تتعدد الأسباب والموت واحد، حكمة خالدة تؤكد ان الانسان والحيوان ميتون لا محالة مهما اختلفت الاسباب، البعض يموت بعد ان يصاب جسده بعلة ما، البعض يموت في حادث سير أو صعقة تيار كهرباء، أو هكذا فجأة نتيجة لأزمة قلبية، الكل ميت وهذه سنة الحياة، ومع التسليم التام بأن لكل اجل كتاب، فقد يفارق بعض الأشخاص هذه الحياة بمجرد المصادفة، أناس في كامل صحتهم وعافيتهم يموتون فجأة لأن المصادفة والقدر المحتوم كانا لهما بالمرصاد، أناس نجوا من موت محقق ذات لحظة، يلفظون أنفاسهم الأخيرة قبل ان يفيقوا من الصدمة، وهذا قدرهم المحتوم لأن الموت واحد مهما تعددت الأسباب. ـ كان هيرنان هيريرا في الخامسة والثلاثين حيث نجا ذات ليلة من حادث تسبب فيه عندما اصطدمت سيارته التي كان يقودها بشجرة في ميامي بيتش الأميركية إلا انه فارق الحياة بعد ان خرج بصعوبة من السيارة واصابته صعقة كهربائية أودت بحياته بعد أقل من خمس دقائق من نجاته، فقد سقطت الشجرة على عمود كهرباء وتدلت الأسلاك نتيجة لذلك السقوط! ـ عادل نسيم جرجس موظف حكومي مصري كان يبلغ الخمسين من العمر، انتظر جرجس ثمانية أعوام كي يترقى للدرجة الوظيفية الأعلى، اصابته ازمة قلبية حادة أودت بحياته وهو يطالع اسمه وسط قائمة تضم الاف الموظفين الذين تمت ترقيتهم، لقد كان ضحية الحلم الذي تحقق أخيراً، هكذا قال أحد زملائه! ـ ثلاثة شبان يمنيين مفعمين بالحياة ماتوا غرقاً داخل احدى الآبار عندما أراد صاحب البئر اخراج قطة ميتة بالقاع أمسك أولهم، وهو متخصص في تنظيف الآبار بحبل غليظ وتدلى نحو قاع البئر، أغمي عليه ولم يتمكن من الصعود، تبعه شقيقه وزميل لهما إلا انهما لم يعودا الى سطح الأرض، مسك الرابع بالحبل وانزلق داخل البئر، لم يتمكن من الصعود حتى جاءت الشرطة وانقذته، ولا يزال يعاني من المرض والقطة لا تزال بقاع البئر! ـ المادو فرانسيسكو، لص كانت تعوزه الفطنة عندما دخل منزلاً في مدينة اليكانتي الاسبانية مدعياً انه مهندس متخصص في اصلاح ماكينات الحياكة. سرق فرانسيسكو مبلغاً من المال وعندما كان يهم بالخروج اصطدم بصاحبة المنزل، ابتلع اللص طاقم الاسنان الصناعية الذي كان يضعه، وقف الطاقم في زوره واختنق حتى لفظ أنفاسه الأخيرة! ـ خرج هنري زينجلاند من منزل صديقته بقرية هوني جروف بولاية تكساس الأميركية ذات أمسية مقمرة في عام 1893، كان شقيقها يترصد خطواته واطلق عليه رصاصتين اعتقد بأنهما ستقضيان على حياته. كان الشقيق يدافع عن شرفه، وقبل ان يتأكد من ان الرجل قد فارق الحياة وجه المسدس نحو صدغه وانتحر، إلا ان الرصاصات لم تصب زينجلاند في مقتل، وانغرست في ساق شجرة كان يمر بالقرب منها، وبعد عشرين سنة قرر زينجلاند قطع الشجرة التي كانت تقف في شموخ وكبرياء في مكانها، فقرر زينجلاند الاستعانة بشحنة ديناميت لازالة الشجرة بعد ان فشل في قطعها يدوياً، وضع الشحنة بجذع الشجرة وانفجرت الشحنة، وانطلقت رصاصة من ساق الشجرة وأودت بحياته، وكانت واحدة من الرصاصتين اللتين اطلقهما شقيق