بيان الكتب: في كتابه الجديد «اوراق مشاكسة» للكاتب والصحافي السوري احمد يوسف داوود يرى فيه ان هذه المقالات التي يضمها الكتاب هي مقالات تلامس بهذا القدر او ذاك من التعمق مشكلات وقضايا ذات صلة بآثار الوضع الحضاري العالمي، الراهن وانعكاساته على حياتنا العربية حسبما تتبدى في نماذج واتجاهات في الفكر والادب. حيث يعتبر ان الوضع الحضاري العالمي الراهن هو بداية مرحلة انتقالية في البنيان الحضاري الرأسمالي القائم منذ قرون وهي مرحلة ستسفر عن جديد في نهاية الامر ربما لا يكون ثمة مكان فيه الا للامم التي عرفت كيف تحل مشكلاتها التي خلقتها وتخلقها الفعالية الابتزازية والنهائية التدميرية للهيمنة الرأسمالية الامبريالية على الارض لا بل ان المتشائمين من الدارسين المستقبليين يرجحون حدوث كوارث مختلفة قد لا تسمح الا لقلة قليلة من بشر الارض بالبقاء والعيش وفي مدى زمني قريب. فالمرحلة الانتقالية المشار اليها ليست وليدة بضع سنوات او عقد او عقدين من الزمن، بل هي محصلة تراكمات تاريخية لفعالية الرأسمال ولتطوراتها علميا وتقنيا واقتصاديا وعسكريا وسياسيا وثقافيا منذ ابتداء ما يسمى بنهضة اوروبا، فقد كانت الحرب العالمية الثانية بداية انعطاف حاد في معطيات تلك الفعالية واثارها على العالم كله. ويشير احمد يوسف داوود في تقديمه «لاوراقه المشاكسة» الى جملة امور تخص اوضاعنا العربية حيث كان الوطن العربي ولايزال هو الاكثر استهدافا للفعالية الرأسمالية الغربية لاسباب كثيرة حيث ولد ذلك الاستهداف مزيدا من المشكلات المزمنة وفاقمها وجددها واضاف عليها. وتحت وطأة ذلك لم يصبح العرب مجرد مستهلكين نمطيين لنفايات الانتاج الحضاري الامبريالي المادية منها والثقافية ومجرد منفعلين لا فاعلين ومن موقع التبعية بمختلف اشكال القوة بمعطيات النمط الحضاري الرأسمالي بل اصبحوا ايضا مثالا نمطيا للعجز المزمن والمتفاقم عن حل اية مشكلة تواجههم مهما كانت درجة حيوية حلها ومهما كان طابعه المصيري بالنسبة اليهم. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين تجلت التبعية في الفكر والادب تجليا كشف مع نهاية مرحلة الحرب الباردة لا عن صورة مضحكة ـ مبكية مؤسفة وحسب بل ايضا عن زيف وعي عام كانت له اسوأ النتائج والمردودات حتى الآن. فمع انتهاء الحرب الباردة اخذ التخبط الفكري في فهم الذات والهوية وعلاقتهما بمستجدات حركة العالم يتزايد بوتيرة فادحة فاضحة لدى غالبية المشتغلين بقضايا الفكر بينما دخل الادب باجناسه المختلفة في انفاق تبدو مسدودة، وفي الوقت ذاته برزت هشاشة التكوينات البنيوية ـ المجتمعية والدولتية معا واخذ النكوص نحو البنية القرابية الانحطاطية بخرافية وعيها وبدائية علاقاتها يشتد مع اشتداد العجز والتخبط أمام المعطيات الجديدة للفعالية الامبريالية التي صارت عميقة التحصين بوضوح بالغ. وعن الكتابة ومشكلاتنا في النصف الثاني من القرن العشرين يتساءل الكاتب السوري هل التقدم التقني المرتبط بانتاج الأدوات والسلع ومختلف الأشياء التي تعطي الوجود الإنساني مظهرا خارجيا بالغ الثراء والغنى وحقائق داخلية روحية بالغة الفقر وسيكولوجية بالغة التصدع الى حد تبديد الشخصية وقيمية بالغة السطحية والاهتزاز والابتذال، مع ما لا يحصى أو يحصر من المخاوف الفردية والجمعية الصغيرة منها والكبيرة، اضافة الى حقائق شاذة أو بالأحرى مفزعة الشذوذ في التركيب الاجتماعي الانساني الذي يبيح لبضعة ملايين من البشر المتمولين والمتحكمين أن يسيطروا على مصائر عدة مليارات سيطرة استعبادية تدميرية وشمولية.. هل هذا التقدم هو التقدم الانساني الفعلي أم انه النسخة الزائفة لما يجب أن يكون، فالوضع البشري الراهن ليس أكثر من وضع انتقالي اجمالي على المستوى الكلي الراهن، هذا الوضع الانتقالي لا يمكن له أن يطول حتى لبضعة عقود وذلك بسبب التسارع الشديد في وتائر