ميشيل روستي المؤلف الرئيسي لهذا الكتاب فهو «جاك الفرنسي» الذي كان قد امضى عدة سنوات في سجون القولاق في مناطق سيبيريا التي عرفت الكثير من معسكرات الاعتقال والسجون والمستشفيات «المصحات العقلية» ـ السجون في ظل حكم جوزيف ستالين وما بعده، وكان جاك روسي المولود عام 1909 قد قدم ايضا شهادات سابقة عن تجربة المنفى السيبيري في كتابين حملا عنوان «دليل القولاق» و«كم كانت جميلة تلك اليوتوبيا». في هذا الكتاب الجديد الذي يمثل ايضا شهادة جديدة عن نفس التجربة.. وكانت الصحفية «ميشيل سارد» هي التي استمعت له وصاغت افكاره ليكون هذا العمل، وكان «جاك روسي» قد عاش لسنوات طويلة في بولندا في وسط بورجوازي ميسور ولكنه اكتسب الكثير من الثقافة الفرنسية بواقع ان والدته كانت فرنسية، وقد انجذب منذ سنوات شبابه الاولى للافكار الثورية البلشفية في سياق زخم ثورة اكتوبر عام 1917 كي يصبح منذ عام 1929 احد الاعضاء النشيطين في الاجهزة الشيوعية وهو لايزال يؤكد حتى الآن بأنه كان مؤمنا كل الايمان «وبشكل اعمى» بالفكر اليساري السائد آنذاك لذلك لم يتردد في تنفيذ العديد من المهمات السرية التي قام بها في العديد من البلدان الغربية آنذاك وخاصة المانيا وفرنسا واسبانيا وقد استخدم اثناء مهماته عدة صفات حسب متطلبات الظرف، اذ انتحل هوية الطالب احياناً ورجل الاعمال احياناً اخرى. وفي شهر ديسمبر من عام 1937 شهدت حياة جاك روسي منعطفاً حاسماً اذ تم استدعاؤه من اسبانيا، حيث كان يقوم بمهمة سرية الى موسكو او الى «القرية» كما كان سائداً في القاموس المستخدم آنذاك للدلالة على مقر جهاز الاستخبارات السوفييتية وهناك اخبرته صديقة له كانت تعمل سكرتيرة بالمقر بأن هناك خطأ ما وبأنه ستتم اعادته فوراً الى عمله في اسبانيا وطلبت منه بالتالي ان يصعد في سيارة فخمة يقودها سائق وحيث لم ينزل منها إلا في معسكر لوبيانكا للمعتقلين. وعندما دخل الى ذلك المعسكر «انفتحت امامه ابواب جهنم كما يقول.. ولم يكن يحمل معه سوى حقيبة ملابس صغيرة عهد بها فيما بعد لصديقة سوفييتية كانت احد الوشاة به في الواقع، ومن «لوبيانكا» الى «بورتيكا» حيث يوجد سجن كبير كانت اقبيته شاهداً على اشد عمليات التعذيب شراسة.. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بأن صرخات السجناء، تحت التعذيب لم تفارقه ابداً منذ ان سمعها للمرة الاولى، اما هو فقد صدر بحقه حكم بالسجن لمدة ثماني سنوات بعد محاكمة «لم تجر في الواقع» وبعد اعترافات لم يدل بها بأي وقت من الاوقات وحتى تحت اشد انواع التعذيب. ويرى اليوم بأن صموده ومقاومته جنبه الاعدام الذي كان يحوم حوله. ويروي المؤلف على مدى صفحات عديدة ما لاقاه مع رفاقه الذين عرفوا معه تجربة نقلهم الى سيبيريا في عربات قديمة كان القياصرة يستخدمونها من قبل لنفس الغاية ولكن بأعداد اقل بكثير او بواسطة قوارب تفوح منها الروائح الكريهة وتذكر بعمليات نقل العبيد من افريقيا الى العالم الجديد «اميركا» اثناء ما يعرف بالتجارة في المثلثة اي من أوروبا الى أفريقيا ثم اميركا وبالعكس حسب قانون العرض والطلب و«تبادل السلع».. اذ لم يكن الافارقة السود «العبيد» اكثر من سلع في نظر «التجار البيض». ويصف المؤلف ايضا بالتفصيل عالم القولاق الذي كان المحكومون بالعيش فيه ينفذون كل اشكال الاشغال الشاقة وكانوا جميعهم في البداية من الروس او من ابناء الجمهوريات السوفييتية الاخرى الذين رأتهم السلطة الستالينية آنذاك خطراً على «النظام الثوري» ولكن اصبحوا يضمون بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مختلف الجنسيات ومن اماكن عديدة في العالم، الامر الذي يرى به «جاك روسي» تطبيقاً عملياً لمفهوم «الاممية الشيوعية». ان قسوة الاشغال الشاقة كما يصفها صاحب هذه الشهادة وصلت الى حد كان البقاء فيه بمثابة معجزة تتكرر كل يوم. اما الذين نجوا نهائيا وانفتحت امامهم ابواب العالم من جديد بعد السنوات الطويلة التي امضوها في سجنهم الكبير فإنهم لم ينقذوا في الواقع سوى الذاكرة التي بقيت العضو الوحيد الذي لم يصبه التخريب وايضا العضو الوحيد الذي كان مستعصياً على عمليات التفتيش اليومي التي كان الحراس يمارسونها ليصادروا كل ما يقع في يدهم، انه عالم يجمع بين الغرابة والفظاعة، كما يصفه المؤلف وهو نفس العالم الذي كان القراء في معظم بلدان العالم قد تعرفوا عليه من خلال رواية «ارخبيل القولاق» للكاتب الروسي الكسندر سولجنستين. لكن فرادة «جاك روسي» تأتي من واقع انه كان شيوعياً «متعصباً» على عكس سولجنستين الذي لم يكن شيوعيا في الاصل وانما كان قد تم ايداعه السجن بسبب دعابة «ثقيلة» موجهة لجوزيف ستالين. لقد كان جاك روسي شيوعياً وانما اجنبيا.. ولكن بكل الحالات طاله الاضطهاد الستاليني.. وهكذا عاش لسنوات طويلة ربما حتى النهاية، حالة من التمزق لم يستطع معها ان يرى القولاق والمنافي السيبيرية سوى «خيانة للمثال النقي» الذي كانت تمثله الماركسية في ذهنه. هكذا وبعد ان عاد جاك روسي الى بولندا عام 1961 على اعتبار انه مواطن بولندي عاد وانتسب من جديد الى «الحزب الشيوعي الشقيق» بعد ان كان قد امضى عشرين عاماً من الاشغال الشاقة في الشمال وثلاث سنوات تحت الاقامة الجبرية في آسيا الوسطى. كتاب عن احدى اكثر صفحات القرن العشرين قتامة ورعباً