يولد الرعب مع الانسان، وهو من اكثر الاحاسيس قوة على الاطلاق.. والخوف من المجهول هو واحد من الاحاسيس القديمة قدم الحياة، وما من انسان لا يشعر بالخوف، أو لا يتعرض لموقف يخفق قلبه رعباً، والانسان يخاف الظلام منذ الصغر، وتعتمد افلام الرعب على سطوة هذا الاحساس الغامض والتلاعب بمشاعر المشاهد. وقبل ان يعرف الانسان الفن السينمائي عرف الرعب واستمتع بالتشويق والاثارة التي تصاحب صدمة مفاجئة أو حالة قلق وترقب متواصلة. اطلع الانسان على روايات الرعب والاشباح والارواح الشريرة، واستمع الى الحكايات الشعبية حول الابطال العظام الذين خاضوا معارك شرسة ضد قوى الشر، ويبدو ان الانسان يشعر بلذة غامرة عندما يتم التلاعب باحساس الرعب الذي يتملكه وهو يطالع رواية او يستمع لحكاية شعبية. البدايات الجنينية يعتبر ادجار آلن بو مؤلف روايات الرعب خلال القرن الثامن عشر الأب الروحي لصناعة سينما الرعب.. ولاتزال مؤلفاته حتى اليوم مصدر الهام لمنتجي هذه النوعية من الافلام، الامر الذي يؤكد انه وبرغم اختلاف وتنوع الثقافات الانسانية، إلا ان الخوف يظل القاسم المشترك الذي يجمع بين البشر. واستناداً الى هذا الفهم جسدت البدايات الاولى لصناعة سينما الرعب الشخصيات التي تناولها الخيال الشعبي في عصور سابقة مثل الوحوش والاشباح والرجال الذئاب ومصاصي الدماء، وتواصل هذا الاتجاه حتى السبعينيات من القرن الماضي ليفتح بعدها الباب امام الافلام الاكثر وحشية ودموية واثارة وتشويقياً بعد ان تم المزج بين قصص الخيال العلمي والرعب.ومعظم افلام الرعب التي تم انتاجها خلال البدايات الجنينية لصناعة سينما الرعب خلال الفترة 1900 ـ 1930 استمدت افكارها من الروايات الكلاسيكية مثل فرانكنشتاين ودراكيولا ودكتور جاكل ومستر هايد. وللعلم الفيلم الفرنسي «قصر الشيطان» هو فاتحة افلام الرعب.. وكان من الافلام القصيرة الصامتة التي تحكي قصة رجل شيطاني التصرفات يرتكب اعمالاً اجرامية حدث ذلك في العام 1896.وشهد العام 1910 عرض النسخة الاولى من فيلم «فرانكنشتاين» الذي لم يستغرق عرضه سوى ست عشرة دقيقة، وما يلفت النظر في هذا الفيلم هو ان المخرج لم يكن سوى توماس اديسون المخترع الاكثر شهرة كما شهد العام نفسه عرض النسخة الاولى من فيلم «دكتور جاكل ومستر هايد». الانطلاقة ولم تمض سوى سنوات حتى شهدت صناعة السينما حدثاً فريداً تمثل في عرض أول افلام الرعب التي يطلق عليها افلام الرجال الذئاب كان ذلك العام 1913 عندما عرض المخرج هنري ماكري فيلم «الرجل الذئب» ومع ذلك فإن صناعة السينما الصامتة انذاك لم تشهد حدثاً يماثل عرض فيلم «خزانة الدكتور كاليجاري الذي هز الساحة السينمائية بفكرته الجديدة والجريئة التي تتناول حياة ممثل مغمور يتمادى في ارتكاب جرائم قتل فظيعة في احدى القرى الالمانية التي كانت فرقته تعرض فيها مسرحية استعراضية، وتحول الفيلم الى واحد من اهم الافلام الكلاسيكية التي انتجتها صناعة السينما الصامتة لفكرته السوريالية والتصوير المتقن واجادة تجسيد الشخصيات. وجاء العام 1920 ليشهد عرض النسخة الثانية من فيلم «دكتور جاكل ومستر هايد» الذي ادى دور البطولة فيه الممثل البارز آنذاك جون باري وكان أول فيلم ينقل وقائع الرواية الشهيرة بكل تفاصيلها. ولم تمض سوى سنوات حتى اهتزت اركان صناعة السينما حين تم عرض النسخة الثانية من فيلم «دراكيولا» الذي استوحى فكرته من رواية الكاتب برام ستوكر المعنونة «توسفيراتو».