الصحة بالتعريف لا تعني فقط غياب المرض، بل هي حالة من الرفاهية الجسدية والنفسية والاجتماعية، اي ان الصحة والسعادة وجهان لعملة واحدة، وقد تناولت بحوث كثيرة هذه العلاقة، وتبين ان مشاعر السعادة لا تتأثر بالصحة فقط بل ان الصلة بينهما تبدو قوية جداً وخصوصاً لدى المتقدمين بالعمر، فالسعادة تحافظ على الصحة، والعكس صحيح. وبالرغم من هذه العلاقة فإنه للاسف يهمل الكثيرون صحتهم، فهم لا يطمئنون على صحتهم من خلال الفحص الدوري، ويلهثون وراء المال وجمع الثروة، ولو على حساب راحتهم. ووفقاً لاحدى الدراسات تبين ان 30% من الاشخاص الذين اجريت عليهم الابحاث لم يزوروا الطبيب خلال العام الماضي، وان اكثر من 10% لم يذهبوا الى الطبيب نهائياً. ومن المعروف أن اكثر الاسباب المؤدية للوفاة هي امراض القلب والاوعية الدموية، والسرطانات بأنواعها، اضافة الى حوادث السير وغير ذلك من الامراض، التي باتت تعرف بأمراض العصر لارتباطها بالتوتر والانفعال وسوء التغذية، وهي من سمات عصرنا الحالي الذي صبغنا بهذه الصفات بحيث بات الواحد منا يبدو وكأنه يسير والقلق والتوتر والخوف والانانية وغير ذلك من المشاعر السلبية تحيط به من كل صوب. وبالطبع لا يقتصر تأثير هذه المشاعر على الشخص وحده، انما على من حوله ايضاً، فعلى سبيل المثال بسبب ضغوط الحياة المتزايدة تصبح العلاقات داخل الاسرة تشوبها الاضطرابات، بحيث يصبح البيت مصدراً للتوتر بدلاً من ان يكون مصدراً للراحة والسعادة. وبالاضافة الى ذلك تتأثر العلاقات الاجتماعية على صعيد الجوار والعمل، فتكثر الخلافات، وتضمحل هذه العلاقات التي من المفترض ان تلعب دوراً مهماً في عملية التوازن الجسدي والنفسي والحفاظ على الصحة وتحقيق السعادة. وعلى سبيل المثال نذكر ان احدى الدراسات قد اشارت الى ان الاصحاء لديهم اصدقاء اكثر، وان الدعم الاجتماعي يمكن ان يقي من تأثيرات المشقة على الصحة الجسدية، فقد اظهرت الدراسة ان العلاقات الاجتماعية القوية تخفف من وطأة المرض ومضاعفاته، خصوصاً اذا كان المرض من بين الامراض المزمنة التي تهدد حياة الانسان كأمراض القلب والاوعية الدموية والسرطان والربو وغيرها. الشعور بالوحدة تبين في دراسة اجريت على الشعور بالوحدة وتأثيره على الصحة، ان معدل تردد الطالبات للشكوى من عدد كبير من الاضطرابات كان اقل اذا كانت هناك علاقة ذات نوعية جيدة مع الاصدقاء، وكانت معدلات امراضهن اقل بوضوح اذا كانت علاقتهن الاجتماعية ذات تقدير مرتفع. تؤكد الدراسات ان العلاقات الجيدة تقي من المرض، وان العلاقات السطحية تضعف الجهاز المناعي لدى الانسان وتعرضه للاصابة بالكثير من الامراض ابتداء من الانفلونزا والقولون وانتهاء بامراض خطيرة تهدد حياته. اذ ان الدعم الاجتماعي الناجم عن العلاقات الجيدة يحصن الجسم الانفعالات السلبية كالقلق والاكتئاب والتوتر وما ينجم عنها من اضطرابات جسدية على شكل امراض. وبالطبع لا يمكننا ان نغفل دور الشخصية ذاتها للانسان، اذ ان الشخصية العصابية تتعرض كثيراً للامراض مقارنة بغيرها من انماط الشخصية العصابية كثيرة الشكوى. الرضا عن الحياة ان الصحة ترتبط ارتباطاً قوياً بالسعادة، وهي غالباً سبب للسعادة والشعور بالرضا عن الحياة وخصوصاً بين المتقدمين في العمر، والعلاقات الوثيقة والقوية سواء بين الزوجين وافراد العائلة، او خارجها على مستوى العمل والحياة العامة هي بمثابة الجسر الذي نعبر عليه والشعور بالسعادة يغمرنا، لهذا وجب علينا جميعاً ان نحرص على اعادة التفكير ملياً بنمط حياتنا وعلاقاتنا، فالعلاقات السائدة كما هو معروف للجميع في معظمها قائمة على المنفعة، وهي بذلك يمكنها ان تجلب الثروة والمال ولكنها لا تحقق السعادة، فالمال ليس هو الغاية بل هو وسيلة لابد منها لتأمين متطلبات الحياة، فهو قد يبني لنا بيوتاً جميلة، لكنها تفتقد للدفء الذي يعد من اهم مقومات البيت السعيد والتمتع من جراء ذلك بالاستقرار والصحة والسعادة. د. بسام درويش