يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعد من الكتب النادرة التي تنهض في وجه سلسلة الاصدارات التي انطلقت في الاعوام الأخيرة ضد العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاستهلاكية، فهو يشدد على ان العولمة ليست شراً كلها كما يذهب البعض، وانها لاتعني بالضرورة المساس بالثقافات الوطنية، بل قد تؤدي الى تعزيزها. والمؤلف يناقش هذا كله من منظور محدد، هو صناعة السياحة. وفي الرحلة الهائلة عبر صفحات هذا الكتاب نحن على موعد مع تحليل مميز لما تعنيه السياحة باعتبارها أحد أهم مظاهر بدايات الاقتصاد المعولم ومع رؤية متكاملة لمد الجسور بين السياحة وإيجاد السلع وبينها وبين مفهوم الحداثة. ينظر الى الثقافة دائما على انها صعبة التعريف، وقلما ندهش عندما تأتي جمهرة من الانشطة السياحية تحت عنوان السياحة الثقافية. وكتب بورلي عن ذلك يقول: «ذلك النشاط، الذي يمكن الناس من استطلاع او تجربة الوسائل المختلفة للحياة الخاصة بالآخرين، يعكس العادات الاجتماعية والافكار الثقافية الخاصة بالتراث الثقافي الذي قد يكون غير مألوف». هناك فكرة ضمنية للتحسن الذاتي في هذا الطرح وتتمثل احدى وسائل الثقافة في النظر اليها كشكل عمل متميز وكشكل عطلة تتضمن ايضا فكرة التحسن الذاتي، فكرة مغروسة بعمق في الثقافة الغربية، وبدلا من قضاء عطلة ملذات ليس لها غاية او هدف مع جمهور سياحي، فإن سياح الثقافة هم أولئك الذين يمضون اوقاتهم بذهنية اكثر جدية. اذا أردت ان تكون سائح ثقافة وبهذا المعنى فانه عليك ان تتجاوز السياحة الاسترضائية، وان تعود محملا بثروات المعرفة بمواقع وجغرافيا الآخرين ومعارفهم، حتى وان كان في الرحلة متعة بصرية او جمع بطريقة او اخرى لجوهر تسليع الآخرين، وبهذه الطريقة فإن السياحة الثقافية تظهر بجلاء وكأنها شكل مميز للسياحة. وكما سبقت الاشارة فانه ينظر الى السياحة الثقافية ايضا كوسيلة لحيازة رأس المال الثقافي والحصول على المعرفة التي يمكن دراستها فيما بعد متجاوزين النقطة الآنية للاستهلاك. واكتشفت دراسة ريتشارد للسياحة الثقافية الاوروبية ان سياح الثقافة يتمتعون بمكانة اقتصادية اجتماعية رفيعة ومستويات عالية من تحصيل العلم وأوقات الفراغ الكافية وغالبا ما يمارسون اعمالا لها صلة بصناعات الثقافة. هذه اللمحة الوصفية تناسب تلك التي تمت مناقشتها في وقت سابق بالعلاقة مع الاستهلاك بصورة عامة، واستهلاك الموروث الذاتي بصفة خاصة. الاقتصاد والاشكال الاخرى البديلة للسياحة ويمكن رؤية الاستهلاك الثقافي مثل الاشكال الاخرى للاستهلاك بحسبانه وسيلة لانشاء تباينات اجتماعية والحفاظ عليها. لكن شكل الثقافة التي يحللها ريتشارد له طابع نخبوي: انها ثقافة تدور حول المتاحف والمعارض الفنية والفن المعماري والميراث المعماري. ومثل ذلك ايضا الميراث الحضري الطاغي، وفي العلاقة بالانتاج فإن هذا الشكل من السياحة الثقافية يرتبط ايضا بالسياسات القومية والمحلية التي تهتم باعادة التجديد الحضري. وكما يشير روبنسون فان النقاش حول السياحة الثقافية «تهيمن عليه ثقافة ذات منظور مسيطر في معنى الفنون الرفيعة. وهناك قضيتان لابد من مواجهتهما هنا، اولا هل ذلك ببساطة انعكاس لما يتوقعه السياح وصانعو السياسة ومنظمو الرحلات السياحية؟ ثانيا هل من الممكن اعتبار السياحة الثقافية شيئا آخر غير الفنون الرفيعة؟ هل تشير ايضا الى الثقافة في اوسع المعاني التي تم ايضاح تفاصيلها سابقا كونها تتكون من اساليب حرة للحياة او حتى الثقافة الجماهيرية؟ ثقافات الآخرين يعد تحليل زيبل لرسم صورة شعب ايبان في ساراواك بماليزيا نقطة تحتاج للتحليل وتكتب زيبل قائلة ان ساراواك تروج كموقع غريب يعيش فيه شعب ايبان «اسلوب عيش المنازل الطويلة» بشكل خاص، الايبان وهم اكبر مجموعة عرقية في ساراواك اشتهروا فيما مضى بأنهم قاطعو رؤوس خلال القرن التاسع عشر وتعرض الجماجم في منازل طويلة، حيث لايزال الكثير منها هناك، وتسجل الزيارات للمنازل الطويلة باعتبارها مغامرة في عالم صائدي الرؤوس السابق. لكن شعب ايبان اصبح الآن متحضرا وفقا للمفهوم الغربي، وتعزي الاصالة باستخدام الاسم «تقليدي» لوصف الشعب وتراثه الثقافي: ويلفت المرشدون السياحيون انتباه السائح الى العلاقات الاولية لاصالة ثقافة الايبان، اي الى مبانيهم المشهورة بالاستطالة التي يحتفظون فيها بجماجم بشرية ويزين اجسام رجال الايبان الوشم فضلا عن وجود جماجم تذكارية بجوارهم، وسيرى الاوروبيون من السياح بأم اعينهم الايبان، وهم يرتدون الازياء الغربية، ويلفون اجسامهم بالازار التقليدي، ويعيشون تحت اسقف شيدت من الواح القصدير، كما يستخدمون قوارب بخارية حديثة ومناشير آلية لقطع الاخشاب فضلا عن ادوات استهلاكية حديثة اخرى. وتوفر بالي نموذجا آخر للتعقيدات في علاقة التبادل في اطار العولمة وتسليع الثقافة، وينظر الاوروبيون الى مواطن الايبان على انها مواطن غريبة ويكتب بيكارد قائلا ان الثقافة هي التي ادت الى تركيز الرحلات السياحية على بالي والسياحة فيها هي سياحة ثقافية من حيث ان هوبارت يلاحظ ان «ما فعله الناس في جزء معين من بالي سابقا هو انهم باتوا بصورة متزايدة يكونون وعيا ذاتيا تجسده الثقافة». وفي جانب منها فإنها رد على السياحة، ولكن ايضا نتيجة لسياسة الحكومة وبدلا من التجانس الذي افترضته نظرية اضفاء طابع مطاعم ماكدونالدز اصبح ممكنا رؤية منطق الرأسمالية العالمية ناتجا عن المزيد من التفاضل من خلال الاستخدام الادواتي للامكنة والناس والانشطة، باعتبار كل ذلك سلعا للسوق. الهوية الثقافية والسياحة احد النماذج للعلاقة ما بين الهوية الثقافية والسياحة باعتبارها نموا اقتصاديا يزودنا به بيدرسون، الذي يصف السياحة الغالية لاسكتلندا التي صممت لتمكين الزوار والسكان المحليين من التفاعل بنشاط مع المجتمع الاسكتلندي الحديث الذي يتحدث اللغة الغالية في اسكتلندا. وفي هذه الحالة لدينا انموذج لتسليع الثقافة والمكان باعتبارهما شكلا من النمو الاقتصادي، ولكن الهدف يتجه الى الاسواق على نحو خاص. ويكتب بيدرسون قائلا: اذا كان لابد من تصعيد اختراق السوق وتوليد المدخول فانه لابد للانتاج من الاعتماد على نوعية قابلة للعرض. ومهما كانت السياحة الثقافية في اعين منظمي الرحلات السياحية وصانعي القرارات السياسية والكثير من المحللين، فانها بصورة عامة ليس سياحة جماهيرية. وفي الواقع فإننا نستطيع ان نرى ذلك كتفاضل اضافي وكشكل من التسوق القطاعي الذي يعد اكثر ازدهارا من شقيقه الشعبي