مؤلف هذا الكتاب مايك دافيس هو احد كبار المفكرين المعاصرين من ذوي الاتجاه الماركسي المدافع عن العالم الثالث وقضاياه وكان قد نشر سابقاً عدة كتب لفتت الانتباه، نذكر من بينها: مدينة الصوان، وعلم البيئة القائم على الخوف، والعمران السحري. يعيش الكاتب حالياً في جزيرة هاواي. وكتابه الجديد هذا هو الذي شهره في الاوساط الجامعية والفكرية فقد نال عليه جائزة افضل كتاب لعام 2000 من قبل الرابطة الدولية لعلم التاريخ وهو يدرس فيه قضايا مرعبة شديدة الخطورة انها قضايا سرية لم يكشف عنها اي مؤرخ قط حتى الآن انها تكشف عما حصل في الربع الاخير من القرن التاسع عشر عندما كان عصر الملكة فيكتوريا قد اشرف على نهاياته والملكة فيكتوريا (1819-1907) هي اشهر ملكات بريطانيا العظمى ومعلوم ان عهدها من اطول العهود فقد حكمت البلاد من عام 1837 الى عام 1907 اي ما يقارب الخمسة والستين عاماً كما انها كانت امبراطورة الهند بين عامي (1867-1907) وفي عهدها اتسعت رقعة الامبراطورية البريطانية واصبحت وكأن الشمس لا تكاد تغيب عن ممتلكاتها ولكن حصلت بعد عام 1876 سلسلة من الكوارث البيئية والمناخية المتمثلة بسنوات الجفاف والقحط المدعوة بـ «النينو». من هذا العنوان الثانوي للكتاب وهي كوارث ناتجة عن سخونة مياه البحار والمحيطات بشكل غير طبيعي وعندئذ تهب رياح صفراء ساخنة جداً تقتل الحياة الخضراء في بقاع مختلفة من قارات اميركا الجنوبية، وآسيا وافريقيا وقد ادت هذه الكوارث الى حصول مجاعات حصدت ملايين البشر ولكن تضاف اليها كوارث اخرى لا تقل هولاً، وهي ناتجة هذه المرة عن يد الانسان لا يد الطبيعة انها ناتجة عن العصر الاستعماري التوسعي في عهد الملكة فيكتوريا بالذات ومن هنا جاء العنوان الأساسي للكتاب ولهذا السبب تجرأ المؤلف ودعاها بالمحرقة او حتى المحارق بالجمع فقد قتلت هي الاخرى او حرقت ما لا يقل عن ثلاثين او ربما خمسين مليون انسان ويقدم المؤلف جداول احصائية دقيقة وموثقة عن الموضوع وبالتالي فهو لا يلقي الكلام على عواهنه. ان تضافر هذه العوامل الطبيعية والبشرية أو الاستعمارية ادى الى بذر البذور التي ستولد فيما بعد ما ندعوه حالياً بالعالم الثالث وعندئذ سوف تصبح الهوة سحيقة بينه وبين العالم الاول الى درجة يصعب ردمها هكذا يكشف المؤلف عن جذور المشاكل التي نعاني منها حالياً في عصر العولمة وبالتالي فمشكلة الفقر المدقع في الجنوب والغنى الفاحش في الشمال تعود الى ذلك العصر الاستعماري الامبريالي وليست حديثة العهد على عكس ما نتوهم فالتفاوت الاجتماعي بين دول العالم الثالث ودول العالم الاول المتقدمة يشبه التفاوت الطبقي الكائن بين الطبقة البروليتارية او العمالية الرثة والطبقة الرأسمالية او البورجوازية الفاحشة الثراء هذه هي حقيقة الوضع الآن وهذه هي اسبابه وجذوره العميقة او البعيدة المدى وبالتالي فإن اسباب مشاكلنا الحالية تعود الى القرن التاسع عشر او بالاحرى الى الربع الاخير منه ولهذا السبب اراد المؤلف ان يروي القصة السرية للقرن التاسع عشر في هذا الكتاب الضخم، يقول المؤلف بالحرف الواحد: لقد حصلت في تلك الفترة كارثة هائلة ذات ابعاد كونية تقريباً فقد اكتسحت المجاعة بلدانا بأسرها كمصر، والهند، والصين. وانتشر الجفاف والمجاعات ايضاً في مناطق اخرى كأندونيسيا (جاوة تحديداً) والفلبين، وكاليدونيا