جيرمين سوربيه مؤلفة هذا الكتاب، كانت تعمل سكرتيرة في مجلة الأزمنة الحديثة «لو تامب موديرن» التي كان الفيلسوف الفرنسي المعروف جان بول سارتر قد أسسها بعد الحرب العالمية الثانية وغدت إحدى أهم المجلات والدوريات الأوروبية في عصرها. هذا الكتاب تقدمه السكرتيرة السابقة للفيلسوف الكبير بعد 22 سنة من وفاته، انها كانت في الواقع أكثر من مجرد سكرتيرة، إذ كانت بمثابة مديرة أعماله وأمينة الكثير من أسراره، التي تبوح بها في هذا الكتاب، هكذا تتحدث عن شعراء وكتاب كبار بأشياء قد لا يعرفها الكثيرون غيرها، إذ نعرف مثلاً بأن الشاعر رونيه شار كان لا يتحمل نقد أحد له، وان الكاتب الكبير جان جينيه الذي كان معروفاً عنه تعاطفه الكبير مع القضية الفلسطينية كان يقوم بـ «سرقة» الاقلام العادية وبيع ـ الطوابع البريدية من مكاتب المجلة وبكل الأحوال كان «جينيه» نفسه يتحدث بصراحة عن سوابقه «في السرقة» عندما كان مراهقاً، كذلك تتحدث مؤلفة هذا الكتاب عن الروائي الكبير «اندريه جيد» صاحب رواية «الأغذية الأرضية» الشهيرة، وبأنه ذات يوم مرر يده على جسدها، وتأسف كثيراً لأنها لم تكن «غلاماً» إذ كان معروفاً عنه شذوذه الجنسي، بل وتؤكد في هذا السياق بأن «جيد» قد أصبح أحد أساتذة مؤسسة «الكوليج دو فرانس»، أهم وأرفع مؤسسة علمية فرنسية ـ أهم من السوربون ـ رغم انها لا تمنح أية درجة علمية، لكن الذين يحصلون على «مقعد» تدريسي فيها يكونون قد وصلوا إلى قمة هرم السلطة المعرفية، هكذا مر بها ميشيل فوكو وبيير بورديو وريمون آرون وكثيرون غيرهم. لكن يبقى القسم الأكبر من صفحات هذا الكتاب مكرساً لـ «بطلها» جان بول سارتر وقد حددت «جيرمين سوربيه» أهم سمتين يتحلى بهما في «غضبه» الشديد ولأمور تافهة في بعض الأحيان، ولـ «ولعه» الشديد بالقراءة وقدرته الكبيرة على ممارسة هذه الهواية والقراءة لساعات طويلة، والتهام عشرات الصفحات بـ «عين واحدة» خلال فترة قصيرة جداً من الزمن، وفي المحصلة ترى المؤلفة بالفيلسوف جان بول سارتر ظاهرة حقيقية في عصره، إلى جانب عملاق كبير اخر هو ريمون ارون، وذلك بفارق أساسي بينهما هو ان هذا الأخير اي ارون كان منظراً للفكر الليبرالي وللدولة البرجوازية أما سارتر فقد كان قريبا من البشر العاديين ولم يكن يتردد في النزول إلى الشوارع والمشاركة في المظاهرات تأييدا لحقوق العمال المهاجرين، وكان بعض النقاد قد أطلقوا على جان بول سارتر وريمون آرون وصف «الصديقين اللدودين». وإذا كان جان بول سارتر يبدو في هذا الكتاب تحتل ملامح الانسان الطيب المحب للآخرين فإن صورة «النقيض» ترسمها مؤلفة هذا الكتاب في شخصية الكاتبة «سيمون دو بوفوار» صديقة سارتر لسنوات طويلة، ومؤلفة كتاب «الجنس الثاني» الذي أصبح أحد أكثر الكتب شهرة خلال القرن العشرين، وتؤكد سكرتيرة جان بول سارتر السابقة بأن السيدة دوبوفوار كانت تحمل الكثير من «الخبث» و «الشر» داخلها وبأنها كانت تكن مقتاً عميقاً لـ «النساء الحوامل» و «الأطفال» و «الأسرة». وتروي المؤلف بأنها أي سيمون دوبوفوار لم تتردد ذات يوم بأن تقول لها ـ للمؤلفة ـ بعد ان كانت قد أولت بعض العناية لحفيدها الرضيع «رائحة البول تفوح منها». ان مؤلفة هذا الكتاب قد أمضت ثلاثة عقود من حياتها وكما تروي وهي ترد على الهاتف وتتحدث إلى مشاهير «العصر» الذين كانوا يودون التحدث إلى الفيلسوف جان بول سارتر ومن هنا جاء عنوان الكتاب «كما انها كانت تقوم بطباعة «المقالات على الآلة الكا تبة وتصف الملفات الخاصة بمجلة الأزمنة الحديثة وبسارتر نفسه بما في ذلك مواعيده الغرامية. ومع ذلك كانت، وكما تؤكد دائماً تتقاضى أجراً قليلاً، لكن لماذا انتظرت حتى الآن كي تقدم للقراء هذا الكتاب؟ انه لمن الصعب فعلاً تقديم اجابة قاطعة مانعة على مثل هذا التساؤل لا سيما وان المؤلفة لم تقدم أية معلومات «جوهرية» أو «غير معروفة» فعلياً، وهذا ما تؤكده هي شخصياً في جملة تقول فيها صراحة: «انني لم أرو سوى حكايات الحياة اليومية» لسارتر ولبعض المقربين منه وعلى رأسهم سيمون دوبوفوار. ويبدو من قراءة هذا العمل بأن السكرتيرة السابقة لمجلة «الأزمنة الحديثة» ولجان بول سارتر قد مارست مهمتها باستمرار بكثير من الحماس والاخلاص، وقد كانت مدفوعة نحو ذلك بما كان يمتلكه هذا الفيلسوف من «كرم داخلي جعل منه شخصاً لا يمكن مقاومته على الرغم من دمامته المفرطة». وفي المحصلة يبدو هذا الكتاب واحداً من سلسلة من الكتب التي شهدتها رفوف المكتبات الفرنسية مؤخراً وروى فيها أشخاص مغمورون «علاقتهم بكبار شخصيات العصر مثل الكتاب الذي قدمه «سائق» الرئيس الفرنسي الراحل عن «معلمه» الذي اشتغل معه لمدة عقدين من الزمن ورافقه خلال أيام حياته الأخيرة أثناء تجربة مواجهته مع المرض العضال، وأيضاً مثل الكتاب الذي أصدرته «مربية» مارسيل بروست قبل حوالي ثلاثين سنة عن تفاصيل حياة الكاتب الكبير وحيث أعيد طباعة الكتاب قبل فترة من الزمن، وأيضاً كتاب «خادمة» فرانسوا مورياك الذي أكدت فيه بأن «ورع» الروائي الكبير كان «كبيرا» في الكتب فقط إذ كانت حياته هي عكس ذلك في الواقع، هذه ليست سوى بعض الأمثلة بين أخرى كثيرة حمل المعظم من بينها عبارة «شهادة وحيدة واستثنائية» وذلك ان يتطابق مثل هذا القول مع واقع الحال. وكتاب ذكريات عن رجل ومجلة وحقبة كان المفكرون والمبدعون الفرنسيون يحتلون فيها مركز المشهد الثقافي العالمي انه «الماضي» الجميل.