الفقير. ان مثل هذا الربط بين تسليع الثقافات والتسوق القطاعي لاحظه ريتشاردز وروبنسون ايضا. والواقع انه من المعقول ان نرى نمو سياحة الثقافة باعتبارها تواصلاً منطقياً لانتاج التفاضل مرتبطا مع ما بعد الفوردية وكما الحال بالنسبة للملابس الافريقية. ويمكن رؤية اتساع هذا النمو بوضوح عندما نفحص سياسات ثقافية متنوعة طرحت على المستويات الدولية والقومية والمحلية. تجربة مجلس اوروبا يمكن رؤية محاولة طموحة لربط الثقافة بالسياحة ونمو الاحساس العالمي بالهوية في اعمال مجلس اوروبا، ولهذه المنظمة انشئت في العام 1949، وينبغي عدم الخلط بينها وبين الاتحاد الاوروبي، هدفان رئيسيان جوهرهما الدفاع عن التعددية في الهوية الثقافية، ووراء هذه التنوعات اعادة تقويم التراث المشترك لاوروبا بفهمه من خلال طريقة دينامية ونظرة مستقبلية، واعطى ستيفنسون وصفا لانشاء دليل اوروبي للحرير والاقمشة وضع قواعده المجلس الاوروبي، ويشمل الدليل اكاديميين ومتاحف ومسئولي التراث والسياحة من ايطاليا وفرنسا وتركيا واسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا والمملكة المتحدة، والهدف كان تطوير دليل لخدمة اغراض سياحية وتعليمية. وفي تطور حديث ذي صلة بالمجلس الاوروبي قال ثيروند ان التراث المعماري لبداية السياحة الجماهيرية في القرن العشرين ينبغي ايضا النظر اليه كجزء من التراث الثقافي بين الدول الاوروبية ومن المفارقة بمكان ان يتم تسليع التراث الثقافي لاواخر القرن التاسع عشر وتحويله الى سلعة كما لو كان دليلا للسياح المثقفين الذين ينتمون للقرن الحادي والعشرين. وهناك ايضا بعض الخطوط المتوازية الممتعة مع خطط رحلات ذكرت في العنصر السابق، مثل استخدام السياحة لاغراض توجيهية حتى تضم بعض اشكال التاريخ والمعلومات المشتركة، لقد كان هدف المجلس الاوروبي هو تبني احساس بوحدة الهوية الاوروبية وهي وحدة تعتمد على الاعتراف بالتنوع وهو يثبط فكرة التجانس. على المستوى الوطني، فإن التطورات السياسية الاخيرة في المملكة المتحدة تلفت الاهتمام. وفي سياق الاصطلاح فان عالم الثقافة اصبح ينظر اليه بصورة منفصلة عن العالم السياسي على الرغم من حقيقة ان الحكومات المتتابعة كانت تقوم بتوفير المساعدات المالية لدعم الفنون الرفيعة. ويقدم كيسي وزملاؤه عرضا شاملا للاهمية الاقتصادية للثقافة في المملكة المتحدة واكتشفوا ان فكرة الصناعات الثقافية وفرت اموالا طوال عقد الثمانينيات وهو ما لاحظه ماكويجان، حيث رأى انتقالا من تنظيم الدولة الى تنظيم السوق، وقد توسع مجال صناعة الثقافة بصورة متواترة من الاهتمام فقط بالفنون الرفيعة اى اهتماما يتضمن الاعلام والرياضة والترفيه والعطلات، وقد ادى ذلك التوازي الى التوسع في مجالات التراث على المستوى الوطني والعالمي، كما ورد في الفصل السابق. وعلى الرغم من الاهتمام الحكومي في القيمة الاقتصادية الاستراتيجية للسياحة، والازدهار المفاجيء للمواقع التراثية، طوال عقد الثمانينيات واوائل التسعينيات في المملكة المتحدة، لم تكن هناك اي محاولات لتخطيط استراتيجية او تنسيقها على المستوى المركزي وترك التطوير على مدى واسع وليس استثنائيا لعملية الاسواق، وفي اواسط التسعينيات لاحظت سلطات السياحة البريطانية