ورافقت عرض الفيلم الالماني احداث طريفة اذ اثارت المشاهد الدموية التي تضمنها نغمة ارملة الكاتب برام ستوكر ورفعت دعوى قضائية ضد الشركة المنتجة لان اعداد الفيلم تم دون الرجوع اليها، وبالرغم من الاقبال الكبير على الفيلم إلا ان المحكمة اصدرت حكماً لصالح الارملة وامرت بسحب وحرق كل طبعات الفيلم، وتم ذلك بالفعل، إلا ان المحكمة نسيت النسخة الاصلية السابقة من الفيلم الذي تم عرضه لاحقاً. وتجاوزت شهرة الممثل لون شاتي الآفاق في تلك الحقبة بعد ان ادى دور البطولة في فيلمي «احدب نوتردام» الذي تم عرضه لاول مرة العام 1923 ثم فيلم «شبح الاوبرا» العام 1925 وشق الممثل طريقه نحو النجومية عندما ادى وبنجاح باهر دوره العظيم في فيلم «لندن بعد منتصف الليل» الذي اعده واخرجه تود براننج ويعتبر الفيلم من العلامات الفارقة في تطور صناعة سينما الرعب. ركوب الخيال وواكبت صناعة السينما بشكل عام وسينما الرعب على نحو خاص التطورات الهائلة في المجالين التكنولوجي والابداعي.. وشهدت الخمسينيات ظهور اول افلام الخيال العلمي، وهي افلام تستمد افكارها من روايات خيالية تعتمد على اختراعات علمية متوهمة. وادى تزايد الاقبال على افلام الخيال العلمي الى تراجع انتاج افلام الرعب في بداية الامر، بالرغم من ان معظم شركات السينما كانت لاتزال تنتج عدداً قليلاً من افلام الرعب استجابة لرغبات الشباب من الجنسين، وكانت معظم تلك الافلام متدنية التكلفة لانها غير ملونة، ومع ذلك ستظل من العلامات المضيئة في تاريخ السينما وبعد حين عادت افلام الرعب لتحقق مكاسب جديدة مقابل افلام الخيال العلمي عندما عرضت استوديوهات هامر الانجليزية سلسلة من افلام الرعب الخالدة التي وضعت بصمة لن تنمحي في صناعة سينما الرعب. وشهد العام 1900 عرض الافلام التي مزجت الخيال العلمي والرعب واقبل المشاهدون بصورة غير مسبوقة على فيلم «شيء من عالم آخر» الذي تدور احداثه حول مجموعة من العلماء في محطة ابحاث علمية بالقطب الشمالي، يعثرون على مخلوق غريب متجمد داخل كتلة من الجليد، وعندما يفلح العلماء في اخراجه يكتشفون بان المخلوق ليس ميتا بل حيا ويعاملهم بعدوانية شديدة. وكان فيلم «يوم كفت الارض عن الدوران» والذي تم عرضه خلال العام نفسه اول نموذج عن الافلام التي تدور فكرتها حول تهديدات بغزو الارض من مخلوقات غريبة وتوالت بعدها عروض هذه النوعية وتم عرض فيلم «حرب العوالم» العام 1953 وكان اول فيلم ملون في تاريخ صناعة سينما الرعب، واستمد فكرته من رواية الكاتب اتشى جيه ويلز ودارت احداثه في الفترة ما بين العهد الفيكتوري الانجليزي واميركا الخمسينيات. ويعد فيلم «منزل الشمع» احدى المحطات المهمة في مسيرة تطور افلام الرعب وكان من الافلام القليلة التي ركزت على الرعب ولم يكن خروجا على سلسلة الافلام التي مزجت بين الخيال العلمي والرعب فحسب ولكنه كان واحدا من اول افلام الرعب التي استخدمت تقنية الابعاد الثلاثة وقدم للسينما النجم اللامع فينسنت برايس.وكان فيلم «هم» الذي تم عرضه العام 1954 من اهم نماذج الافلام الكلاسيكية التي مزجت بين الخيال العلمي والرعب وتدور احداث الفيلم حول تهديدات كوبية بشن هجوم نووي على اميركا في الخمسينيات حيث تقع ازمة صواريخ بين البلدين وترسل كوبا جيوشا من النمل المشبع بالاشعاعات النووية الى صحارى اريزونا كمقدمة لاجتياح اميركا. وفي الوقت الذي كان عشاق السينما في الولايات المتحدة يتمتعون فيه بمشاهدة المخلوقات الغريبة والكائنات الخرافية العملاقة وتشد اعينهم افلام الخيال العلمي، قامت شركة ستديوهات هامر البريطانية بعرض رؤيتها الخاصة لرواية ماري شيلي «فرانكنشتاين» العام 1956 وحققت الشركة بعد عرض الفيلم شهرة كاسحة واعاد الفيلم الحياة لافلام الرعب الخالص وقدم للسينما نجوماً كباراً مثل بيتركو شينج وكريستوفر لي.