بيان الكتب: هذا هو الكتاب الثاني للمؤلف، فانسان سيسبيد، بعد عمل كان قد اصدره العام الفائت تحت عنوان: «الحب التلفزيوني» الذي كان قد لاقى نجاحاً كبيراً. والمؤلف هو احد الوجوه الثقافية التي تتردد كثيراً صورتها امام مشاهدي التلفزة حيث انه يشارك في العديد من البرامج الثقافية المتنوعة. «كرزة على الاسمنت» هو عنوان شعري واضح.. ولكن مضمون هذا الكتاب لا علاقة له بالشعر ابداً.. وانما بالاحرى بالعنف في المدن وبالليبرالية العشوائية كما يدل عنوانه الفرعي. وقد باع هذا العمل بعد أسابيع قليلة من صدوره عدة آلاف من النسخ. ذلك ان مؤلفه الشاب، واستاذ الفلسفة في احد ضواحي العاصمة الفرنسية «الحساسة» يناقش الاسباب العميقة لتنامي ظاهرة العنف في الاحياء ـ الضواحي التي اصبحت مرادفة للمناطق التي تقطنها اغلبية من السكان تعود اصولها الى بلدان المغرب العربي وافريقيا السوداء من المهاجرين ومن ابنائهم.ان نقاش مثل هذا الموضوع اثار الكثير من الاهتمام لدى شرائح عديدة من المجتمع الفرنسي في سياق الحملات الانتخابية التي شهدتها الاسابيع الاخيرة المنصرمة في فرنسا، اي الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس جاك شيراك والتشريعية التي اوصلت اغلبية يمينية الى الحكم بدلاً من الاغلبية اليسارية السابقة في الجمعية الوطنية الفرنسية. وقد كان احد المواضيع الاساسية في هذه الحملات الرئاسية تركز على مسألة الأمن والعنف التي أشارت مختلف استطلاعات الرأي بأنها قد غدت في طليعة اهتمامات شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي. هذا الكتاب يحمل منذ صفحاته الأولى رسالة انذار واضحة عن هزة سياسية قد تكون قادمة من الأفق وان عمادها سيكون عشرات الآلاف من الشباب الذين يعانون من حالة تهميش اجتماعي تتفاقم أكثر فأكثر في الضواحي بشكل خاص، ان هؤلاء الشباب وغيرهم من الشرائح التي تعيش حالات مشابهة لما يعيشونه أصبحوا يشكلون ما يسميه المؤلف بمجموعات الضغط ـ اللوبي ـ الانتخابية لأولئك الذين يعيشون حالة من اليأس. ويؤكد المؤلف في التحليلات التي يقدمها على القول بأن وسائل الاعلام تلعب دوراً سيئاً في هذا السياق عبر تركيزها الكبير على «العنف المديني» بالاضافة إلى ضحالة المستوى الثقافي الذي يتردى أكثر فأكثر لدى الأجيال الجديدة من أبناء الضواحي، والذين يعانون عامة من أزمة هوية بسبب التوزع، كي لا نقول التمزق، بين حضارتين، حضارة الأهل وبلد المولد الأصلي، وحضارة بلد التبني، ويرى المؤلف بأن هذه الصورة لا تكتمل إلا إذا أخذ المراقب باعتباره واقع نسبة البطالة العالية التي يعاني منها المعنيون والتي قد تصل احياناً إلى حوالي 40% من مجموعة السكان القادرين على العمل، كل هذه المعطيات تؤدي في اطار المجتمعات الاستهلاكية التي تفتقر إلى التضامن، إلى خلل كبير في آليات عمل المجتمع، الأمر الذي تظهر نتائجه خاصة أثناء العمليات الانتخابية. ان المؤلف يكرس في هذا السياق صفحات عديدة من كتابة للحديث عن دور وسائل الاعلام وخاصة التلفزة حيث تحتل اخبار الجنح والجرائم والاحداث المثيرة المختلفة حيزاً كبيراً من اهتماماتها، الوجه المقابل لمثل هذا التركيز على العنف يتمثل في التأكيد على أهمية اللجوء إلى «العنف المقابل» من قبل السلطات العامة المعنية، ومثل هذا التوجه تتم ترجمته السياسية في الانتخابات المختلفة عبر اعطاء الثقة لمعسكر اليمين المعروف عنه تركيزه على المسائل الأمنية في برامجه الانتخابية، هكذا