هبوطا في سوق الاسهم العالمية واقترن بالافتقار الى استراتيجية وطنية وقالت هذه السلطات إن الصناعة منظمة تنظيما سيئا يجعلها غير قادرة على تسويق نفسها، ولمواجهة التراجع في عدد الزوار القادمين الى بريطانيا ووجود تنافس قوي في السوق العالمية وعلى الرغم من ان التراث كان لايزال يعتبر «قيمة نواة» فإن التقرير لفت الاهتمام الى الاحتياج الى الاستثمار في قطاع الزبائن الجدد وتطوير صورة جديدة لبريطانيا. في اعقاب انتخاب الحكومة العمالية في مايو 1997 اعيدت تسمية ادارة التراث القومي واعيد تدشينها تحت اسم «دائرة الثقافة والاعلام والرياضة» ووصفت نفسها كـ «ادارة للمستقبل» معنية بالابداع والتجديد والترفيه وهذا المستقبل يكمن في تطوير «الابداع الاقتصادي .. تلك البضائع والخدمات في القطاع الثقافي». وتبع ذلك اعادة التسمية الرسمية لبريطانيا بما يعكس الوجه الثقافي العالمي الواسع لبريطانيا. وجاء في البيان الرسمي الذي صدر في هذا الصدد ان : الفنون هي جزء لا يتجزأ من السياحة، ويتجسد باستمرار في الانشطة السياحية العريضة. «الاسلوب والتصميم» الحملة الحالية لوضع بريطانيا في مكانة تحديثية وذات وضعية معاصرة ويرمز لذلك بالحروف «بي. تي. ايه» وهي العلاقة السياحية الجديدة وهي الاحدث في صف طويل من المشروعات لتحسين الروابط بين الفنون والسياحة ولرفع مكانة بريطانيا الثقافية». ان مثل هذه التطورات هي جزء من محاولة قامت بها الحكومة البريطانية لطرح هوية قومية مستقبلية وقد اصبحت تعرض هذه الخطوة باستخفاف. من خلال عبارة «كول بريتانيا» او «بريطانيا الجميلة» وكانت الثقافة والهويات القومية لابد ان يعاد تشكيلها في خدمة المصالح الاقتصادية وان يتم تحقيق ذلك باجماع القطاعين العام والخاص وبدوره فان هذا التوجه يدعم ما قاله مورث وسليثر فيما يخص اعادة تنظيم وترتيب الاقتصاد والثقافة والاستهلاك. وعمد وزير الخارجية البريطاني الى اعلان انه: «بالطبع، فان هذا شأن يهم، انه يهم بالنسبة للاعمال والمال ويهم بالنسبة للسياحة ويهم بالنسبة لمكانة بريطانيا في العالم». ان ما يهم في هذه التطورات هي اولا: مركزية السياسة السياحية، وثانيا: الارتباط بين هذه المركزية والتسليع الشامل للثقافة الوطنية من اجل اغراض تجارية. وجزئيا تلك ايضا استراتيجية سياسية اعرض، ترغب من خلالها الحكومة البريطانية بأن ينظر اليها بان طاقمها وتوجهاتها جديدان ودينامية وتقدمية وانها حكومة المستقبل وليست تهتم بالماضي فقط. وتظهر عملية الربط مابين التسويق الخارجي لكل من البضائع المصنعة والسياحة من خلال توسيع اتفاقيات الشراكة على المستويين الوطني والوزاري ايضا المدى الذي وصلت اليها السياحة حيث لم يعد ينظر اليها كشيء خياري اضافي بل سنت التشريعات لجعلها جزءا عضويا في الاقتصاد البريطاني. وعلى سبيل المثال فان الصناعات الابداعية في وصفها الصحيح فضلا عن توفيره القاعدة للاستراتيجيات السياحية المستقبلية. وتحمل الوثيقة الاحدث للسياسة البريطانية باعتبارها احدث وثيقة سياسية من وزارة الثقافة والاعلام والرياضة تأكيدا على ان السياحة لها اهمية بالغة في تشجيع الثقافة المحلية والتنوع وباختصار فان الوثيقة الصادرة عن الوزارة تظهر ان السياحة لم يعد ينظر اليها