مؤلف هذا الكتاب، جون بيليجر، هو احد اشهر الصحفيين الاستراليين وهو مختص بصحافة التحقيقات والتوثيق والافلام الوثائقية ايضا. وكان قد نال سابقا اعلى جائزة للصحافة، في بريطانيا تقديرا لخدماته على مدار العالم وبخاصة مقالاته بصفته صحفيا مختصا بالحرب. كما نال جائزة فرنسية صادرة عن رابطة صحافيين بلا حدود وذلك تقديرا للفيلم الوثائقي الذي اخرجه والذي يحمل نفس عنوان هذا الكتاب: حكام العالم الجدد. كما ونال جائزة صادرة عن اكاديمية التلفزيون الاميركي وكذلك حاز على جائزة الاكاديمية البريطانية للافلام. وهو يعيش حاليا في لندن لا في بلاده الاصلية استراليا، من بين كتبه السابقة يمكن ان نذكر ابطال، اصوات بعيدة ، اجندة مخفية (او روزنامات مخفية). في هذا الكتاب الصادر بعد احداث 11 سبتمبر يتحدث المؤلف عن اوضاع العالم الراهنة وكيف ان اميركا تحاول استغلال هذه الاحداث من اجل قمع الحريات في الداخل والسيطرة على العالم في الخارج. ويكتب المؤلف منذ البداية ما يلي: عندما يقول نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني بأن الحرب على الارهاب سوف تستمر خمسين سنة او اكثر فإنه يذكرنا بتلك الرواية النبوئية لجورج اورويل 1984 والواقع انه ينبغي علينا ان نعيش باستمرار تحت التهديد وفي ظل الخوف من الحرب التي لا نهاية لها. فالحكومة الاميركية تواصل استخدام هذه الفزاعة لكي تزيد من قمع المواطنين وتواصل استراتيجيتها في الهيمنة على العالم. فواشنطن اصبحت هي «محور الخير» والآخرون او بعضهم اصبحوا «محور الشر». في رواية جورج اورويل المذكورة نجد الشعارات الثلاثة التالية: الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، والجهل هو القوة، وأما شعارات جورج دبليو بوش فقد اصبحت كالتالي: ينبغي ان نشن الحرب على الارهاب، ينبغي ان نرهب الارهابيين، ينبغي ان نخوض الحرب حتى النهاية.. وأكبر سلاح في هذه الحرب هو الاعلام المضاد او بالاحرى الاعلام المزور. وهو لا يختلف الا في الشكل عما وصفه جورج اورويل حقا لقد عرف ان يتنبأ بما سيحصل فالاختلاف في الرأي ممنوع في اميركا الآن. فأنت خائن او عميل للارهاب اذا ما عارضت سياسة الحكومة او الاجماع الرهيب للرأي العام ووسائل الاعلام. ينبغي ان تردد كالببغاء ما يقولونه والا... في الواقع ان تفجيرات 11 سبتمبر لم تغير كل شيء وانما سرعت من وتيرة الاحداث وقدمت ذريعة حقيقية لتدمير الديمقراطية في اميركا. ومن الذي دمرها؟ السلطة السياسية وأجهزة الامن ووسائل الاعلام. نعم وسائل الاعلام ذات القدرة الجبارة في اميركا والتي تؤثر على عقول الملايين وتوجهها كما تشاء وتشتهي ان وسائل الاعلام لا تنفك تتحدث عن العولمة الاقتصادية وعن الخيرات التي ستنتج عنها بالنسبة للعالم اجمع. وهذه العولمة تبهرنا ببريقها اللامع وبأجهزتها الالكترونية وبمطاعم ماكدونالد، وبالافلام الاميركية .. الخ ولكن تحت هذا البريق اللامع تكمن حقيقة اخرى مختلفة تماما. في الواقع ان عولمة الفقر لم تكن واسعة وكبيرة مثلما عليه الحال الآن. فمعظم سكان الكرة الارضية يعيشون تحت مستوى الحد الادني للفقر ويملكون اقل من دولارين في اليوم هذا اذا ما ملكوا شيئا. في عالم