عبد الغفار حسين مثقف وأديب أعتبره أستاذاً لي تعلمت منه من خلال جلساتي معه وطرحه لكثير من فنون الأدب .. يمتاز بسعة الصدر وتقبل الرأي الآخر وذلك ما أعرفه عنه وأغبطه عليه. أما حمد بو شهاب فهو قريب إلى نفسي وأستاذ لي أدين له بالكثير، واستفدت من ثقافته وتوجيهه في بداية حياتي الثقافية واعتبره من المعبرين بشعره عن جودة الشعر ورقيه في الإمارات. فأنا موزع العاطفة بين أستاذين لي ناقد ومنقود، احترم كلاً منهما .. وقد بلغ بي التردد مدى لا أحسد عليه حتى كأنني لأمشي على الشوك وأنا أكتب في هذا الشأن الأدبي المثار بينهما علّني استطيع أن أقارب وجهتي نظرهما وأرمم جدار الصداقة ليعود كما كان قائماً بينهما منذ فترة طويلة تعود إلى بداية السبعينيات أو ماقبلها بقليل. فالخلاف الأدبي يجب ألا يتعدى هذا الشأن ولا يتعلق إلا به. قرأت في الفترة الماضية مانشره الأستاذ عبد الغفار حسين في حلقتين بجريدة الخليج تحت عنوان (قراءة في كتاب بلال البدور .. الهزار الشادي عن الشاعر حمد بو شهاب) .. والحقيقة أن العنوان الذي اختاره الكاتب يدل على مضمون ماكتبه فهو في حد ذاته لايتعدى أن يكون قراءة لشعر بو شهاب لأنه لو غاص بهذه القراءة في مضمون وعمق شعر بوشهاب واستجلى كثيراً من خصائصه وميزاته الفنية لربما تغيّرت نظرته إلى هذا الشعر الذي أوغل في نقده .. فمن شأن القراءة السريعة للشعر ألا تكشف لنا عن حقيقة مميزات هذا الشعر ولاتعطي الناقد فرصة التأمل والتدقيق والوصول إلى نتيجة محايدة في جانب هذا الشعر أو ضده وهذا من عيوب القراءات السريعة التي يجيز الكاتب لنفسه من خلالها الحكم بناء على هذه الالمامة الخاطفة غير المتعمقة في الدراسة والتي يمكن أن تؤدي في كثير من الأحيان إلى إجحاف بحق النصوص المقروءة. ثانياً .. ان الأستاذ عبد الغفار في تناوله لشعر بو شهاب يصدر عن عاطفة شخصية وذوق خاص به دون أن يقوم نقده على موازين نقدية يمكن من خلالها أن يقيم النص الأدبي للشاعر بو شهاب بناء على هذه المعايير المعتبرة في عالم النقد .. وهذا لاشك من عيوب النقد الذي يجعله أسير ذوق الناقد وإن كان الذوق الأدبي جزءاً من النقد إلا أنه لا يمكن أن نجعله ميزاناً نحاكم النص على أساسه لكونه غير ثابت، فقد تتغير أذواق الناقد نفسه من مرحلة عمرية لأخرى كما أن للآخرين أذواقاً ربما تخالف الناقد في ذوقه فما أعتبره جيداً ربما يعتبره غيري في غاية الركاكة والضعف والعكس صحيح فالأذواق الأدبية متغيرة ومختلفة ولكل ذوق طعمه ولونه الذي ربما يختلف به عن غيره وإن دخل الذوق كجزء بسيط من عملية التقييم لكنه لا يمكن التعويل عليه لكونه كما قلت غير محكوم بمعايير وموازين فنية وعلمية من مثل علم النحو والصرف والبلاغة في جانبي البيان والمعنى .. والذوق يكون أحياناً راقياً وأحياناً متوسطاً وأحياناً يكون به سقم وانحراف تبعاً لمستوى ثقافته وتوجهه الفكري وغير ذلك من الأمور والشئون التي تشكل الذوق وتؤثر فيه. المحاكمة والتأثير فالأستاذ عبد الغفار يعتبر الشاعر بو شهاب من المتمسكين بالقديم لا يصدر في شعره عن استقلالية ثقافية وإنما هو من المقتفين لآثار قدماء الشعراء بشكل تام وكامل وانصبّ أغلب مقاله على هذه الناحية بحيث شكّلت محور نقده واستشهد ببعض أبيات الشاعر للتدليل على هذا الجانب .. وقد سيطرت فكرة القديم والحديث على ذهن الأستاذ عبد الغفار إلى درجة أنه حاكم نصوص الشاعر على أساسها وهذا من تأثير الذوق الأدبي الذي يصدر عنه الكاتب في عدم استساغته محاكاة الشعر القديم واقتفاء آثار شعرائه فلذلك حدد له موقفاً واضحاً في رفضه هذا التأثر بالقديم ونعته بنعوت مغرقة في السلبية إلى درجة لايعتبره شعراً وذلك ما اختلف معه فيه لأن القديم ليس في حد ذاته غير مقبول أو به سقم في جانبي المبنى والمعنى، وليس الجديد لكونه جديداً فهو مقبول ومتميز في مبناه ومعناه .. فالمسألة ليست بتلك البساطة من تقسيم الشعر إلى قديم وحديث ووصم القديم بالسلبية والجديد بالمعاصرة والحيوية فقد سيطرت هذه الفكرة كما أشرت على