الصديقة قبل عشرين عاما! ـ بعد ان تيقنت التشيكية فيرا سمارك من مغامرات زوجها النسائية وخيانته المتكررة، قررت ان تنهي حياتها، وعند العاشرة مساء من ليلة مظلمة قررت ان تلقي بنفسها من الطابق الرابع الذي كانت تسكن شقة فيه. رمت بنفسها وهوت فوق جسد زوجها الذي كان أمام باب البناية، فاضت روح الزوج ولم تمت السيدة سمارك! ـ قررت آنا سميث ذات العشرين ربيعاً التخلص من زوجها الذي كان يعمل مدرباً للسباحة بسان ديغيو في العام 1977 طمعاً في شهادة التأمين على الحياة التي كانت تبلغ 50 ألف دولار أميركي. وضعت له السم داخل كعكة أعدتها بنفسها. تناول سميث قطعة صغيرة من الكعكة. لم يمت! أوصلت «دش الحمام» بالتيار الكهربائي.. لم يمت! استبدلت الاطارات الجديدة للسيارة باطارات قديمة، انفجر اطاران والزوج يقود السيارة.. لم يمت! وضعت مادة مخدرة في كوب الشاي عندما كان الزوج يتناول وجبة الافطار.. ولم يمت. وبعد ان أعيتها الحيلة اتفقت مع جارة لها للقضاء على الزوج. وضعتا خطة لقتله بساطور وهو نائم، وعندما حانت اللحظة رفعت السيدة سميث الساطور ووجهته نحو رأس الزوج الذي كان يغط في نوم عميق. وفجأة فقدت السيطرة على جسدها وطار الساطور في الهواء ليحط فوق رأس جارتها. أصدرت الجارة صرخة جبارة واستيقظ الزوج. فاضت روح الجارة وهي في طريقها للمستشفى! ـ ناتالي هانسن، عجوز تجاوزت السبعين سكنت قرية سويدية رائعة الجمال.. كانت وحيدة ولا عائل لها. أخر ما شاهدتها كانت صديقة لها. حدث ذلك قبل رحيلها الغريب عن الحياة بليلة واحدة. قصدت الجارة منزل هانسن وهي تحمل ابريقاً من القهوة وحلوى وتلغرافاً. وضعت الجارة يدها على مزلاج الباب فإذا به يشتعل حرارة. اندهشت الجارة وهرولت تطلب النجدة من بعض العمال الذين كانوا يحفرون مصرفاً للماء بالمنطقة، نجح العمال في اقتحام المنزل. كانت الصالة ساخنة فتحوا النوافذ علّ الهواء يبرد. هالهم منظر مخيف وفظيع، شاهدوا عبر النافذة بقايا مقعد محترق وامرأة عجوز. لم يشاهدوا سوى كومة من الحطب الأسود وجمجمة. تلفتوا حولهم فإذا بكل شيء أسود. الحريق التهم كل شيء، وأي شيء يزيد ارتفاعه على أربعة أمتار كان أسود، شموع محترقة، ومناضد ومقاعد، كل شيء التهمته النيران. وكانت عقارب الساعة تشير نحو الخامسة. وكانت هناك مساحة صغيرة محترقة في المكان الذي احتضن الجمجمة، ولم تتأثر الأماكن الأخرى بالحريق. أجمع العلماء والباحثون على حقيقة واحدة وهي ان تحرق جسداً وتحوله الى عظام لا يغطيها أي لحم، فأنت بحاجة الى درجة حرارة تقارب 1650 درجة بقياس سنتجريت، ولم يكن هناك أي شيء داخل المنزل يمكنه ان يطلق هذه الدرجة العالية من الحرارة. ولم يكن هناك ما يمكن ان يدمر حياة المرأة المستوحدة. ولم تكن هناك أي متفجرات أو مواد قابلة للاشتعال. وهكذا يمضي البشر، غرباء في الحياة وغرباء في الموت، إلا ان الأغرب من كل هذا حالات الموت التي تفجؤنا بكل تفاصيلها المستحيلة.. الموت واحد وان تعددت الأسباب.. هكذا تقول المسلمات. مأمون الباقر