يقول الفلسطيني الشاب انه لم يتمكن من مقاومة غواية المرأة التي اغرته في احد الحقول القريبة من منزله قبل عامين، ولم يشك فيما يمكن ان يترتب على ذلك من عواقب وخيمة، ذلك انه، في منتصف ذلك اللقاء الحار قام عملاء من قوات الامن الاسرائيلية بمهاجمة العاشقين ليخبروا الشاب الفلسطيني بأنهم سيبلغون زوجته بخيانته لها حال عدم تجاوبه معهم. وعلى الرغم من قوله انه الآن يشك انه قد استدرج لهذه المكيدة الا انه يعترف ايضا بانه كان هدفا سهلا اذ لم يكن مطلوبا الا في بعض جرائم تافهة ومحفظة مليئة ببطاقات الهوية المزورة ولكن خلال ايام كان قد وافق على التخلي عن حريته حيث اصبح عميلا لدى الاسرائيليين. في مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة يتم الايقاع بالآلاف من الشباب الفلسطينيين بالطريقة نفسها التي تم بواسطتها الايقاع بهذا الشاب للعمل كجواسيس على اخوانهم الفلسطينيين وعلى الرغم من ان اعدادا قليلة من هؤلاء العملاء الذين يقبضون رواتبهم من اسرائيل غير معروفة الا ان الارقام التي اعلنت عنها جماعات حقوق الانسان تشير الى انها قد تصل الى 15000 «متعاون» على هذه الشاكلة. وعلى الرغم من ان استخدام الاسرائيليين لهؤلاء المتواطئين قد عمل على منع عدد غير قليل من الهجمات الانتحارية، الا انه بالاضافة الى زيادة تعزيز الامن الاسرائيلي قد عمل على نشر ثقافة من الشك جعلت الناس يرتابون في اي شخص يدير عملا تجاريا ناجحا او يملك وسيلة للحصول على الاشياء التي لا يمكن الحصول عليها بسهولة. وبالنسبة لذلك الشاب الفلسطيني كان دافعه الى ما اقدم عليه هو الخوف وليس الطمع وهو يقول عن نفسه: «لقد وافقت على العمل معهم مقابل الرأفة بحالي، وافقت على ان اعاونهم في مشكلات تتعلق بالسرقة وتجارة المخدرات». ويضيف انه في السنة الماضية قام مسئوله الاسرائيلي بالاتصال وامره بان يقوم بمراقبة رجلين من قريته الواقعة في الضفة الغربية احدهما من «حماس» والآخر من «فتح». ويتابع: «على الرغم من انني لم اكن اريد القيام بهذه المهمة الا انه زعم انه يريد معرفة تحركاتهما فقط وقد اعطيته معلومات مكثفة عنهما لكن الخوف ساورني من ان الاسرائيليين كانوا يخططون لما يتجاوز مجرد مراقبتهما. كنت اتابع الاسرائيليين على شاشات التلفزيون وارى كيف انهم كانوا يغتالون الناس وكيف كانوا يلاحقونهم بشكل منظم ثم توصلت الى نتيجة مفادها انني كنت اساعدهم على القيام بذلك فوليت الادبار هاربا». كان سلوكه المريب معروفا لدى رجال الشرطة الفلسطينية ويقول عن فراره انه كان نوعا من الشعور بالارتياح نتيجة الخروج من بئر عميقة كان قد حفرها لنفسه، ويقول: «لقد اعترفت بكل شيء حتى انني اتحدث بسرعة تفوق السرعة التي كان يكتب بها الضابط الذي قام باستجوابي». منذ توقيع بنود اتفاقية اوسلو في سنة 1993 التي نصت على اخضاع اجزاء من الاراضي المحتلة لسيطرة السلطة الفلسطينية، اصبح استقطاب المتواطئين مع السلطات الاسرائيلية عنصرا رئيسيا من عناصر جهاز الامن الاسرائيلي وعادة ما يبدأ العمل بطريقة سهلة، تسريب تفاصيل عن ارقام سيارة لاحد الجيران او زملاء العمل وكلما استدرج هؤلاء العملاء اكثر تمت مطالبتهم بتسريب معلومات عن الجماعات المسلحة والسياسية على اعلى مستوى او تحديد اهداف لحملات اعتقالات واغتيالات وكانت اسرائيل قد صعدت سياساتها التي تعتمد الاغتيال خلال الانتفاضة الحالية مستخدمة بصورة تقليدية المتواطئين للترتيب لتنفيذها كما فعلت مع هذا الشاب الفلسطيني. يتساءل موشي كوبربيرغ وهو عميل سابق لدى جهاز الامن الداخلي الاسرائيلي الشين بيت كان قد تم تجنيده وعمد اليه قبل تقاعده في سنة 1999 بادارة شبكة من المتواطئين في الضفة الغربية، ما الذي كانت ستفعله اسرائيل لولا وجود هؤلاء المتواطئين؟ ببساطة كان سيسقط في يدنا. يرى صالح عبدالجواد رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة بيرزيت بالقرب من رام الله ان تجنيد هؤلاء المتواطئين كان احد الاهداف التي ترمي اليها الممارسات الاجرامية الاسرائيلية الحالية في الضفة الغربية حيث ان مئات الفلسطينيين يتم اعتقالهم وعلى الرغم من ان الهدف المعلن لهذه الاعتقالات كان دائما تصفية العناصر المنتمية الى جماعات مسلحة إلا انه يقول ان العديد من هؤلاء يمنحون اثناء استجوابهم فرصاً للتعاون مع سلطات الاحتلال. ويضيف في العديد من الدول يتم احتجازك أو سجنك لانك قمت بتصرفات غير سليمة او انك قمت بالتخطيط لذلك لكن هنا يمر كل السكان البالغين من الذكور بالتجربة نفسها واتصور ان ذلك نوع من عمليات الفرز التي يتم بموجبها اختيار العملاء. ويعزز ما قاله الشاب الفلسطيني تقارير صادرة عن عدد من منظمات حقوق الانسان بما في ذلك جماعة حقوق الانسان الاسرائيلية بيتسلم وجماعة مراقبة حقوق الانسان الفلسطينية. حيث ان لدى كل واحدة من هذه المنظمات تقارير مسجلة عن هؤلاء المسجلين كمجرمين يتحدثون فيها بالتفصيل عن الكيفية التي تمت فيها مقايضتهم بالحرية مقابل تقديم المعلومات وآخرين كانت تعرض عليهم صور قريباتهم عاريات في محلات بيع الملابس النسائية وهن يقمن بقياس ما يشترينه من الثياب ليتم ابلاغهم بأنه سيتم توزيع تلك الصور حال رفضهم التعاون مع السلطات الاسرائيلية. يقول جواد عن ذلك هناك الكثير من الاشياء المحرمة في المجتمع الفلسطيني تفسح المجال للاسرائيليين لكي يمارسوا ضغوطهم على الناس، ويجبروهم على التعاون معهم. يقول كوبربيرغ الرجل النحيف النشط ذو الابتسامة العريضة والجاذبية الجاهزة بأن وسائله كانت اشد تعقيدا وانها كانت ترتكز على العمل على تضليل الكوادر المسلحة الشابة وتشكيكها في المنظمات التي تنتمي اليها بالاشارة الى اشياء كعدم الاتساق في الخطاب الاصولي المتشدد؟ او فشل هذه الجماعات في تحقيق حلمها باقامة الدولة الفلسطنية التي تزعم بأنها تقاتل من اجلها. وهناك آخرون كان يقوم باقناعهم بأن من الافضل لهم ان يساعدوا اهلهم من خلال العمل لدى الاسرائيليين حتى تتوفر لهم الضمانات الكافية التي تمكنهم من الحصول على حرية التنقل عبر الاراضي المحتلة. يضيف كوبربيرغ الى ذلك بقوله: ان ضم هؤلاء المتواطئين الى صفوفنا، يعني بناء الثقة ومن اللازم على كل واحد منهم ان يعرف لماذا يعمل معنا واننا محترفون وهم يتعاونون معنا لاننا نقول لهم الحقيقة. واذا كنت أمل بأن يتعاون معي شاب في الثامنة عشرة من عمره فإن ذلك يتطلب منه الاعتقاد بوجود تفاهم مشترك فيما بيننا. كما ان عليّ ان اخبره بأنني اسعى الى ايقاف حمامات الدماء وبمرور الوقت سيقتنع بأنني كنت صادقاً معه! ويتابع: اذا ثبت عدم جدوى هذه الوسائل فهناك دائما المال، حيث انني احرص على التأكيد لهم بأننا كرماء واسخياء معهم. كبربيرغ يهودي علماني يتحدث العربية بطلاقة تم تدريبه على تقمص شخصية فلسطيني تحت اسم «موسى» وكان قد اعد لملاحقة الاعضاء الجدد في الجماعات المسلحة، وكما يقول عن نفسه كنا نكف عن ملاحقة الطلاب الذين تثبت عدم مشاركتهم والمعتدلين، لكن هؤلاء الاشخاص ان كانوا متطرفين اخبرناهم بأنهم يعيشون في حلم وحتى اذا لم يتعاونوا معنا فإن هذا الحوار بيننا وبينهم قد يحول دون مهاجمتهم مستقبلا. هذه المهمة كانت تستغرق وقتاً قصيراً قد لايزيد على ساعة واحدة أو تستمر شهوراً عدة وفي اثناء ذلك كان كوبربيرغ يقوم بتدريب المتعاونين الجدد على الكيفية التي يمكنهم بواسطتها تجنب الكشف عن هوياتهم. كان يرسل تحذيراته بعدم الافصاح عن شيء حتى لأقرب المقربين منهم وعدم الاسراف في انفاق النقود التي يحصلون عليها