ذهن الأستاذ عبد الغفار بشكل قوي وضاغط وانتصر للجديد وقاوم التمسك بالقديم أو التأثر به ولاشك أن هذا من وجهة نظري خطأ في التصنيف لايقوم على مايتطلبه الشأن الأدبي من أدوات ومعايير سليمة في عملية تحليله وتقييمه وقد كانت هذه الفكرة سائدة لدى ساحتنا الثقافية في السبعينيات والثمانينيات بصورة كبيرة وعانينا منها عندما سيطرت شلّة الحداثة على صحافتنا الأدبية فأسفت في النظرة إلى الثقافة العربية وخاصة الأدبية منها بحيث صوّر التراث العربي على أنه قديم متهالك من مخلفات الماضي يجب أن ينقض بناؤه لتقوم على انقاضه ثقافة جديدة معاصرة مبتورة الصلة بجذورها حتى خرج علينا أحدهم بمقولة عدم صلاحية شعر المتنبي لهذا العصر وطالب بحرق أغلبه .. وأنا لاشك أبرئ جانب الأستاذ عبد الغفار من هذه النظرة السطحية في التحمس للتجديد والحداثة بهذا الشكل المتعصب إلا أنه يمكنني القول بأن مسألة القديم والجديد بارزة لديه في تناوله لشعر بو شهاب الذي صنفه من القديم والقديم جداً ومن ثم أخذ يبحث في نصوصه ويلوي عنقها ويسطح معناها ليؤيد رأيه فيها ..فاقرأ معي الأبيات التالية لبو شهاب لتدرك مدى مافيها من لغة ومضامين جميلة بعيدة جداً عما يصفه به الأستاذ عبد الغفار حسين: لجيدك هذاالعقد خصص دره إذا ما تجلّى قيل لله دره يروقك منثوراً إذا شئت فرده ويسبيك منظوماً إذا افتر ثغره تكوّن من نبض الفؤاد جمانه قريض عكاظي تأخر عصره تنافس فيه الحب والقلب والنهى وهذبه حلو الزمان ومره فالكاتب الأستاذ عبد الغفار لكونه ضد القديم فقد ذكر بداية النتيجة ومن ثم اجتهد في اختيار النصوص التي يرى أنها تؤيد رأيه وكان الأولى به لكونه باحثاً أن يأتي بالنصوص ويناقشها ويحللها ومن ثم يصل بالقارئ إلى نتيجته من كونه يحذو حذو القديم من الشعر ولايناسب ذوق العصر وتطور لغته ومعانيه وأخيلته .. وإن كنت أجل الأستاذ عبد الغفار وأبعد به من أن ينظر هذه النظرة إلى القديم من الآثار الأدبية وأنا أعرف أنه من المتحمسين للأدب العربي وله اختيارات ذوقية راقية وجميلة لكثير من أبيات الشعر العربي القديم على اختلاف عصوره ومناسباته، وإن حاول الأستاذ عبد الغفار أن يبرئ نفسه من هذه التهمة فذكر ذلك على شيء من الاقتضاب المختصر جداً في أن الجودة والفاعلية لاترتبط بالقديم أو الجديد من الشعر ولكون ذلك جاء عرضاً ومقتضباً لم يبق منه شيء في الذهن ولكن الذي خلد ووضح هو تفرقته بين القديم وتحامله عليه وبين الجديد وتحمسه له وإيراد نماذج من كلا النمطين ومقارنتهما مع بعضهما لاستنتاج تميز الحديث على القديم وهو لاشك موقف ظاهر ضد القديم غير محمود من الأستاذ عبد الغفار .. فالباحث الذي يريد أن يقارن بهذا الشكل بين النمطين لايعدم نماذج كثيرة فيهما تميّز أحدهما على الآخر في جانبي المقارنة المرادة .. فمن أراد أن يعلي من شأن الشعر المعاصر على سابقه فلا يصعب عليه أن يستشهد بنماذج راقية منه ومن أراد أن يعلي من شأن القديم وتميزه فلن يعدم نماذج أكثر تؤيد منحاه وتقوي حجته .. فالمقارنة بهذه الصورة من انتقائية النصوص ومقارنتها لاتعطي حيادية الناقد وإنما تكشف عن نية عدم النصفة لديه لإثبات رأيه ووجهة نظره المتحيز لها .. ولو أردت أنا مثلاً ان أنقض رأي الأستاذ عبد الغفار في تدني مستوى الشعر المعاصر وتميز الشعر القديم عليه لاستطعت ذلك بكل يسر وسهولة فتحت يدي نصوص معاصرة ركيكة المبنى والمعنى متدنية المستوى الشعري إلى حد بعيد ولدي في مقابلها نصوص شعرية قديمة غاية في الإبداع راقية في لغتها ومعناها يمكن للقارئ أن يكتشف منها جمال النص القديم وتهافت النص المعاصر بناء على تلك المقارنة ولكن ذلك في حقيقته معيب ليس من النقد في شيء لأنه انتقائي لنصرة الرأي وإثباته دون نظر لما تتطلبه أمانة النقد وحياديته، وهذا لاشك مكشوف لدى القراء الذين لديهم قسط مقبول من الثقافة الأدبية في جانبيها القديم والحديث، ولايمكن لهذا التوجه أن يسوّق إلا لمن ليس لديه دراية بالأدب القديم واطلاع عليه فيتصور بناء على ذلك أن الشعر المعاصر