تصبح عملية الاحاطة بالنشاط الفكري والادبي لشخصية مثل كارلوس فوينتس نوعا من عملية معقدة طالما انه يبدع في شئون مختلفة ذات صلة بالثقافة والمجتمع عموما، من هنا لايمكن ان نطلق عليه روائيا مجددا وحسب في خارطة ادب اميركا اللاتينية عموما والمكسيك بلده، خصوصا، بل يصبح ناشطا كليا في مختلف العناصر الواقعة تحت نمط ما نسميه «المثقف الجامع» في كتابه الجديد هذا والذي يقع تحت بند «انسكلوبيديا منتقاة» نرى فوينتس لا يضطلع بمهمة الباحث في التنقيب عما يدور في ذهنية البشر ومحاولا الاجابة عنها باجابات شافية، بقدر ما يلجأ لها لشرح ماهية حياة البشر في ضوء تلك المصطلحات والنقاط المهمة المطروحة على مدى حياة البشر انفسهم، وهو في كتابه القاموسي هذا نلاحظ نظرته التجريبية الشاكة، المؤدلجة والمغيبة في احيان عديدة وراء مقتطفات ونصوص وآراء الغير وهو في هذا يتابع نوعا ما الخط الذي رسمه آخرون عندما شرعوا سابقا في بناء كتب على مجموعة من المفردات التي اعتقدوا بأهميتها لديهم ولدى الآخر كما في اعمال سابقة لكتاب مثل: سيزار بابيس، نورمان ميللر، كلاوديو ماغريس، لويس بورخس، انطونيو تابوشي وغيرهم. في «بهذا اعتقد» يرسم فوينتس لوحة متقطعة متشظية من مجموع ما وجد بأهميتها في حياته الفكرية مبتدئا بأول كلمة تبدأ بالحرف الاول (A) في الابجدية الاسبانية حتى آخر حرف فيها (Z) انتقالات عشوائية حسب ما يذكر فوينتس نفسه ولكنها ضربات حادة ومتكاملة الواحدة مع الاخرى لفهم منطق ورغبة ورؤية واحد من اهم كتاب اميركا اللاتينية في عصرنا الراهن. في هذا القاموس الابجدي يكتب فوينتس ولا يخرج الا ما ندر، عن عالمنا الذي نعيش، حول عناصره المتعددة حول الادب والثقافة واثرها في هذه الحياة، كل ذلك بنوع تقريبي يجعل من الكتاب بندا فكريا او نوعا من بيلوغرافيا (سيرة) شخصية متداخلة في حياة واعمال فوينتس وعالمه، كتاب مزيج من العناصر الادبية، وهو مشروع قاموس خاص، وكأنه نوع من كتب الاعترافات السرية، او ما يمكن ان نطلق عليه اسم «غرفة الصدى» التي اشار لها القديس اغوستين، والكتاب على اية حال لا يخرج عن خيال فوينتس الروائي لانه في فقرات عديدة منه يشبه نوعا من قصص متداخلة، او على الاقل مؤمنا بما قاله شتاينر على ان هذا النوع من القواميس الشخصية، هو في الواقع «مختصر رؤية الشاعر للعالم». كتاب فوينتس الاعترافي «بهذا اعتقد» يضم اكثر من اربعين مفردة انتخبها فوينتس من ضمن قاموسه الخاص ليلقي الضوء عليها ففي مفردة صداقة التي يبتديء بها القاموس (في اللغة الاسبانية تبدأ بحرف أ) نرى بأنها (الجامع البدئي لتكوين الشرط الانساني، منذ لحظة الاهتداء الاولى للطفولة) اما في «الانا» فمعها يعود فوينتس الى معضلة الهوية، عن الفرد وقناعة القضية المكسيكية الخالصة التي تطرق لها ولأكثر من مرة ابن بلده اوكتافيو باث، والتي تذكرنا بأكثر من جانب من جوانبها لشخصية رودريغو بولا بطل روايته المهمة (الاقليم الاكثر شفافية 1958) في مفردات مثل الجمال، الغيرة والنساء يحيلنا الى نقطة التشابك في الذات البشرية ما بين الاندماج والسيطرة، اما في نصفه الممتع عن «بونويل» السينمائي الاسباني المعروف، فهو نص مكمل لمفردة صداقة التي ابتدأ بها قاموسه والتي يلخص علاقته مع بونويل الصديق بجملة تبرز معنى الصداقة، اذ يقول: هي معرفة ان تكونا معاً حتى بدون قول كلمة واحدة، في مفردة «إله» يصبح النص عملية تغلغل لتكوين حوار انساني، ننقله كما يرد في كتابه: باختصار، هل تؤمن بالرب؟ ـ باختصار هل يؤمن الرب بي؟ ـ اما انا فأبقى مع اجابة باسكال حين قال: انا أؤمن بالرب، لانه اذا ما وجد فإنني سأخرج ظافراً والا فلن اخسر شيئاً! والمفردة نفسها تعود بهيئة اخرى عند الحديث عن «المسيح» وفيها يجد فوينتس الفرصة لنقد التحول المصيري الذي انتهجته الكنيسة بتغيير معالم هذه الشخصية وابعادها عن غرضها الحقيقي، الى درجة ان تصبح فيها الكنيسة بمثابة المالك لمصنع صورة المسيح حسب كلمات فوينتس، وهو مدخل رأى فيه الكاتب فرصته لنقد المؤسسة الكنسية. وفي تحوله الى مناقشة المجتمع المدني فإنه سيخرج لفضاء اوسع في قراءة مستقبل اميركا اللاتينية وخلاصها من الطغاة والتشتت القومي، عندما يخلص في النهاية بأن الخلاص بإعادة السلطة الى الناس، اما في مفردة التربية فإنه يلخصها على نحو ان الثقافات تفتقر في حالة الانعزال وتزدهر في حالة التواصل في القارة اللاتينية، وفي الثورة ستحيلنا هاتان المفردتان الى جملة من الآراء التي تطرق لها سابقا في كتب له مثل: المرأة المدفونة 1992 او رواية موت ارتيميو كروث 1962 عندما يشير لخصوصية ابناء قارته بالتالي: كلنا خلاسيون وابناء لهذا اللقاء في اشارة لتمازج المصير الانساني عبر تاريخ القارة ككل، القارة المزيج في الاثنيات والاديان والقوميات. ولكن ليست كل المفردات المنتخبة تحيلنا الى رؤيته الفكرية العالية، ومحاولته البحث عن ركائزها في الايديولوجيا او الذهنية البشرية بل ان بعضها لن يجد له جوابا اكثر من العودة الى الخيال وطرحها عبر رؤية قصصية مغلفة، كما في مفردة حب والتي يسرد فيها هذه القصة: في مقاطعة يوكاتان، الماء لا يرى ابدا، لانه يجري في الطبقات الباطنية للارض، تحت تراب وحجارة حامية، احيانا، هذا الجلد اليوكاتاني يزهر بهيئة عيون ماء بهيئة بحيرات جارية التي يطلقون عليه ـ سنوتيس ـ التي تمنح الاعتقاد التام بوجود هذا الغموض التحت ارضي، انا اعتقد بأن الحب مثل الانهار الخفية والتشكيلات المفاجئة في يوكاتان. اما في اجزاء الكتاب الاكثر خصوصية والاكثر احساسا باقتراب كارلوس فوينتس من مسألة الاعترافات الشخصية الخاصة فهو الجانب الذي يتطرق لمفردات لها علاقة بالفكر والادب، وهي كثيرة بعضها عام وبعضها الآخر اكثر تحديداً كما في مفردات: القراءة، الادب، الرواية، كافكا، فولكنر، الدون كيخوته، وتنشتاين واسماء اخرى، لكن دون شك واحدة من هذه الاعترافات القاموسية تخص رواية العبقري الاسباني ميغيل ثربانتس، وهي الدون كيخوته. فعبر ثلاث صفحات كاملة نكتشف تعلق فوينتس ورؤيته العميقة لهذا العمل الادبي، فهو اضافة لكونه كتابه المفضل، والذي يعود لقراءته مرة كل عام إلا انه يجده كتابا جامعا ليس لخصوصيته النثرية الروائية بل بتكوينه الفكري ورؤيته للعالم والذي لا ينفصل بالمرة عن عالم اليوم، رؤية الرجل المتوحد بعالمه الى درجة تجعله يخرج منازعاً العالم نفسه وفق ما قرأه ورآه وآمن به، وقراءته هنا للدون كيخوته انما هي عودة في الواقع لقراءة واسعة سبق ان كتب عنها في واحد من افضل كتبه النقدية المعنون: ثربانتس او نقد القراءة 1972، اما نقطة الالتقاء المعاصر مع روائييه المفضلين فإنه يخصص صفحات كاملة لكافكا وفولكنر، الذي يصفه بكونه الكاتب الاكثر تراجيدية في الادب العالمي حتى اليوم، وكذلك دون ان ينسى التنويه بأعمال اديث شتاين وسيمون ويل وأسماء غيرها. بعض المدن التي يتناولها فوينتس في كتابه، انما يعود لها بسبب من ذكرى بعيدة او اعجاب بأحد كتابها، كما الحال مع مدينة زيوريخ، او ان يتناول احد الحيوانات لاجل التطرق لمسألة اخرى مغايرة كما في نصه عن «الحمار الوحشي» التي يسرد فيها تاريخه منذ ان كان بلا خطوط في جسده سوى في المنطقة العليا وستجتاحه الخطوط في وقت لاحق ليصبح مميزاً بها لا يغيرها، وهو في مدخله لذلك من اجل الحديث عن رؤيته في مسألة الادب السحري او العجائبي. في جوانب اخرى اكثر خصوصية سنتعرف على عالم فوينتس، العائلة، الابناء، الاصدقاء، اسماء في السياسة والمجتمع، وهي رؤى وان جاءت خارجة عن نمط الكتاب نوعا ما إلا انها في خروج آخر، مكملة لمفردات اساسية في قاموسه المعرفي هذا، وكمثال على ذلك، فإن الموت مفردة متصلة مع ذكرى احد ابنائه المتوفين في الفترة الاخيرة، ان عمل فوينتس الفكري هذا ليس سوى خطوة تقريبية لمناخ كاتب عالمي مهم قرأنا اعماله الروائية والنقدية الاخرى، ونشكل بها مع هذا القاموس احجاره المتناثرة هنا وهناك مفردات تخرج عن واقعها الى عالم فنتازي خالص، وعوالم فنتازية تكتسب رؤية واقعية خالصة. عبدالهادي سعدون