كصناعة من الدرجة الثانية ومنحت الثقافة بكل صراحة الى السوق ولكن السوق ايضا وسيلة يمكن بواسطتها الحفاظ على «الثقافة» وليست فقط الهويات المحلية والوطنية فقط التي اعيدت صياغتها من اجل اغراض انعاش الاقتصاد. وفي الواقع فان مثال المملكة المتحدة قد يفهم على انه مسعى لتنفيذ ما تم انجازه على مستوى اكثر محلية بل على المستوى القومي. تجديد دماء المدينة لكن استخدام السياسات الثقافية كعنصر لتنشيط وتجديد دماء المدينة خطوة ليست جديدة ولكنها، كما فسرت سابقا جانبا من اعادة تقويم الفضاء الحضري (المدنية) وهو ماحدث فعلا في البلدن النامية في عقد الثمانينيات. ولفت بينانشيني وباركنسون الانتباه الى عدد من القضايا في اوروبا، حيث تستخدم الثقافة كأداة لخدمة غرضين، اولا كي تطبع في الذهن فكرة العزة الوطنية والهوية، وثانيا لخدمة احتياجات صناعة العطلات لكل من محليات محددة وللسياح ايضا. وتوجد ايضا تطورات مشابهة في الولايات المتحدة. وفي كل تلك الامثلة فان مانراه هو بلديات تتخذ سياسات على المستوى المحلي، حتى وان تطور ذلك ليؤدي الى تطوير للعلاقات الدولية. وكما لاحظ بيانشيني في هذه الحالات لا نتعامل مع الثقافة كفن رفيع، بل كشيء ما اعرض واكثر شمولية وغالبا ماتتضمن مساع مقصودة لدمج الاقليات الفقيرة في المدينة. هناك مثالان متصلان بالموسيقى الشعبية او الثقافة الجماهيرية، وهما يوضحان هذه النقاط، وعلى ذلك فان مدينتي ليفربول في المملكة المتحدة ونيوأورليانز في الولايات المتحدة لهما ماض عريق في الموسيقى، ويذكر هنا البيتلز والجاز على التوالي. وفي ضوء ذلك تم تسليع التراث الفريد في كلتا المدينتين لاغراض سياحية، وفي دراسة عن صناعة موسيقى البوب في ليفربول وجد كوهن ان التراث الموسيقي لتلك المدينة كان وسيلة لتأكيد الاختلاف لربطها بصور وقيم خاصة ولكن هناك اختلافات كبيرة في الاساليب التي يحول بها السكان المحليون والسياح هذه الصور والقيم الى مفاهيم. فالكثيرون من السكاوسرز (الاسم التقليدي للسكان المحليين) يميلون الى النظر الى البيتلز كمتمردين وينظر العاملون في صناعة الموسيقى في المدينة الى هذا التراث على انه يعبر عن نكسة لموسيقى المدينة اما بالنسبة لأولئك المهتمين بالشئون السياحية فإن البيتلز لايزالون اسلوبا لعرض المدينة على خشبة المسرح العالمي، ويعلق احد مسئولي السياحة على ذلك بالقول: ان البيتلز بالنسبة لليفربول اشبه بالبابا بالنسبة لروما وشكسبير بالنسبة لستراتفورد. اذا كنت تستطيع استغلال ذلك فلا تتوقف. وحسب تعليق كوهين فان مثل هذا الاختلاف احيانا يتعارض مع قيمة هذا التراث الفريد مثل البيتلز او ادق مع المعروض الذي يمثلهم، وهي رموز تتعرض للمنافسة، وهذه المنافسة تخص الملكية الاسمية للتمثيل. وتعتقد الغالبية في ليفربول ان البيتلز هم جزء من تراثهم، وهم جزء من معرفتهم المحلية وجزء لا يتجزأ من الفضاء التمثيلي لمدينتهم وتخلص اتكنسون الى نتائج مشابهة في دراسته لمدينة نيواورليانز، وتلاحظ ان المدينة طالما ارتبطت بالموسيقى ولعبت دورا محوريا في تطوير الجاز. فمنذ عقد الثمانينيات تراجعت خطوط المدينة الاقتصادية وبدأت السياحة تستقطب اهتمام صناع القرار وباتت السياحة مصدر الدخل الرئيسي، ونجم