متفوق ومتميز على قديمه نتيجة هذه المقارنات في مثل ماذكره الأستاذ عبد الغفار من قراءة في شعر بو شهاب .. على أن هذه النظرة سائدة عند جماعة من جمهور المثقفين الحداثيين لكننا نبعدها أن تكون لدى الأستاذ عبدالغفار الذي لديه إلمام واسع في جانبي الأدب والثقافة ومايشكله ذلك من ضمان للباحث في تناول الشعر القديم بهذا الشكل من الحكم غير المنطقي والذي يجافي حقيقته على أن القديم في أمر الشعر يختلف عن كثير من أمور الثقافة والأدب وغيرها من مناحي العلوم والفنون لأنني أعلم يقيناً أن الشعر العربي قد ازدهى ونما في عصوره القديمة الجاهلية منها والإسلامية ووصل إلى ذروة عالية من الإبداع والجودة والتميز بحيث أصبح يقاس عليه ويحتكم إليه ويسترشد به في لغته ومضامينه وصوره الفنية وإن الشعر في العصور المتأخرة منها عصرنا الماثل قد بهت فيه فن الشعر وفقد كثير من بريقه وفاعليته بحيث خلت كثيراً من ساحاته فلم نجد من يشغلها بذات القدر والإمكانية والإبداع الذي كان لدى السابقين من أهله وفحوله .. فالشعر القديم لاشك أرقى مستوى وأثرى خيالاً وأصح لغة وأجمل صياغة وأعمق مضموناً من الشعر المعاصر .. والشعراء الأقدمون على اختلاف عصورهم وعدّد معي من شئت منهم من الجاهليين والإسلاميين إلى غيرهم من الشعراء التقليديين تجدهم في درجة أعلى مستوى وأرفع بكثير من شعرائنا الحاليين بل أكاد أذكر أنه لا مقارنة بينهما البتة.. واستمع إلى رقة التعبير وبعد المعنى الأخلاقي في بيت عنترة الذي يصور فيه عفة نظره من أن يقع على جارته فيداري طرفه عنها إلى أن تدخل بيتها. وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها وهذا من صميم الشعر الجاهلي ولكن به من البيان والمعنى مايرقى به إلى درجة عالية من المعاصرة التي تناسب الأدب والذوق والخلق في عصرنا الحاضر. مقارنة غير عادلة وهل يمكن لنا ياترى أن نقارن الشعراء الأقدمين من فحول اللغة والبيان ممن برعوا في هذا الفن ونالوا السبق فيه بغيرهم من الشعراء المحدثين الذين وإن برعوا فيه فهم دون سابقيهم وأقل شأوا منهم بمراحل كثيرة.. وتلك مقارنة غير عادلة ليست لها أرضية صلبة تقف عليها.. فأين أمرؤ القيس وزهير بين أبي سلمى وجرير والفرزدق وأبو تمام والبحتري والمتنبي وأحمد شوقي وغيرهم من شعراء اليوم الذين نصفهم بالحداثة والمعاصرة فالفرق شاسع والبون بعيد فأولئك قمم الشعر ورموزه ومعالم على الطريق يصعب أن يتكرروا أو يعيدوا أنفسهم في عالم المعاصرة الذي نعيشه ونرى بأعيننا شعراءه الذين يحتاجون إلى قدم راسخة في أرض الشعر حتى يمكن أن يلحقوا بشيء مما كان عليه الأقدمون في هذ الفن الذي عرف بهم وعرفوا به وأصبحوا من رواده ومشهوريه .. ودقق معي بتأمل واع في بيت الشاعر أحمد شوقي والذي اعتبره أبدع وأحلى وأهم بيت قرأته في حياتي في وصف رحمة سيد البشر صلى الله عليه وسلم: وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء فهل يمكن لي أن اعتبر صياغته ولغته قديمة أم أنها تأتي على أبدع وأرق مستوى من التعبير والبيان رغم أنها مرتبطة بشكل واضح وقوي بالقديم من الصياغة الشعرية. نعم هناك مناح كثيرة من الفنون ارتقى بها العصر وأبدع فيها أربابه إلى درجة من التطور والتقدم لايمكن أن يقاس بهم سابقوهم لكن الأمر في الشعر خاصة يختلف اختلافاً بيناً عن أي شأن آخر من شئون العلم والفنون فقد بقي الشعر القديم على تطاول العصور علامة بارزة من معالم هذا الفن الراقي في عصوره الزاهية ولدى أهله وأربابه ولا ننكر أن تكون لغة الشعر تطورت عما كانت عليه وقد لا تسعفنا مفردة التطور عن التعبير عن مقصودنا في ذلك ولكن بالتحديد نقول إن لغة الشعر كانت لغة متطورة وفاعلة في أوقاتها السابقة ولكنها في العصر الراهن تحدثت مفرداتها لتماشي ظروف العصر البيانية وتناسب بيئته اللغوية بحيث هجرت منها مفردات وحلت فيها مفردات أخرى .. وقد خرجت من رحم البيئة المعاصرة دعوات متشنجة لهدم بناء الشعر وتقويض مملكته إلا أن الزمن حكم عليها بالموت أو الشيخوخة الموصلة إلى