وشهدت نهاية الخمسينيات عرض فيلم «سائل الشمع» الذي يعد واحدا من ابرز الافلام التي مزجت الخيال العلمي والرعب في تلك الحقبة، كما عرضت شركة هامر نسختها الخاصة من فيلم «المومياء» الذي جمع النجمين البارزين كوشينج ولي للمرة الثانية. اللاعبون الجدد وواصلت شركات السينما انتاج افلام الرعب والخيال العلمي، إلا ان حقبة الثمانينيات اصطحبت معها تحولات وتطورات احدثت اثارا سلبية على صناعة سينما الرعب فمع تزايد الاقبال على اجهزة واشرطة الفيديو والتطور الكبير في البث التلفزيوني الفضائي ومحطات الكابل، اخذت صناعة الرعب اتجاها جديدا وبدأت تبتعد عن الافلام قليلة التكلفة الى الافلام التجارية التي تستقطب اعدادا اكبر من المشاهدين. وفي ظل ذلك الواقع الجديد تم عرض فيلم «الجمعة الثالثة عشرة» الذي كان اول فيلم يتم انتاجه تجاريا بعد النجاح الكاسح الذي حققه فيلم «هالوين» ومن ابرز الافلام التي شهدتها تلك الفترة فيلم «القتلة الطائرون» الذي نشاهد فيه النجم لانس هنريكسين وهو يقاتل الاسماك الضارية التي تطير في الهواء وتشن عليه هجمات متلاحقة كي تقضي عليه. الانهيار والمستقبل ولم تكف شركات السينما عن صناعة افلام الرعب، الا ان التسعينيات شهدت تراجعا واضحا في عدد الافلام ذات الافكار القديمة وعكفت على انتاج نسخ جديدة منها الا ان تلك النسخ لم تكن بمستوى الافلام الاصلية كما تراجع الاقبال على افلام الرعب حتى تلك التي يتم انتاجها كاشرطة فيديو، وكادت صناعة السينما ان تصاب في مقتل الا انه ومن حسن حظ الصناعة عادت افلام الرعب الى قاعات العرض وسجلت نجاحات كبيرة قبيل نهاية ذلك العقد حيث تم عرض افلام لاقت رواجا طاغيا.ويعد فيلم «اركتوفوبيا» واحدا من الافلام الجديدة الفكرة وتدور احداث الفيلم الذي تم عرضه العام 1990 حول جيف دانيلز الذي يقود معركة شرسة ضد عناكب سامة احتلت منزله بقرية ريفية صغيرة. وكان فيلم «برام ستوكرز» «دراكيولا» واحدا من افضل افلام الرعب التي تم عرضها العام 1992 والفيلم الذي يعتبر اعادة لانتاج واحد من افلام الرعب الكلاسيكية يقترب من الرواية اكثر من تلك التي سبقته ومع ذلك يجمع النقاد على ان فيلم «تيرميناتور 2» يوم الحساب هو افضل الافلام التي تم عرضها في ذلك العقد خاصة وان المخرج جيمس كاميرون استعان بالنجوم الذين جسدوا الشخصيات في النسخة الاولى من الفيلم. ويعد فيلم «صرخة» والذي تم عرضه العام 1996 من العلامات الفارقة في مسيرة صناعة سينما الرعب، ويعتبر واحدا من افلام الرعب الجادة بخلاف الافلام الباهتة الاخرى حيث استطاع احياء الاقبال والاهتمام بهذه النوعية من الافلام وفتح الباب امام افلام جيدة اخرى. والآن ماهو مستقبل صناعة سينما الرعب ونحن نتوغل في الالفية الثالثة؟ من المتوقع ان نشاهد اعادة انتاج لمجموعة من الافلام الكلاسيكية القديمة ولكن ماذا عن الافكار الجديدة؟ لاشك ان شركات السينما ستغرق الاسواق بالمزيد من الوحوش الكاسرة والمخلوقات الغريبة والاطباء المرضى نفسانيا والكائنات التي ترفض الموت ويتحتم علينا ان ننتظر بكل لهفة وترقب فهناك دائما افلام رعب تثير الهلع في نفوس المشاهدين وتتلاعب بأعصابهم فهذه هي وظيفتها وهذا هو الهدف من انتاجها.