تجنباً للاشتباه بهم. وبالاضافة الى ذلك كان يقدم لهم الوعود بتوفير الحماية لهم داخل اسرائيل لدى اكتشاف أي عنصر منهم. ويستطرد قائلاً ان جهاز الـ «شين بيت» يدير حياً سكنياً كاملا يقيم فيه المتواطئون السابقون الذين منحت لهم هويات جديدة. ويضيف «كما اننا نرسل بعضهم كذلك الى الخارج الى مناطق بعيدة». ومع ذلك فإن هذا النوع من الحماية لا يتوفر إلا لمخبرين من ذوي الرتب العالية. ويزعم المتعاونون الذين يعملون حسب تصنيفهم في الدرجات السفلى من هذا التنظيم والذين يشعرون بالاستياء من ذلك ان على اسرائيل القيام بالمزيد من أجل حمايتهم، كما يعد نفر من هؤلاء لمقاضاة الدولة العبرية قانونياً. من جانبها تتعرض السلطة الفلسطينية لانتقادات حادة فيما يتعلق بالكيفية التي تتعامل بها مع هذه المسألة، فيما تشعر منظمات حقوق الانسان بالقلق تجاه عدم حصول أولئك المدرجين ضمن قوائم المتعاونين على محاكمات عادلة، حيث يتم اقناع المحاكم العسكرية بتورطهم على نحو سريع ليحرموا من حقهم في الحصول على محاكمات عادلة على نحو أسرع من ذلك. يحيط عدد من التساؤلات بمدى ما تبديه محاكم أمن الدولة من احترام فيما يتعلق بحق الحصول على محاكمات عادلة وثمة شكوك تدور حول ما اذا كانت العدالة تأخذ مجراها الحقيقي. وهو ما يقوله المركز الفلسطيني لحقوق الانسان في غزة في تقريره الأخير حول هذا الموضوع الذي تم نشره في فبراير الماضي. يقول راجي صوراني مدير المركز «انه يجب القاء القبض على المتعاونين المشتبه فيهم إلا ان من حق هؤلاء ان يحصلوا على محاكمات عادلة لا على محاكمات أمن الدولة، أنا شخصيا ضد أي نوع من أنواع المحاكمات العسكرية». لكن الأمر لا يقتصر على المحاكمات الصورية، ففي اثناء الانتفاضة الأولى التي بدأت سنة 1987 مات حوالي 1000 فلسطيني في قتالهم مع الجنود والمستوطنين الاسرائيليين. ويشير تقرير نشره المركز الى ان أعداداً مشابهة من الناس قتلوا بأيدي مواطنيهم نتيجة الاشتباه في تعاونهم، غير ان 45% من هؤلاء كانوا مدانين فعلاً. يلقى عدد من المشتبه فيهم حتفهم ببساطة رمياً بالرصاص وهم يسيرون في الطريق على يد جماعات شديدة الحذر. وفيما تغض السلطة الفلسطينية النظر عما يدور من حولها، فإن العبارة قد تستخدم أحيانا كذريعة للقتل بعيداً عن اختصاص المحكمة يكون قد تم تجهيزه مسبقاً لتصفية حسابات قديمة. وعلى الرغم من ان هذه التكتيكات تنتهك السلطة الفلسطينية في أوسلو التي تنص على سبيل المثال مواضع منها على ان «الفلسطينيين الذين كانت لهم اتصالات مع السلطات الاسرائيلية لن يكونوا عرضة للأذى أو العنف أو العقوبة أو المحاكمة». إلا ان التجاوزات مازالت مستمرة وخلال الشهر الماضي قتل ثلاثة رجال رمياً بالرصاص على يد مسلحين مقنعين في قلب مدينة رام الله. وتخشى أسر هؤلاء الذين تم قتلهم من الافصاح برأيها عما يتعرضون له. ويقول التقرير الصادر عن مركز حقوق الانسان الفلسطيني ان عائلات المشتبه بهم أو المتعاونين المزعومين تعاني من حالة من الاقصاء الاجتماعي أحيانا بالاضافة الى الأزمات الاقتصادية الحادة. ويتوقف الجيران والاقارب عن زيارتهم ويعاني أطفالهم من العزلة في المدارس وتؤثر الأزمة على أدائهم المدرسي، ولا يمكن للشباب من هذه الأسر ان يتزوجوا طالما انه لا يوجد من يرغب في ان يرتبط اسمه باسم عائلة أحد من المتعاونين. على الرغم من وجوده في السجن، وكونه استطاع ان يخرج حياً من حياته السابقة كمتعاون، إلا ان سلوك الشاب الفلسطيني المشار الى قصته، كما يقول قد قضى على مستقبله. وحسب قوله: «لا يمكنني النظر في عيني زوجتي ولو قدر لي الخروج من السجن فسأغادر فوراً من دون رؤية أحد، إن حياتي هنا قد انتهت فعلاً». ترجمة: مريم جمعة فرج عن «كريستيان ساينس مونيتور»