الفناء .. ونخرج من هذه الإلمامة التي ربما أطلنا فيها بأن قديم الشعر يبقى في منزلته لايعيبه القدم وإن وصف الحديث بالمعاصرة لايرفعه ولايوفر له ميزة الأفضلية وإنما المعوّل في ذلك على حقيقة خصائص الشعر وميزاته فيه ويبقى الشعر في كلا جانبيه القديم والحديث فناً من فنون القول يرد عليه النقد الأدبي دون نظر لمسألة الحداثة والقدم في حد ذاتها أو لكون هذا الشاعر اقتفى أثر القديم وذلك تخلّص منه حتى أميزه أو أسف به بناء على هذه النظرة النقدية الضيقة في التعامل مع النصوص لكن النقد القائم على أصوله يبحث مستوى لغة النصوص والتزامها بالقواعد وحيوية صوره الشعرية وبعد مضامينه وغير ذلك من الخصائص الأدبية التي يحاكم الفن الشعري على أساسها وكم من شعرائنا المعاصرين اقتفوا أثر القديم والتزموا بالتقليدية الشعرية لكنهم انتجوا رفيعاً من البيان والصور الفنية والجمال الأدبي ويحدث العكس أيضاً بأن يكون آخر تحرر من ربقة النمطية والقدم لكنه أخفق في فنه وتدحرجت به حداثته إلى مستوى من الضعف والفشل وليس ذلك بشرط فقد يوجد معاصر ارتقت لغته ومضامينه وصوره إلى درجة من الرقي والإبداع فليس إذن من سبيل لأن أضفي على النص الشعري صفة التميز والجمال لكونه حديثاً وصفة السلبية والتأخر لأنه قديم كما حدث من الأستاذ عبد الغفار في تناوله شعر بو شهاب الذي نعته باقتفاء أثر الأقدمين وجعل ذلك منقصة وسلبية فيه وكال من خلاله للقديم أوصافاً تحط من قدره وفي مقابله وصف شعر غيره بالحداثة والمعاصرة والتميز وأعتقد بأن ماقاله الأستاذ عبد الغفار في هذا الشأن نسبي جداً لايصدق بالشكل الذي أراده في جانبي الشعر المعاصر والقديم فكلا النمطين يرد عليهما النقد كما فصلت أعلاه. وأقرأ هذه الأبيات الجميلة التي بها أثارة من لغة القديم ومعانيه فلا تجد فيها شيئاً من الصعوبة والخشونة التي تقف في وجه تفاعلك معها وغيرها مثلها: ما انفض سامر ليلى عن أحبته ولاتفرق دون الأنس سمّار ولا الخيام التي قد كنت تعهدها زالت ولا البن والفنجان والنار بل مانزال كما كنا يجمعنا على المحبة تاريخ وآثار ويورد الأستاذ عبد الغفار مقارنات بين كل من حمد بو شهاب أطال الله عمره الذي يعتبره قديماً وتقليدياً وبين سلطان العويس وأحمد أمين المدني رحمهما الله واللذين يعتبرهما معاصرين في شعرهما وهذا رأيه شخصياً لكنني اختلف معه في هذا الأمر وأرى أن الشعراء الثلاثة جميعاً إن جارينا أستاذنا عبد الغفار في مسألة تقسيمه للشعر وتسميته بالقديم والحديث هما من التقليديين الموغلين في النمطية كأبي شهاب سواء بسواء يصدرون في شعرهم عن التزام بالوزن والقافية والصور والأخيلة وتنميق العبارة البيانية لتؤدي جرساً وتطريباً وإن كان الشاعر المدني رحمه الله قد خرج قليلاً من ربقة الشعر العمودي إلى شعر التفعيلة في بعض قصائده مجاراة لنزعة الحداثة الطاغية في السبعينيات والثمانينيات ولكن ذلك لم ينزعه من بيئته التقليدية المحسوب عليها والمعروف بها، فالثلاثة شعراء عموديون ينحون منحى القديم من الشعر ويلتزمون بخصائصه من حيث الوزن والقافية ووحدة موضوع القصيدة والبيان اللغوي والصور الفنية ولكن لاشك يختلف كل منهم بقدر مافي مفرداته وصياغته تبعاً لثقافته وبيئته الأدبية التي عاشها واستقى منها معينه غير أنهم في العموم يدورون في فلك الشعر القديم ومن المحسوبين عليه تماماً فمن ياترى يمكن له أن يجعل سلطان العويس وحمد بو شهاب وأحمد أمين من الشعراء الحداثيين إلا إن كان ذلك تبعاً للزمان الذي وجدوا فيه، أما من الناحية الشعرية فهم على قدر كبير من مقتفي خصائص الشعر القديم وآثار شعرائه ويبين ذلك جلياً من خلال جلساتهم إذ تكشف بوضوح عن معين من الثقافة الأدبية وحفظ كثير من أشعار العرب والاستشهاد بها والتلذذ وإنك لواجد ذلك عندهم جميعاً فلا تكاد تخلو مجالسهم من شيء كبير من هذا الذي ذكرته عنهم وأنا والأستاذ عبد الغفار أحد شهود هذه الجلسات الأدبية الثرية بما يدور فيها من عبق استحضار آثار الأدب العربي في عصوره المختلفة فمقارنة