمع وتتركز فيها الحرارة، تذكر حينما بلغ السابعة عشرة من عمره حين احتجز هو مع ستين صبيا، وكان على اثنين من المشرفين الوقوف في وجه قطيع الصبية الموشكين على الموت، وتذكر كيف كان يبث الخوف والرعب في نفوس أساتذته لدرجة أنهم عزلوه مرارا عن باقي زملائه، في الوقت الذي ينظر إليه زملاءه المجتهدين على أنه تلميذ قذرٌ يُخفي في حافظته صور النساء، ويقرأ وهو في الكنيسة رواية أفروديت التي يخفيها تحت كتاب الصلوات، ولهذا يقولون عنه أنه فقد الايمان! ومع ذلك كان ينجح بتقدير أقل من المتوسط ، وطافت الذكريات، رغبة في الهرب عبر طريق اسبانيا الكبير أو الانتحار لأنه آمن يوما أن الموت هو أسهل طريقة للخلاص. أما والده الطبيب كوريج فكان يضاعف من نشاطه حتى يوفر لنفسه خلال أيام العمل تلك اللحظات السرية، لكي يهنأ بلحظات التأمل والحب الصامت مع «ماريا كروس»، هانئا بالفراغ محتبسا أنفاسه وهو يتأمل المرأة الممدة في فراشها قبل أن يلحق بها ليمارسا طقوس اللذة، وبرغم أن العمل كان يستغرق كل وقته فإنه كان كلاعب الشطرنج الماهر، يمكنه بنظرة خاطفة فتح الثغرات التي ينفذ منها، تاركا زوجته التي عاشت لسنوات بدون أن تعلم أن زوجها كان يهجر معمله في أمسيات كثيرة تاركا مرضاه يجتَرون الألم. أما «ماريا كروس» فقد كتبت رسالة إلى الطبيب ضمنتها رغبتها بالفراق، آملة منه أن يتفهم رغبتها في أن يبقيا أصدقاء، وقد أنهت رسالتها قائلة: وأخيرا قُل لي يا عزيزي الطبيب، ماذا يهم لو أننا لم نلتقِ بعد اليوم؟ فإرشاداتك تكفيني، ونحن متحدان حقا أكثر مما لو كنا معاً، ويا ليتك تستمتع بما كتبه في هذا المعنى ببراعة «موريس بترلنك» حين يقول: سيأتي زمن ليس ببعيد تحس فيه النفوس بعضها ببعض بدون وساطة الاجساد.. اكتب لي يا موجه ضميري العزيز، فرسائلك تكفيني! عانى الطبيب من ذلك كثيرا ولم تبقَ لديه رغبة سوى أن يدير ظهره للمعركة، وأن يدفن نفسه في شيخوخته، رغم أنه يؤمن في أعماقه حتى بعد بلوغه الثامنة والخمسين أن الزمن لا يزال يسمح بأن يتذوق السنين المتسمة بالسعادة التي ربما يسممها وخز الضمير، وبعد انتظاره شهرين لـ «ماريا كروس» بدون جدوى في غرفة استقبالها «غرفة الترف والبؤس» وهو يستعيد صورتها في مخيلته، ألقى سلاحه في نهاية الأمر! وشيء واحد يغضبه كل الغضب، هو التفوق في تنسيق الانحطاط عند المنحطين، وإن أقصى ما يبلغه الإنسان من انحطاط هو أن ينبهر بقذارته وكأنها قطع من الألماس ؟! هكذا فتنت ماريا كروس الطبيب المشهور بعد أن تجمدت سعادته مع زوجته لكي يحبها هي بقداسة، بينما هي توهمه بحبها له، وبنفس السلاح الأنثوي فتنت إبنه ريمون فيما بعد في ظل موجه عارمة من عاطفة الأمومة بعد موت طفلها الصغير مؤخرا، ولكنها كانت تُحدث نفسها: إن لعبة الحب بسيطة للغاية، حتى إن الصبي ليدركها عند أول غرام يصادفه، وإذا قُدر لها ألا تفوز بهذه الثمرة فلماذا تمنع نفسها من أن تتخيل مذاقها الغريب، فحبها لهذا الفتى البعيد المنال يستعر؟! علم الفتى ريمون بسر أبيه وشعر بميل غريب إلى البكاء الممزوج بالغضب والسخرية، ومرض الأب، ظل طريح الفراش، واختفى ريمون ستة أيام متتالية، ومنذ الليلة الأولى التي عاد بها ريمون أصر على رعاية أبيه والسهر على سلامته وهو يشعر بالاشفاق العميق عليه. هكذا تداعت الذكريات سريعة في ذهن ريمون عندما التقاها في حانة ديفو، وكان يرتاع من أن تتكون تحت نظرات هذه المرأة صورته كصبي! أما هي فكانت تحس في قرارة نفسها أنها محصنة ضده، وأنها بعيدة عنه بما تملكه من خبرة بالحياة خلال سبعة عشر عاما، كان فيها الشاب قد سلك سبيله ككلب خافض الرأس، متجاهلا كل الذين اعترضوا سبيله، ولكنها تساءلت لماذا لم يبتسم لها؟.. ثم تجاذبا حديث الأيام الخوالي، أراد ريمون أن يثير غضبها لكنها كانت باردة كالثلج، وفهم منها أنها تزوجت من الدكتور لاروسيل والد صديقه برتران الذي أفرط في الشراب حتى سقط مغشيا عليه إثر مقدمة ذبحة صدرية، فنقله ريمون بمساعدة ماريا إلى البيت قبل أن يطلب ريمون من والده المجيء باسرع ما يمكن من باريس لعلاجه، وهنا تجمع الثلاثة في مكان واحد لإنقاذ زوج ماريا والذي بسببه تركت الطبيب كويرج الذي كان يمكن أن يحل محل الزوج ، وبسببه تركت ريمون الذي كان يمكن أن يحل محل إبنها الميت لأنها لم ترتوِ من عطش الطمأنينة ومن عطش الحب!