الجديدة، وكوريا، والبرازيل، وجنوب افريقيا، والمغرب العربي الكبير، لا احد كان يتوقع ان يحصل طقس سيء الى مثل هذا الحد ويؤثر على كل الرياح الموسمية الاستوائية من شمال الصين الى شمال افريقيا كما ان لا احد توقع ان تكتسح المجاعات كل هذه المناطق دفعة واحدة وفي وقت متزامن وبلغ ضحايا هذه المجاعات عشرات الملايين ولا يمكن مقارنتهم الا بضحايا الحرب الاهلية الصينية التي جرت بين عامي (1851-1864) وهي اكبر حرب أهلية في التاريخ لانها ادت الى سقوط ما لا يقل عن ثلاثين مليون قتيل. ولكن القحط الكبير الذي حصل بين عامي (1876-1879) لم يكن الا الأزمة الاولى من بين ثلاث ازمات ضخمة اصابت البشرية في النصف الثاني من عهد الملكة فيكتوريا. قلنا البشرية وكان ينبغي ان نقول العالم الآخر غير الاوروبي فالمجاعات انتهت عملياً في كل اوروبا في القرن التاسع عشر بالذات اي في عصر التوسع الامبريالي وتشكيل الامبراطوريات الاستعمارية الكبرى من انجليزية وفرنسية وهولندية.. ولكن اكبر امبراطورية استعمارية كانت هي بالطبع الامبراطورية الانجليزية كانت سيطرتها على العالم آنذاك تشبه سيطرة اميركا حالياً والواقع انه حصلت مجاعة كبيرة ثانية بين عامي (1889-1891) وكانت ناتجة عن سنوات قحط او جفاف ضرب مناطق واسعة في الهند، وكوريا، والبرازيل، وروسيا ولكن الاسوأ حصل في اثيوبيا والسودان حيث مات ما لا يقل عن ثلث السكان بحسب تقديرات المؤرخين ثم حصلت مجاعة ثالثة بين عامي (1896-1902) وكانت ناتجة ايضاً عن الرياح الموسمية او بالاحرى هبوبها على المدارات الاستوائية وشمال الصين وقد حصلت في تلك الفترة أوبئة قاتلة ومدمرة كوباء الملاريا، والطاعون، والزحار او الاسهال، والجدري، والكوليرا.. وهذه الاوبئة اختارت ضحاياها بالملايين من بين صفوف الذين انهكتهم المجاعات والشيء الغريب العجيب هو ان الامبراطوريات الاستعمارية الاوروبية بالاضافة الى اليابان والولايات المتحدة بدلاً من ان تساعد الناس المنكوبين راحت تستغل الوضع لصالحها. لقد انتهزت الفرصة بكل جشع لكي توسع مستعمراتها وتغتصب اراضي جديدة وبالتالي فما كان يبدو من جهة اوروبا وكأنه النور المتوهج للأمجاد الاستعمارية، كان يبدو من جهة آسيا وافريقيا وكأنه سياط اللهب المرعبة للمحرقة الجنائزية الكبرى. ان الحصيلة النهائية لهذه الموجات المتتالية من الجفاف، والمجاعات، والاوبئة لم تكن تقل عن ثلاثين مليون قتيل وبعضهم يعتقد ان الرقم وصل الى خمسين مليوناً وهو عدد الضحايا الذين سقطوا في الحرب العالمية الثانية و بعض المؤرخين يقول بأن ضحايا الهند وحدها قاربوا الثلاثين مليوناً، وضحايا الصين العشرين مليوناً، وضحايا البرازيل المليونين هذا دون ان نتحدث عن ضحايا اثيوبيا، والسودان، والمغرب العربي، وبقية البلدان الافريقية، انها مجزرة بالمعنى الحرفي للكلمة مجزرة تمت تحت سمع العالم المتحضر وبصره ولكن هناك بعض المثقفين الاوروبيين الذين احسوا بهول هذه المأساة الانسانية وضخامتها وقالوا بأنها تشكل لطخة عار في جبين الامبراطوريات الاستعمارية. نضرب على ذلك مثلاً الصحافي البريطاني ويليام ديغبي الذي كتب مقالة عن مجازر الهند وذلك عشية موت الملكة فيكتوريا وقد تنبأ فيها بما سيحصل لاحقاً يقول بما معناه: ان المؤرخين الذين سيكتبون عن عهد الملكة فيكتوريا بعد خمسين سنة من الآن سوف يجدون ان موت ملايين