الأستاذ عبدالغفار الشاعرين العويس وأحمد أمين بالشاعر بوشهاب وتصنيفهما في خانة الحداثة بتجلياتها وحصره في خانة التأثر بالشعر القديم لايستند إلى مرجح يقنعنا بهذه التفرقة والتمييز الذي اعتمده بينهم في هذا الشأن الأدبي وإنما هو مجرد رأي ونظر من حقنا تماماً أن نختلف معه فيه إلى حد بعيد فهم في نظري وذاك أيضاً رأي لي من حق الآخرين أن يوافقوني أو يخالفوني فيه وهو أن هؤلاء الشعراء الثلاثة يصدرون من ذات الشعر القديم في أوزانه وقوافيه ومميزاته على اختلاف في قدر التأثر نتيجة عوامل ثقافية وشخصية لكنني أعتبرهم من أشهر شعراء الإمارات ومناط فخر واعتزاز لمثقفينا وأدبائنا لأن يكون لدينا شعراء على هذا القدر من الجودة والتمكن والفاعلية ممن نستطيع أن نضارع بشعرهم ونصنفهم من مبدعينا في مجال الشعر الفصيح ليس على المستوى المحلي فقط وإنما على صعيدنا العربي المعاصر .. فنحن من المتابعين لما ينشر من إبداع شعري ولما تحويه الساحة الأدبية العربية من شعراء مما يعطينا القدرة على أن نجعل من مثل سلطان وبو شهاب وأحمد أمين من أبرز شعراء العربية في معاصرتنا دون مجاملة أو مبالغة وإنما أنا أثبت حقيقة أعرف مقدار مصداقيتي فيها واطمئناني لأهمية رأيي في هذا الشأن الأدبي الذي أنا أحد المهتمين به والمتابعين له وليس هم فقط وإنما لدينا شعراء آخرون ربما يأتون في مرحلة عمرية تالية لهم ممن نستطيع أن نصنفهم في مرتبة مهمة وفاعلة من شعراء العربية لكن مايعيبهم أنهم مغمورون لم يساهم إعلامنا في التركيز عليهم وإبراز نتاجهم وإتاحة الفرصة لمشاركاتهم داخلياً وخارجياً وربما يقع عبء ومسئولية على أدبائنا ونقادنا في دراسة أشعارهم والكتابة عنهم وتقديمهم إلى جمهور القراء فبذلك نساهم في التعريف بشعر وشعراء الإمارات ونؤدي واجباً نحن مطالبون بتأديته ناحيتهم وربما أنني وفقت لشيء من ذلك حين درست حياة وشعر خلفان بن مصبح والشاعر أحمد بن سليم وقد بدأت قبل فترة طويلة بوضع منهج لدراسة شعراء الإمارات المعاصرين غير أن المشاغل الكثيرة والكبيرة حالت دون إتمام هذا العمل الهام ولكنه يبقى أمنية في الذهن أدعو الله أن ييسّر لي من وقتي وجهدي مايسعفني في إنجازها وأذكر أنني عرضت على أحمد أمين رحمه الله مقدمة لدراستي عنه فحين قرأها استنشق هواء عميقاً وخاطبني بقوله إن هذا الذي قرأته ليست كتابة بقدر ماهو نثر فني .. وقد استشعرت من حديثه أهمية ما أنا قائم به في كتابتي عن شعرائنا لكنني كما قلت أن الوقت لم يتح لي فرصة إكمال المهمة التي باتت حبيسة الفكر والادراج .. أما أن نضع العويس وأحمد أمين في موضع يليق بقدر نتاجهما وتاريخهما الشعري ونجعل الشاعر حمد بو شهاب هدفاً لسهام نقد لاذع في مثل قول الأستاذ عبد الغفار بأن البون شاسع بينه وبينهما ويتطلب الأمر منه أن يخب حتى يلحق بهما بل ويذهب إلى أبعد من ذلك وهو أن مقارنته بهما غير واردة .. ومع احترامي لرأي الأستاذ عبد الغفار فإني أجد في كلامه مبالغة كبيرة أبعد من حدّ المعقول لايمكن أن أصدقها فهؤلاء الثلاثة هم من طبقة شعرية واحدة ومن مستوى متقارب جداً .. نعم لكل واحد منهم جانب يتميز فيه وقصائد يتفاضلون بها لكن لايمكن أن أمايز بينهم إلى درجة أن أضع سلطان العويس وأحمد أمين في القمة وأنزل بمستوى الشاعر بو شهاب إلى أدنى درجة فذلك أبعد مايكون عن النظرات النقدية .. فهذه أشعارهم منشورة يستطيع الناقد أن يطّلع عليها ويفحصها ليخرج منها بنتيجة تؤيد رأيي أو رأي الأستاذ عبدالغفار وأنا من الذين يعتبرون بوشهاب شاعراً مفوهاً لاينزل بحال عن مستوى سابقيه .. وأعتقد أن النصوص الشعرية التي تعرض لها الأستاذ عبد الغفار لحمد بو شهاب لاتسعفه فيما ذهب إليه وتجافيه الأمانة الأدبية بقدر كبير من أن يصل إلى هذه النتيجة التي أتباعد معه فيها بشكل واضح .. فاقرأ الأبيات التالية لأبو شهاب ففيها من عذوبة البيان وقوة الصياغة وجمال المعنى مايعطي الانطباع بمستواه الشعري وتدفق شاعريته حتى لكأن هذه الأبيات حقيقة من العصر الأندلسي في رقتها ونسيج