العولمة الاميركية يموت كل يوم 6 آلاف طفل بسبب مرض الاسهال لانهم لا يستطعيون التوصل الى الماء النظيف ثم يقول المؤلف مردفا: نحن سكان الشمال الغني والتقدم الصناعي، لا نرى ما يحدث في بلدان الجنوب الفقيرة، في الواقع ان النظام الرأسمالي العالمي يفرض على تسعين بلدا ناميا ان تجري تعديلات اقتصادية من اجل ارضاء اسياد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. والواقع ان الرأسمالية الاميركية والاوروبية تنهب هذه البلدان وتزيد بالتالي من عمق الهوة السحيقة التي تفصل بين الاغنياء والفقراء. ثم توزع منظمة التجارة العالمية العلامات الجيدة او السيئة على مختلف بلدان العالم بحسب ما اذا كانت تتبع النصائح أم لا. ولكن ما هي منظمة التجارة العالمية ومن الذي يسيطر عليها؟ تسيطر عليها الولايات المتحدة، وأوروبا، وكندا، واليابان، وينبغي ان نضيف اليها الثلاثي التالي: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ووزارة الخزانة الاميركية، هذه هي المؤسسات التي تسيطر على دول العالم الثالث وتتحكم باقتصاده وسياساته بشكل مباشر ام غير مباشر. وسلطة هذه المؤسسات الكبرى التي تسيطر على عصر العولمة تعود الى كون العالم الثالث مديونا بشكل باهظ ومرعب، فقد تراكمت ديونه على مدار السنوات وأصبح يدفع من الفوائد ما يزيد على امكانياته فمثلا هل نعلم ان دول العالم الثالث الفقيرة تدفع لأغنياء الغرب مئة مليون دولار في اليوم الواحد؟! ينتج عن ذلك ان سكان اوروبا وأميركا وكندا واليابان هم وحدهم الذين يعيشون فعلا وهؤلاء لا يزيد عددهم عن المليار شخص. وأما المليارات الخمسة المتبقية فتعاني من الفقر والجوع. هذا هو عالم اليوم ملخصا بكلمات معدودة. ليس غريبا اذن ان تكون وسائل الاعلام الاوروبية والاميركية هي المصدر الاساسي للاخبار والمعلومات بالنسبة للعالم أجمع. وهي لا تبث من الاخبار والتحليلات والتعليقات الا ما يتناسب مع هيمنتها على العالم ومع مصالحها بطبيعة الحال، ثم يقول المؤلف مضيفا: نحن في الغرب تعودنا ان ننظر الى المجتمعات الاخرى من زاوية فائدتها بالنسبة لنا او الخطر المحتمل الذي قد تشكله علينا. ولا نستطيع ان نقبل اي اختلاف ثقافي او حضاري لاننا نعتبر انفسنا مركز العالم المتحضر.. ولا نحاول ان نفهم الآخرين في خصوصيتهم الثقافية والتاريخية ولا من خلال مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية الهائلة، وحتى أساتذة الجامعات الكبرى عندنا يمارسون مؤامرة الصمت على شئون بلدان العالم الثالث بدلا من ان ينيروا الناس ويفهمونهم حقيقة الوضع. وهكذا تصبح الساحة فارغة لوسائل الاعلام تبث فيها دعاياتها الفجة كما تشاء. وهذا ما يزيد من اتساع الهوة بين عالم الغرب وعالم الاسلام، بل ويؤدي الى المزيد من كره العرب والمسلمين في بلدان اوروبا واميركا. وكان الاحرى بأساتذة الجامعات والمفكرين الكبار ان يتدخلوا لتصحيح الوضع ولكن اقلية من بينهم تفعل ذلك وتمشي عكس التيار. وفي طليعتهم نذكر البروفيسور ناعوم شومسكي والبروفيسور ادوار سعيد.. ان هذا النظام العالمي الجديد الذي يريدون فرضه علينا بالقوة مختل من اساسه ويحتوي على الكثير من الظلم والقهر. نضرب