الهنود يشكل اكبر منجزاته وآثاره. وهناك عالم فيكتوري آخر اهتم بالموضوع هو العالم الطبيعي الفريد رسل ولاس. ومعلوم انه هو الذي اكتشف مع داروين قانون الاصطفاء الطبيعي وقد رأى في هذه المجاعات المرعبة مأساة سياسية كان يمكن تحاشيها وليس مأساة طبيعية كما يقول المسئول الاستعماري وقد كتب هذا العالم ايضاً مقالة عام 1898 اي قبل ثلاث سنوات من موت الملكة فيكتوريا وهو يقول فيها بأن المجاعات التي حصلت في الهند والصين تشبه ما يحصل في المدن الصناعية الانجليزية ذاتها، فهنا ايضاً يكاد العمال مع عائلاتهم ان يموتوا من الجوع بسبب الاستغلال البشع الذي يتعرضون له من قبل ارباب العمل والرأسماليين ثم قال بأن هذه الاشياء سوف تشكل اكبر فشل للقرن التاسع عشر انه لطخة عار في جبينه. ولكن اذا كان الروائي الانجليزي الشهير تشارلز ديكنز قد خلد احياء الفقراء في لندن من خلال رواياته الرائعة فإن ضحايا المجاعات التي حصدت الاطفال بالملايين في الهند اختفت من سجلات التاريخ وبهذا المعنى فقد ماتوا مرتين لا مرة واحدة فمعظم المؤرخين الذين يكتبون عن تاريخ القرن التاسع عشر من وجهة نظر اوروبية يتجاهلون ما حصل في الثلث الاخير من عهد الملكة فيكتوريا من مجاعات وضحايا وحتى المؤرخ الماركسي الكبير اريك هوبسباوم تجاهل هذه الاحداث الفظيعة على الرغم من انه كتب ثلاثية ضخمة عن تاريخ ذلك القرن بالمقابل نلاحظ انه يتحدث عن المجاعة الكبرى التي حصلت في ايرلندا وكذلك عن مجاعة روسيا عام 1891-1892 نقول ذلك على الرغم من ان المجاعات التي حصلت في الهند والصين لم يشهد لها التاريخ مثلاً منذ خمسمئة سنة! فكيف نفسر ذلك؟ أليس الهنود والصينيون والافارقة والمصريون والمغاربة بشراً مثلهم في ذلك مثل الاوروبيين؟ يحصل ذلك كما لو اننا نكتب تاريخ القرن العشرين بدون ان نذكر شيئاً عما حصل في كمبوديا، او افريقيا، او فلسطين.. فهل هذا معقول؟ هل يليق بمؤرخ كبير كالبروفيسور اريك هوبسباوم؟ والواقع ان المشكلة ليست فقط موت عشرة ملايين فلاح فقير جوعاً وبشكل مرعب، وانما هي انهم ماتوا بطريقة معينة ولأسباب تتناقض مع الفهم التقليدي لتاريخ الاقتصاد في القرن التاسع عشر فمثلاً كيف يمكن ان نفهم ان المجاعة اختفت كلياً من اوروبا في اواسط القرن في حين انها ازدادت بشكل كبير في مختلف المستعمرات؟ ان الرأسماليين يفتخرون بأن نظامهم امن التسهيلات للناس عن طريق اختراع الآلات البخارية والقطارات وعن طريق تسويق الحبوب بشكل حديث وفعال ولكنهم لا يفسرون لنا سبب موت الهنود المستعمرين بالملايين على طول طرق سكك الحديد او حتى بجوار مستودعات الحبوب لماذا لم يقم نظامهم بانقاذ هذه الملايين الجائعة؟ وكيف يمكن تفسير الظاهرة التالية: وهي ان المجاعة لم تنتشر في الصين فعلاً الا بعد اجبار هذا البلد على الانفتاح على الخارج من قبل بريطانيا والقوى العظمى الاخرى؟ ان المؤلف يناقش في هذا الكتاب قدر البشرية الاستوائية او التي تعيش في المناطق الاستوائية وذلك في الفترة الواقعة بين عامي (1870-1914) فعندئذ اصبحت ثمرة عملها ومنتوجاتها مصادرة لاول مرة من قبل النظام الرأسمالي العالمي الذي يقع مركزه في لندن وهذا يعني ان الملايين ماتت جوعاً ليس خارج النظام العالمي الحديث وانما من خلاله ومن خلال الارتباط بمؤسساته الاقتصادية والسياسية لقد ماتوا في العصر الذهبي للرأسمالية الليبرالية. في الواقع ان الكثيرين منهم قتلوا قتلاً من قبل المبادئ «المقدسة» لفلاسفة النظام الرأسمالي من امثال آدم سميث (1723-1790) وجيريمي بنتام (1748-1831)، وجون ستيوارت ميل (1806-1873) والاول فيلسوف اجتماعي وعالم اقتصاد اسكتلندي، ويعتبر مؤسس علم الاقتصاد واما الثاني فهو فيلسوف انجليزي وكان يقول بأن المتعة هي غاية الحياة ولا شيء مهم غيرها واما الثالث فهو عالم اقتصاد وانجليزي ايضاً وقد نادى بالحرية الفردية ودعا الى الأخذ بمذهب المنفعة هؤلاء هم فلاسفة النظام الرأسمالي كان اول من انتبه الى مسئولية العهد الفيكتوري عن موت الملايين بالمجاعات هو المؤرخ الاقتصادي كارل بولاني فقد اعتبر ان المجاعات الكبرى التي حصلت في عهد الملكة فيكتوريا تشكل جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الحداثة الرأسمالية وقد عبر عن ذلك في كتاب صدر عام 1944 بعنوان: التحول الكبير وفي فصل بعنوان: السبب الفعلي للمجاعات في الخمسين سنة الاخيرة يقول بأن المسئولية تقع على كاهل الاقتصاد الحر وكيفية تسييره لشئون بيع القمح كما وقع على كاهل النظام الفاسد للضريبة ولكنه لا يتفق على الرغم من ذلك مع تركيز الماركسيين على الطابع الاستغلالي الوقح للامبريالية الاستعمارية في القرن التاسع عشر فهو يقول بأن ذلك يخفي عن انظارنا مسألة الانحطاط الثقافي الذي كان سائداً في مستعمرات عديدة كالهند وغيرها وبالتالي فيعتقد بوجود عوامل محلية للجوع او للخلل الاقتصادي، وليس فقط اسباباً خارجية او استعمارية. في الواقع ان ميزة كتاب «بولاني» هي انه يفند اطروحات آدم سميث الواحدة بعد الاخرى وهي اطروحات تنظر للعهد الفيكتوري وتخلع عليه المشروعية باعتبار انه يؤسس «للنظام العالمي الجديد» ولكن هذا النظام قام على انقاض الضحايا الذين ماتوا بالملايين جوعاً وهذا فصل جديد من فصول الاستعمار البريطاني ولم يكتب بعد. في الواقع ان قوانين السوق الليبرالية او الرأسمالية كانت تفرض نفسها على الجميع كحقيقة غير قابلة للنقاش وحدها روزا لوكسمبورغ كشفت عن الطابع الاستغلالي البشع لهذه القوانين التي تشكل لحمة النظام الرأسمالي تقول في كتاب اصبح كلاسيلياً الآن وصدر عام (1913): كل توسع استعماري جديد مرفق بالضرورة بمعركة الرأسمال ضد الروابط الاجتماعية والاقتصادية للسكان المحليين كما انه يسرق منهم ثمرة جهدهم وعملهم وانتاجهم فلا شيء يوقف تراكم الرأسمال وتزايده والرأسماليون مستعدون لان يستخدموا القوة من اجل استغلال الآخرين واجبارهم على القبول بنظامهم وكأنه النظام الوحيد الممكن وترى روزا لوكسمبورغ ان موت الملايين جوعاً ناتج عن خيار سياسي للرأسماليين والمستعمرين وليس غلطة او صدفة كما قد نتوهم. انتهى كلام روزا لوكسمبورغ. في الواقع ان السكان الريفيين في اسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية لم يدخلوا طواعية او عن طيب خاطر في النظام الامبريالي الجديد الذي كانت تشرف عليه لندن في ذلك الوقت وهذا يشبه النظام العالمي الجديد الذي يريد بوش فرضه على العالم حالياً وبالتالي فيمكن ان نردد المقولة الشهيرة: ما اشبه الليلة بالبارحة! كتاب درس في التاريخ الذي يبدو احياناً بأنه يكرر نفسه فما عرفه القرن التاسع عشر تبدو بعض ملامحه ونحن في مطالع القرن الحادي والعشرين فالعالم الثالث لا يزال «ثالثاً».. او اكثر