صياغتها: للجفن من حب ليلى مايؤرقه وجداً وللقلب منها مايمزقه رثى الغرام له من فرط شقوته ورق نجم الدجى مما يؤرقه وناح في الدوح ورق من تأوهه وسامر العابد الزاكي تشوّقه ورنح البان شعر حسبه ألم مما يعنيه من ليلى ويقلقه تخيّر الحب معناه وهذّبه حسن فلا غرو إن أغرى تألقه ولاشك عندي أن لكل من هؤلاء الشعراء الثلاثة نصوصاً إبداعية فيها جمال ورقة بل ورقي في المستوى الشعري فيما اطلعت عليه من أشعارهم المعبرة في كثير منها عن مدى تطور الشعر في بيئتنا الإماراتية ولايسع المكان لأن أنقل من كل منهم شيئاً من هذه النصوص الإبداعية المتوفرة ولكن من باب النصفة نقول اننا لو بحثنا في شعرهم عن نصوص أخرى تقلّ كثيراً عما ينبغي توفره في النص الجيد لوجدنا شيئاً من ذلك عند كل واحد منهم ولايعيبهم مطلقاً أن نجد مثل ذلك في نصوصهم لأننا نعلم يقيناً أنه لايمكن أن يخلو شاعر ما في شعره مما هو دون الجيد وربما وصل إلى درجة من الضعف والركاكة بل إنك لواجد عند كل شاعر الضعيف من النص الشعري مهما علت مرتبته وذاع صيته فلو أخذت المتنبي لوجدت عنده الضعيف والركيك من القول ماتستغرب صدوره من مثل هذاالعلم المشهور الذي قيل عنه ملأ الدنيا وشغل الناس وخلد شعره على مر الزمان في فم وأذهان الناس ولكنها الطبيعة البشرية المحكوم عليها بمثل هذا النقص والتي مهما سعت إلى التميز فإن ثلمة من هذا الضعف والقصور ينتابها في سائر شئونها ومناحيها .. فكل شاعر منهم له نصوص جميلة فيها إبداع وله نصوص أخرى أقل منها وبعضها تصل إلى درجة من الضعف والرثاثة ولايمكنني التحمس لواحد منهم على حساب الآخر فكلهم في نظري شعراء ارتقى على أيديهم الشعر في الإمارات في فترتهم حتى أصبحوا في عين الناقد معبرين بشعرهم عن مستوى الشعر لدينا ولأجل أن يفضل واحد منهم زميله لايكفي دراسة أبيات له أو قصيدة وإنما يحتاج هذا الأمر إلى دراسة آثارهم الشعرية ومقارنتها ببعضها ليمكن استخلاص مميزات وخصائص تسعف في تصنيف درجاتهم وتحديد الأشعر والأفضل منهم اما من خلال قراءة سريعة أو مجرد ذوق أدبي أفضل شعر أحدهم وأرتقي به إلى درجة عالية وأسفّ بشعر الآخر فإن في ذلك تسطيح للعملية النقدية حتى أنه في مجال الدراسة والتقييم لا يعطيني ذلك المجال حرية إلغاء شعر أحدهم ووصفه بما ينزل بقدره ومقداره وإنما يبقى هو شعر له دوره وتأثيره وفاعليته ولكن المقابلة والمقارنة من خلال دراسة نقدية أعطت السبق والإيجابية لمنافسه .. ومن خلال قراءتي لشعر هؤلاء الشعراء الثلاثة فقد أعجبتني أبيات وقصائد للشاعر سلطان العويس ونصوص للشاعر أحمد أمين وأشعار كثيرة للشاعر حمد بو شهاب ولدي من القدرة والمكنة مايمكن أن أعلل به اختياري لها وإعجابي بها خاصة وإني كما قلت قريباً منهم الثلاثة إلى درجة لصيقة عاصرتهم عن قرب وجالستهم كثيراً كما أنني قريب أيضاً من شعرهم استمعت إليهم وقرأت لهم وكتبت عنهم ممايمكنني من الحديث عنهم بمعرفة تامة فهم في رأيي ضمن صدارة الشعر في الإمارات ويأتون في مقدمة شعرائه المتميزين من مثل الشيخ صقر القاسمي وخلفان بن مصبح وأحمد بن سليم ويأتي الآخرون من جيل الشباب تالين لهم في الدرجة العمرية والشعرية. فالعويس وبو شهاب والمدني شعراء مجيدون ليسوا على ذات القدر من الجودة والتميز وإنما لكل واحد منهم جانب أبدع من خلاله وبرز فيه وربما يلتقي أو يختلف الأدباء والنقاد على أبرزهم في الشعر وأقدرهم على ذلك لكنهم لا شك يلتقون على اعتبارهم شعراء على قدر من الأهمية والفاعلية في ساحة الأدب في الإمارات يمتلكون ناصية الشعر وقد أتاحت لهم المكنة الفنية النتاج الوفير الذي تسعفهم فيه ثقافة أدبية واسعة واطلاع على آثار العرب الشعرية وقد قدّر لكل من العويس وأحمد أمين أن ينشرا دواوين شعرهم ولكن لايزال الشاعر بو شهاب لم ينشر حتى الآن ديواناً له غير ماحظي به من مختارات نشرها مدروسة الأخ الأديب الأستاذ بلال البدور في كتابه الأخير والجديد (الهزار الشادي من شعر بو شهاب) ومايقوم به من فترة وأخرى من نشر بعض قصائده حين نظمها ولكوني