انتاج عناصر التغير وفواعله الأمر الذي يسرع حركة التاريخ ذاتها بحكم انعكاساته على أوضاع القوى البشرية المختلفة والمتناقضة والمتصارعة علنا أو ضمنيا. وما يمكن استنتاجه بسهولة من ذلك هو ان الاستقطاب الاحادي القائم محكوم عليه ألا يبقى كذلك في الحاصل الأخير وبالتالي فإن قيادة أمريكا لمجريات حركة الأوضاع الدولية الآن هي قيادة مؤقتة وعارضة فما الذي سيحدث حين تنحسر هذه القيادة أو تزول. حول قضية الكتابة والكاتب ـ المفهوم والوظيفة وعلاقتهما بالعملية الاجتماعية يؤكد أحمد يوسف داوود ان الكتابة فعالية يقوم بها الكاتب أديبا كان أم باحثا أم مؤرخا أم ناقدا أم مفكرا أم فيلسوفا حيث هو يدون تمثلاته لطبيعة الوجود الانساني وابعاده ومعناه ولآفاقه وغاياته ووسائله وداخل هذا التدوين يسجل عواطفه ورغباته وانفعالاته الذاتية تجاه مختلف القضايا التي تثيرها كيفية تلك التمثلات وكل ذلك خاضع لشروط مركبة من معطيات الزمان والمكان. ويؤكد الباحث في كتابه الجديد ان احدى النتائج الكبرى لتلك الهيمنة الثقافية على الوطن العربي هي احباط المشروعات النهضوية القائمة اساسا على تحديث الثقافة العربية وقد بات المعنيون جميعا بحداثتنا الثقافية يعترفون بفشل تلك المشروعات النهضوية ويبحثون عن بدائل حيث يبدو وفي ظل التخبط والفوضى انعدام المعيارية الموضوعية في التقويم اذ هي لا ترتكز الى مرجعية غائية تنتج منظومة قيم جمالية مهمتها اظهار الدلالات المتناغمة مع الحاجات الحقيقية لمجتمع او «خليط مجتمعات» يسعى الى ازاحة الهيمنة ومنعكساتها ومستجراتها والى الاستجابة الصحيحة للتحديات الحضارية الكبرى التي صارت اليوم تهدد كل مجتمع فقد مشروعه النهضوي بالافناء اكثر ما تعده بالبقاء. ويشير الباحث السوري في هذا الاطار الى ان ضرورة تجديد البنيان الثقافي العربي لابد له من اعادة تمثل التراث العربي الاسلامي في ضوء الاحتياجات التي تفرضها تحديات العولمة وبالاستناد الى مصدر هذا التراث القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حيث لابد من اعتماد منظومة القيم الاساسية المقرة فيها من ايمان وتوحيد وعدالة ومساواة ويسر وجهاد ضد الشر ونفي للخرافة اضافة الى طلب العلم وأخذ «بالمصالح المرسلة» التي استنبط الامام محمد عبده اصلها من السنة النبوية الشريفة واعادة استبناء ذلك كله في نسيج ثقافي واضح الاستهدافات بحيث يراعي كرامة الانسان العربي وحريته وحقوقه العامة والخاصة مراعاة تحفز طاقاته الابداعية وتضعها في نطاق الحفاظ على الخصوصية القومية والهوية الحضارية المتمايزة دون شوفينية او عرقية او استعلاء... ورفع ذلك كله الى مستوى عال من التفاعل الانساني السوي المتوازن الذي يحقق للبشرية الخير والعدل والسلام في اطر التسامح والنبل والعمل الدائم على مكافحة الشرور ورفع الظلم بمختلف الوسائل عن سائر المخلوقات الانسانية وسائر الامم والمجتمعات. اما القسم الثاني من الكتاب الجديد فيأتي في اطار القضايا الفكرية والمناقشات، فيما جاء القسم الثالث بمثابة مقالات ومراجعات في الادب واللغة. فعن حق التجريب المستمر يرى احمد يوسف داوود ان التجريب هو ابدا طريق الابداع والتجدد وفي الادب يبدو التجريب للأشكال الممكنة ولاستكشاف الطاقات الكامنة في اللغة عبر انماط جديدة من الاداء نوعا من الضرورة الواجبة حيث لا شرط هنا الا شرط التقيد بالأسس العامة للبنيان الثقافي القومي الخاص بالأمة حيث يستلزم ذلك شرط التقيد بالتوجهات التي تمليها ظروف العصر حرصا على تمايز الهوية وضمانا للبقاء والازدهار في مستقبل حضاري يبدو مقلقا الى حد كبير. كذلك الامر بالنسبة الى القديم والجديد عند المثقفين العرب ومقاربة في العلاقات بين السياسة والثقافة والاعلام وملاحظات حول علاقة الاعلام بالأدب وعالم لا يستحق حتى الرثاء... هي عناوين مقالات ضمها الكتاب الجديد. ميساء العلي