عن ذلك خلافات حول الجهة المخولة بامتلاك هذا التمثيل في المدينة. احد الملامح المهمة لهاتين القضيتين يتمثل في العلاقات التي ترسخت مابين المدينتين، وكما يوضح اتكنسون تتمتع هاتان المدينتان بسمات مشتركة، فهما ميناءان متراجعتان اقتصاديا وتتمتعان بعلاقات تجارية تاريخية وكلاهما مرتبط اقتصاديا وثقافيا بأحوال الامة، وفي اواخر العقد الثامن (القرن الماضي) اعلنت توأمة المدينتين واصبحتا مرتبطتان بصداقة وعلاقة الصداقة هي اقل مستوى من التوأمة ولكن هذه الصداقة لا تزال تربطها درجة من التعاون واما النقطة المثيرة للاهتمام والتي تربطهما فهي الطريقة التي تحاط بها حدود المدينتين بالمناطق المحلية، وهي سمة مشتركة بين الاثنتين، وبالمقابل فان ماتثيره هذه القضايا، وفي الواقع هناك الكثير منها، هي اسئلة تخص ملكية الثقافة: من يسلع هذه الثقافة، ولأجل ماذا؟ في ليفربول ونيواورليانز نرى مدينتين تسعيان ليس لتنويع مدخولهما المالي من خلال السياحة بل لتحسين صورتهما باستنان مجموعة اجراءات قانونية، ومجموعة ارشادات تخص الثقافة لكي يتسنى بيع فرادتها وتؤدي العولمة الى انتشار وتبني سياسات اقتصادية مماثلة فضلا عن تعريفات عالمية للتراث الدولي. وينبغي ان تأتي ليس فجأة او على حين غرة لنجد ان عمليات التسليع الثقافي من اجل خطر السياحة قد انتقلت هي الاخرى الى خشبة المسرح العالمي وانها ليست حق مقتصر على الدول النامية في الغرب. وكما يظهر هذا الفصل من الكتاب الذي نناقشه هنا يمكن العثور على امثلة مشابهة في اجزاء اخرى من العالم ايضا. لقد باتت عملية التسليع الثقافي مثل الرأسمالية نفسها تمارس على المسرح العالمي وفي بعض الحالات يرتبط بقوة بديناميات التفاعل ما بين السياسة والاسواق اوالسعي لتسخير الاسواق لغايات سياسية وان ما نراه ينهى هو ما يصفه ويلك بأنه «هياكل اختلاف مشترك» والمعروف ان التشابه بين الثقافات هي مسألة شكل وليس محتوى والشكل يمثل منطق الاقتصاد السياسي لما بعد الفوردية واستراتيجيات التجزئة المرتبطة. الثقافة والتسليع تعد الثقافة بحاجة الى التحول الى مفهوم باعتبارها عملية دينامية للبناء وللحفاظ على المعاني الرمزية التي لايمكن ان تقلص الى مجموعة من المعاني المرتبطة اما بالناس او المكان، على الرغم من ان ذلك يحدث من خلال النظام السياحي والثقافات التي تمثل بهذه الطريقة. وقد سبقت الاشارة الى ان الثقافة هي تجربة حية معاشة وانه لتقسيم النشاطات والسلع الى فئات رفيعة ومنخفضة او لنخبة او لجماهير هي لتخليد مفهوم ثقافي غير متوازن نوعا ما وغربي واقترح ان فكرة الثقافات كونها متحركة ومرتبطة بالمكان ايضا هي فكرة جوهرية بالنسبة لفكرة العولمة الثقافية، وعلى سبيل المثال فقد ناقش المؤلف الاساليب التي يمكن بها النظر للتراث كوسيلة لاستعادة او ابتكار فكرة التماسك الثقافي المرتبطة بمحليات محددة. ان ارتباط الثقافة بهذا المعنى لا يزال مهما بصورة واضحة عند عدد من المستويات وعلى الرغم من انه من المبكر اصدار نواد للدولة القومية لانها لم تتلاش وكما تبين الدراسات السابقة فان الحكومات القومية والمحلية في الدول النامية والعالم المتطور تمارس سياسات التدخل كي توجه الشكل او انماط التطور الثقافي ومثل هذا