أحد القريبين من الشأن الأدبي في الإمارات وكتبت مقدمة ديوان الشاعر العويس ودرست شيئاً من شعر بو شهاب والمدني فإنه يمكنني نتيجة هذا القرب منهم والتفاعل معهم أن أعتبرهم أبرز شعراء الإمارات المعاصرين وأهمهم وأكثرهم نتاجاً ولو قارنت بينهم لما أمكنتني المقارنة من أن أمايز أحدهم على غيره وأقدمه على الآخر فلكل منهم نصوص جميلة في بيانها ومضمونها ترتقي بفنه إلى درجة من الإبداع والتميّز الشعري الذي يرقى بمستوى القارئ ويعجب ذوق الأديب تجد شيئاً من ذلك عند سلطان وبو شهاب والمدني على قدر لا يسعف في اعتبار أحدهم الأبرز والأكثر شاعرية دون سواه وربما ترجع مسألة تفضيل أحدهم على الآخر إلى ذوق المتلقي ذاته ففي حين يفضل الأستاذ عبدالغفار الشاعر سلطان والمدني على الشاعر بو شهاب الذي وصفه بالقدم في لغته ومعانيه وإنه ليس به من خصائص المعاصرة شيء يجعله يعجب به ويتفاعل معه بينما أجدني على النقيض منه في إعجابي بكثير من نصوصه الشعرية في لغته ومعانيه وجمال صوره وتضمينها معاني القدماء مما يدل على ثقافة أدبية واسعة .. وحقيقة فإني استسيغ كثيراً من بيانه وديباجته اللغوية التي تناسب ذوقي الأدبي في ميلاني إلى هذا النوع من التعبير والصياغة البيانية ذات الإيقاع الموسيقي كما أن الرنة اللفظية ليست منفصلة عن المعنى ولا يكون تميزها وفخامتها على حساب ضآلة المضامين وإنما يحتوي هذا الإطار اللغوي الجميل المعبر الذي يهز السمع ويطرب الأذن معاني على ذات القدر من القوة والفخامة من مثل قول الشاعر: نناغى الليالي كلما لاح بارق سعدنا بمرآه وإن كان خلبا زمان تقضّى والأماني مقيمة تذكرنا لهواً بريئاً وملعبا وعيشاً تقبلناه بؤساً ونعمة وحبّاً تقاسمناه ورداً ومشرباً وإخوان صدق ما أحيلى حديثهم وأشهاه في سمع الندي وأعذبا ولايمكن للأستاذ عبدالغفار أن ينقد هذا الذوق الأدبي لأنه موجود في الساحة الأدبية ومؤصل له في تاريخ النقد الأدبي بحيث ذهب بعض النقاد إلى أبعد من ذلك في حماسهم لهذا التطريب اللفظي وفخامة المفردات وحسن صياغتها بأن جعلوا ميزة الشعر في بيانه وصياغته أما المعاني فلم يعيروها تلك الأهمية لأنها موجودة ومتوفرة ولكن الفضل يرجع لصياغتها الشعرية التي نقلتها من مجرد معان عادية إلى بيان شعري ذي مدلولات راقية وحيوية .. أما بعض النقاد وازن بين المعنى والتعبير وبعضهم قدم المعنى على البيان والذي يأتي الاستاذ عبد الغفار ضمن هذه الرؤية والتوجه في التحمس للمعاني على حساب اللغة والمبنى وجعل المعنى له ميزة كبيرة على مجرد الصياغة فهذه جميعها وجهات نظر نقدية تأتي ضمن إطار النقد الأبي ومعاييره .. وكل رأي منها يعبّر عن توجه أدبي له وجوده ومقوماته واستشهاداته ولا ضير في ذلك مطلقاً ولكن مايقع ضمن دائرة المحذور هو التحمس الذي يؤدي لجعله أداة للقسوة على أصحاب الآراء الأخرى ونقدها بشيء من الطعن والتجريح. ميزة الشاعر ويأخذ الأستاذ عبدالغفار على الشاعر بوشهاب فخامة لغته وجلبتها وبعدها عن البساطة وقد يكون في ذلك شيء كبير من الصحة بحيث تجد في شعر بو شهاب قوة التعبير وجلجلة الكلمات ورنة الصياغة وتطريبها للسامع فيما ينحي الكاتب بلائمته على لجوء الشاعر بتقليد القدماء في هذاالمنحى من اختيار المفردات القوية والرنانة وهذا من المعروف والملاحظ لدى الشاعر بو شهاب وتلك تهمة لاينفيها الشاعر عن نفسه بل يجدها ميزة يفخر بها ويعتبرها من مميزات شعره وخصائصه التي يتمسك بها ويكررها في أكثر قصائده إن لم تكن أجمعها.. ورأيي أنه ليس في ذلك ما يعيب شعر بو شهاب مطلقاً وإنما هذا منحى ارتضاه ووطّن نفسه عليه وجعله مسلكاً له في شعره .. ويحتاج الشعر عادة إلى شيء من هذا اللحن واختيار المفردات ذات الجرس الشعري الذي يورث في الأذن رنة وتأثيراً في الوجدان والذي يكون مطلوباً في أحيان كثيرة لإعطاء الشعر ما يستحقه من نغم وحركة وإيقاع وحيوية لتمييزه عن النثر وإن كانت المبالغة في هذا الاتجاه ذات أثر سلبي على الشعر خاصة ممن ربما يعجزه المخزون الداخلي فيلجأ الى تكليف نفسه