على ذلك مثلا ذلك الانقلاب الذي دبرته المخابرات المركزية الاميركية والذي اوصل الجنرال سوهارتو الى الحكم في اندونيسيا ومعلوم انه وصل الى سدة السلطة بعد حمام من الدم عام 1965 ـ 1966 وقد اكتشف الباحثون مؤخرا وثائق سرية شديدة الاهمية وهي تروي لنا قصة ذلك اللقاء السري الذي حصل عام 1967 وشارك فيه كبار رؤساء الشركات والدبلوماسيين وأجهزة الامن الاميركية وقد درسوا فيه كيفية السيطرة على الاقتصاد الاندونيسي قطاعا بعد قطاع ويبدو ان جيفري وينترز احد اساتذة جامعة شيكاغو قال للمؤلف ما يلي: لقد انقسم المجتمعون الى عدة فرق فالفريق المهتم بكيفية استغلال مناجم الفحم اجتمع في غرفة، والفريق المختص بالخدمات في غرفة وذلك المختص بالصناعة الخفيفة في غرفة وذلك المسئول عن البنوك والمصارف في غرفة.. الخ وكانوا يقولون لمساعدي سوهارتو هذا ما نريده منكم، هذا القطاع يهمنا، افعلوا كذا لا تفعلوا كذا.. الخ. نتج عن ذلك ان اطنان الذهب والنيكل والبوكسيت سوف تنقل الى اميركا بواسطة الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات. ثم جاءت مجموعة من الشركات الاميركية واليابانية والفرنسية لكي تستغل الغابات الاستوائية في سومطرة وهكذا. وبالتالي فمعظم ثروات البلاد اصبحت في ايدي الشركات الاجنبية وهذه هي العولمة الاقتصادية! انها تعني هيمنة القوي على الضعيف والغرب على الشرق، والشمال على الجنوب انها تعني ان يزداد الغني غنى والفقير فقرا.. ولكن هذا الوضع ادى الى انفجار المظاهرات ضد حكم سوهارتو وتم قمعها بالحديد والنار وكانت النتيجة سقوط ما لا يقل عن مليون قتيل في الاضطرابات القتالية. وهذا هو ثمن العولمة وقد سأل المؤلف وكان يشتغل كصحفي اجنبي هناك احد مساعدي سوهارتو «اميل سالم» فيما اذا كان قادة العالم الرأسمالي الذين نقلوا العولمة الاقتصادية الى آسيا قد فكروا بالمليون قتيل فاجابه: لا، هذا الموضوع لم يكن مسجلا في برنامج العمل!! ثم انه لم يكن يوجد تلفزيون في ذلك الوقت لكي ينقل صورة المتظاهرين والقتلى وبالتالي فالمسألة محلولة من أساسها. وأما جيمس روستون عميد الصحافيين الاميركان في ذلك الوقت فقال في جريدة النيويورك تايمز هذا الكلام البليغ: ان احداث اندونيسيا الدموية هي عبارة عن ومضة نور في آسيا!! هكذا يتعامل قادة العولمة الرأسمالية مع بلدان العالم الثالث سواء أكانوا صحفيين ام سياسيين ام رؤساء شركات كبرى كلهم ينظرون نظرة احتقار مبطن وحتى علني صريح كما هو الحال هنا والواقع ان بعض اساتذة الجامعات في لندن استحسنوا سحق سوهارتو لشعبه وصدقوا كذبته في ان الشيوعيين كانوا يحضرون لانقلاب ولذلك اضطر الى استخدام القوة ضد المتظاهرين وهكذا سكت الغرب على جرائم سوهارتو بحجة انه يحافظ على الاستقرار في بلد كبير كأندونيسيا واستمر الصمت مدة ربع قرن حتى استيقظ العالم مرة اخرى على ضحايا سوهارتو في منطقة تيمور الشرقية وهكذا نفذت مجزرة جديدة بمعونة عسكرية غربية. ان هذا الكتاب يروي قصة الامبريالية القديمة وكيف انها تحاول العودة الى الساحة من جديد بثياب مستعارة براقة وبشعارات تتحدث عن العولمة ومحاربة الارهاب، في الواقع ان حكام العالم الجدد هم رؤساء الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات ومعظمهم من الاميركان. فمثلا شركة فورد للسيارات تزيد ميزانيتها عن ميزانية دولة مهمة كجنوب افريقيا. واما شركة «جنرال موتورز» فهي اغنى من الدانمارك! انها شركات عملاقة تهيمن على الاقتصاد العالمي تحت اسم العولمة، والعولمة كلها عبارة عن خطة اميركية وضعها اساتذة الاقتصاد في الجامعات الكبرى وبعض الخبراء في الاستراتيجية الدولية ومستشاري البيت الابيض واليوم اصبحت اميركا تستخدم العصا الغليظة لفرض ارادتها على العالم ومن لا يتفق معها في كل شيء يدان ويعزل. وهذا ما حصل للمؤلف شخصيا فعلى الرغم من انه ادان التفجيرات الارهابية التي اصابت نيويورك وواشنطن الا انهم اتهموه بتبرير الارهاب! لماذا؟ لانه قال بالحرف الواحد في جريدة الغارديان: الحقيقة هي ان مقتل الابرياء سواء في اميركا او سواها لا يمكن تبريره. فماذا قال عنه الصحافي والاكاديمي الاسترالي دافيد ماكنايت؟ قال بأن جون بيليجر وناعوم شومسكي يبرئان الارهابيين الذين ارتكبوا جريمة 11 سبتمبر! ثم يقول المؤلف معلقا بالنسبة لدافيد ماكنايت وأشباهه فإن مقتل آلاف المدنيين في افغانستان شيء لا غبار عليه! فهم ليسوا ابرياء وحياتهم لا تساوي من حيث القيمة حياة الاميركان.. ثم يقول المؤلف ايضا: ان كتابي هذا ليس الا تتمة لكتبي السابقة. فأنا اشبه اعمال السياسيين في الانظمة الديمقراطية الغربية بأعمال المجرمين الطغاة ولكن الفرق الوحيد بينهما هو ان السياسي الاميركي او الاوروبي يرتكب جريمته عن بعد ثم تقوم وسائل الاعلام بالتطبيل والتزمير له للتغطية على جرائمه بل وتبريرها فالجريمة اذا ما ارتكبناها نحن الغربيين لا تعتبر جريمة، لم تكن جريمة ان نقتل نصف مليون فلاح في كمبوديا عن طريق القاء القنابل عليهم خلسة وبشكل غير شرعي. وقد ادت هذه الفعلة الكبرى الى حصول ما يمكن ان ندعوه بالمحرقة الاسيوية ولم تكن جريمة ان يؤدي الحصار المفروض على العراق من قبل بيل كلينتون وجورج بوش وطوني بلير الى مقتل الملايين في العراق! وهذا الرقم ننقله عن دراسة اكاديمية اميركية لا عن مصادر عراقية. فالحصار المفروض على اثنين وعشرين مليون بشري منذ اثني عشر عاما او اكثر يؤدي الى مقتل 6 آلاف طفل عراقي كل شهر وذلك بحسب احصائيات اليونيسيف: اي صندوق الطفولة التابع للأمم المتحدة. ينبغي العلم بأن مجموعة النفط في واشنطن، اي مجموعة جورج دبليو بوش وديك تشيني اساسا، ذات نزعة عسكرية واضحة ويمكن ان نضم اليهما وزير الدفاع رامسفيلد ونائبه بول ولفوتز. وهم اقرب ما يكونون الى تيار اليمين المتطرف الاميركي وهؤلاء هم المسئولون عن خط الحرب الى ما لا نهاية ضد ما يدعونه بالارهاب. هكذا يختتم المؤلف كتابه الذي أشاد به ناعوم شومسكي قائلا بأن جون بيليجر «اشعل وميض النور في بحر من الظلمات. ان كتابه اضاء الكثير من القضايا انه شجاع حقا». كتاب عن اميركا من الداخل وكما ترسم استراتيجياتها بالنسبة للخارج بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 وعن العولمة التي تبهر العالم بـ «بريقها اللامع» وبما يقدمه اصحاب المصالح بها كمصدر للغنى والخيرات و«ليس كل ما يلمع هو من الذهب» كما يقال