لايبدو فوز اليمين في فرنسا، ولكن أيضاً في سبع دول أخرى من دول الاتحاد الأوروبي مجرد صدفة، وانما استجابة و «توجه عام». وضمن هذا السياق أيضاً يرى المؤلف بأن وسائل الاعلام بمختلف أنواعها ومستوياتها ـ مع بعض الاستثناءات النادرة ـ لا تقدم في تعرضها لمشاكل «الضواحي» سوى رؤية «فلكلورية» سطحية إلى حد كبير مع التركيز على بعض الظواهر التي ما كان لها ان تنمو وتتعاظم بدون وجود التربة الملائمة. وهنا يذهب المؤلف بعيداً في «اتهاماته» حيث يضع الديمقراطية الفرنسية السائدة في «قفص الاتهام» ويرى بأنها «مباعة» لمتطلبات لعبة السوق الخاصة للولايات المتحدة الأميريكية، وحيث السيادة هي لمفهوم «الاستهلاك» و «المنافسة» بعيداً عن أي «تضامن ديمقراطي» هكذا يبدو ان «مشروع مارشال» جديد و«سري» يخيم على أوروبا، والاشارة هنا واضحة لمشروع مارشال الشهير الذي كانت تبنته الولايات المتحدة الأميريكية اثر نهاية الحرب العالمية الثانية من أجل اعادة تعمير «القارة الأوروبية» القديمة بغية ان تستعيد قوتها وتصبح شريكاً اقتصادياً له مصداقيته أيضاً. وتشكل «المدرسة» احدى المؤسسات الرئيسية التي يوليها المؤلف الكثير من اهتمامه وحيث يربط في تحليلاته بين مجموعة من «الشبكات» التي تتضافر جهودها من أجل دفع شرائح عديدة من الشباب بعيداً عن مركز القرارات الحيوية الخاصة بالبلاد،انه يتحدث في هذا السياق عن آثار العولمة ومفاهيم اللبرالية «العشوائية» بالصورة السائدة وعلى دور وسائل الإعلام وما تنتجه من «ثقافة جماهيرية» ويراها تسير في طريق مسدود لا تلعب المدرسة أي دور في سبيل فتح آفاق جديدة، كما ينبغي ان يكون دورها. اضف إلى هذا واقع «القطيعة» التي تتفاقم أكثر فأكثر بين «الأجيال الجديدة» من المعلمين و«الأجيال الجديدة» من الطلبة في اطار حركة «افقار ثقافي» معممة. ولا يكتفي المؤلف بالتشخيص ولكنه يقدم ما يراه بمثابة العلاج الذي لابد من اعتماده وسريعاً، للخروج من حالة «الاغتراب» التي تعيشها شرائح من الشباب تتعاظم وتتسع، المطلوب هو «اعادة صياغة كاملة وفورية للمنظومة التربوية كلها». تجدر الاشارة هنا إلى ان النظام التربوي الفرنسي قد شكل موضوعاً لعشرات الكتب خلال السنوات الأخيرة، وإلى جانب النظام التربوي يؤكد المؤلف أيضاً بأنه لابد من وضع خطط لـ «تحرير» العقول، وخاصة عقول الشباب، من حالة «التشوش» التي خلقتها السياسات الدعائية والاعلانية في المجتمعات الغربية عامة والتي لا تستحق ان يشاهدها أحد بينما يعد مشاهدوها بالملايين في واقع الأمر. ولا يتردد المؤلف في التأكيد بأن اتخاذ بعض الاجراءات انما تستدعيها حالة الخطر، التي تعاني منها اجيال من الشبيبة في ضواحي المدن الكبرى دفعتها أوضاعها المعيشية والاجتماعية والسياسية إلى الابتعاد عن السياسة والضحالة الفكرية وفقدان الفعالية». ولعل الأهمية الأساسية لهذا الكتاب تأتي من خلال طرحه للمشكلة التي يتم التعبير عنها ب«مشكلة الضواحي» بكل صراحة ووضوح بعيداً عن لغة رجال السياسة وحساباتهم، خاصة الانتخابية منها، وإذا كان مؤلف هذا العمل قد نال شهرته من خلال المناقشات التلفزيونية العديدة التي ساهم بها فإن هذا الكتاب يؤكد طموحه في ان يكون صوت «الذين لا صوت لهم» وقد جاء حديثه مشبعاً بالحماس وبقدرة الاقناع فهو شاب لم يبلغ الثلاثين بعد، واستاذ لمادة الفلسفة في أحد الضواحي التي يتحدث عنها. كتاب.. صرخة انذار للتحرك قبل ان يفوت الأوان ويحدث الانفجار و«القدر يغلي» فإما.. وإلا