عناء البحث عن مثل هذه المفردات الفخمة التي تجيء معضوبة في شعره ليس بها من السلاسة مما يوجد لدى صاحب المخزون اللغوي منها .. ولكن المتفحص لشعر بوشهاب يجد أنه ليس ممن تعجزه هذه اللغة وانتقاء المفردات وإنما هي تجري على لسانه بانسيابية وسهولة وتؤاتيه طيعة دون عناء فهو كما ذكر الكاتب يتمتع بقاموس لغوي ثر .. ومن زخم هذه الوفرة اللغوية ينزع الشاعر الى إختيار مفرداته التي تتوظف لديه في مواقعها المناسبة لتؤدي معانيها ودلالتها المختارة لها وتسلك هذه المفردات في صياغة سلسة لدى الشاعر من خلال معينه في مواقعها بشكل شعري راق مما أعتبره ميزة في جانب هذا الشاعر تساهم في الرقي بمستوى شعره فما دام يمتلك هذا المعين الثر من مفرداته فما الذي يمنعه من توظيفها في شعره طالما أنها مفهومة المعنى واضحة الدلالة على مقصوده كقوله: فالحب روح الشعر ليس بغيره يحيا وماء فراته العينان ولعينه أتعبت ظهر مطيتي وقريحتي بحثاً ونبض جناني وسقيته ماء المشاعر فانتشى ثملاً بحبك لا بماء دنان ولا أعتقد إلا أن بوشهاب رغم فخامة لغته واستمداد معينها من آثار الشعر القديم فهو واضح في معانيه ودلالاتها بشكل ربما يكون مباشراً أحياناً وبعيداً عن أي غموض أو ضبابية فيها وقد يحق لنا أن نصف شاعراً بالقدم في لغته ومفرداته إن كان القارئ يحتاج في فهمه لمعانيه الى قاموس لغوي يشرح له مفرداته الموغلة في قدم اللغة لكنني لا أعتقد أن القارئ يحتاج لشيء من ذلك فهو رغم منحاه القديم إلا أنه واضح الدلالة وأغلب مفرداته من التي تزخر بها لغة العصر ويفهمها مثقفوه دون عناء إلا في القليل النادر جداً من هذه المفردات وذلك ماهو وارد عند عموم الشعراء من هذا القبيل لأنه لايمكن لنا التصور بأن يكون الشعر مبتوتاً في مفرداته وسبكه ومعانيه عن أصله وجذوره وطالما أن الشاعر مطلع على ديوان الشعر العربي ومتثقف بلسان هذا الشعر القديم فلا شك أن تخلد في ذهنه مفردات قديمة يستدعيها خياله أثناء نظمه دون وعي منه أو قصد وقد تعلق بعض أساليب الشعر في خلده لتظهر آثارها في نظمه وليس في ذلك من نقد للشاعر في رأيي لأن ذلك يكون من طبيعة التتلمذ والتأثر الثقافي لامحالة .. ويكفي أن يكون الاستاذ عبدالوهاب قتاية من المعجبين بشعر حمد بوشهاب فأذكر أنه القى محاضرة في ندوة الثقافة والعلوم قبل سنوات عن شعر وشعراء الإمارات ولاشك أنه أحد المهتمين بالأدب وعلى صلة وثيقة بشعر الإمارات وقد زخرت استدلالاته واستشهاداته بكثير من أبيات الشاعر بوشهاب فلو كان شعره الى هذه الدرجة التي أوصلها إليه الاستاذ عبدالغفار لما مكّن هذا الشعر ذاته الاستاذ قتايه من الاستشهاد بأبياته والتفاعل معها بشكل ملفت وكبير. كما أن الشاعر أحمد أمين ذاته رحمه الله معجب بشعر بو شهاب إلى حدّ بعيد وذلك ماعبر عنه في دراسة له عن ديوان أريج السمر نشرها بجريدة «البيان» بتاريخ 16/9/1989 حيث أشاد بشعر بو شهاب ورفعه إلى منزلة عالية جداً فقال (قصائد أريج السمر جمال الشكل وعذوبة الأداء وغزارة المضامين) ووصف بو شهاب بشاعر الإمارات فقال (وتمتاز قصائد شاعر الإمارات في مجموعها بترف في التعبير ورقة الموسيقى وعذوبة النغم وأراها تزدحم بالصور البديعة التي فيها أصالة الشعر القديم). كما أنه اقترح تدريس قصيدة بوشهاب عن اليعاربة ضمن مقرر النصوص الأدبية للمدارس لكونها ستثير الاستطلاع التاريخي لدى الطلبة. ويرى أن بو شهاب يحاول التوفيق في شعره بين الماضي والحاضر .. وذلك كله وأكثر منه وارد لدى أحمد أمين في دراسته هذه وهو مايناقض فيها تماماً ماوصف به الأستاذ عبد الغفار شعر بو شهاب فما دام أحمد أمين وهو الأديب والشاعر يعجب بشعر بو شهاب إلى هذا الحد أفلا يعطينا ذلك قناعة بمستوى هذا الشعر وفاعليته ونسبية ما ورد عنه لدى الأستاذ عبد الغفار .. يقول الشاعر بو شهاب وهذا من جيد شعره وجميله: ليت المدار على النهى في حكمها فيما يذاع ومايخط وينشر لعلمت أية قيمة يسمو بها الأدب الأصيل وأي لغو يقبر أما وقد فرض الغثاء وجوده وغدا الدعي من المثقف يسخر