التطور في كل الاحوال ليس متوازنا في كل من الانتشار والتأثيرات. من السمات المتميزة والمهمة للسياحة حقيقة انها مميزة اجتماعيا وفضاء وباعتبارها متبينة ومختلفة وتبذل اماكن بدءا من ولايات الامة الى المحليات مساعي لتسليع وعرض نفسها بأنها مختلفة وتمتلك سمات وحيدة فيما يخص المكان والثقافة وتتكون من جوهر خاص ان انتاج واستهلاك حكايات المكان نشأت من خلال التراث، ولا توفر فقط وسائل بواسطتها يمكن بناء الشعور بالقومية اوالهوية المحلية بل هي احد الوسائل التي يمكن بواسطتها انتاج السلع من اجل السائح العالمي. وهكذا، وعلى الرغم من اننا نبدو في عصر يتسم بتلاشي حقائق الماضي، الا اننا نستطيع ادراك ان اماكن لا تزال تحاول مدفوعة في الحقيقة بالحاجة لتفاضل نفسها عن اماكن اخرى من حيث السوق السياحية فضلا عن الضروريات الداخلية او المحلية الثقافية، واذا كنا نرى نهوض الاشكال الثقافية الخالية من الاختلاف او تشوش في الحدود مابين الرفيعة والمنخفضة فان ذلك لايعني ان تلك الاماكن والثقافات تميل نحو التشابه او التجانس وفي الواقع فان ذلك يشير الى العكس. وعلى سبيل المثال فإن ازالة الاختلاف او حتى حالة ما بعد العصري فبكل بساطة لا تفكك عمليات العصرنة وهي بدلا من ذلك تعطي اشارة ذات نوعية مختلفة عن الاختلاف، اختلاف معقد اكثر ويتقاطع مع تقسيمات قديمة مثل الثقافة الرفيعة والمنخفضة والاصيل وغير الاصيل والغريب والمألوف والعمل والعطلات وما الى ذلك. وقد سبقت الاشارة الى ان الحدود مشوشة او ان الاشياء غير متفاضلة فان ذلك لايحل اي شيء بل قد تكون وسيلة للهروب من مجموعة من القضايا المعقدة. وبناء على ذلك فلابد من ان ازالة الاختلاف تدرس في افضل احوالها كشكل اكثر تعقيدا من الاختلاف ، اختلاف لم يعد ينسجم مع القواعد القديمة او في الواقع من حيث حالة الامة بل على المسرح العالمي. في اطار هذا الفصل رأينا كيف ان هناك حاجة ملحة في تحليل السياحة لعلاج مشكلة الثقافة بأسلوب اكثر عمقا وهناك بوضوح روابط مابين الاقتصاد السياسي والثقافة، ومن هنا فان هناك روابط مابين استخدام الثقافة من اجل اغراض سياحية، ولكن الثقافة ينظر اليها في الغالب كنتيجة للاقتصاد ولا يمنح سوى اهتمام بسيط بفحص التفاعل بينهما وبالاساليب التي تدفع بها الثقافات عن طريق التزاماتها الداخلية الخاصة وعن طريق التأثيرات الخارجية ورأيت ايضا ان العولمة لا تؤدي هي في ذاتها الى التجانس الثقافي بل تبدو انها تولد اختلافات اكثر من التشابهات. ومن الجلي ايضا انه من الضروري التمييز ليس فقط بين النماذج الوصفية والتقريرية للثقافة بل ايضا للتركيز على الاساليب التي تستخدم فيها الثقافة في نمط آلي فضلا عن الاساليب المستخدمة في تشكيل الهويات المحلية. ومن احد الاساليب لتقويم مثل هذه المزاعم هو مد النظر الى ما وراء العمليات الواضحة للتسليع المنتجة وحيدة لاغراض السياحة والمساعي لتسخير الاقتصاد الثقافي وفقا لتوجيهات سياسية وينبغي التركيز على ان يكون عقب ذلك على الوسائل التي من خلالها يتجاوز التسليع الاعراف الثقافية للمجتمعات المضيفة من حيث المحلية والهوية ووسائل من خلالها تتأثر انماط الحياة اليومية وممارسات التمثيل والمعرفة وتتكيف من اجل تطوير السياحة.