خلال مئة عام فقط تغير الجسم البشري الى شكل أفضل صحة وأطول قامة عن الشكل السابق بعدة بوصات. والتفاوت في أطوال القامة هو أحد أوضح الاختلافات بينك وبين جدتك على حسب قول اخصائي علم الانثروبولوجيا جراهام ويتيكار، والسبب في ذلك بسيط هو التحسن الذي طرأ على نمط التغذية. فأطفال اليوم يأكلون على حد قوله بصورة أفضل من السابق، وعظام الساقين الأقوى والأطول هي نتيجة مباشرة لذلك. ويشير الباحثون كذلك الى نمط الحياة كعامل آخر مهم في التغيرات البدنية الكبيرة التي حدثت خلال خمسة أجيال فقط. فالرجال والنساء من الشباب كانوا في مطلع القرن السابق يفتقرون لمستلزمات الحياة المتوفرة لدينا اليوم ومعظمهم كان يعاني من فقر الدم وهشاشة العظام لأنهم لم يكونوا يحصلون على كفايتهم من الحديد والفيتامينات. وبالمقارنة بالحياة العائلية اليوم كانت الأسر في العام 1902 تعيش ظروفاً بدائية الى حد كبير ومعظمها تعيش في فقر مدقع ولا تتوفر لها الوسائل الأساسية التي تساعدها على اطعام أطفالها كالوقود وأجهزة الطهي والأغذية الطازجة. ويضيف ويتيكار ان الأمهات كن يطهين في قدر واحد فوق لهب ضعيف باستخدام مواد غذائية قليلة، ولذلك فلا عجب أن الملايين من الأطفال كانوا يعانون آنذاك من سوء التغذية. والاختلاف الآخر الباعث على الصدمة هو معدل وفيات المواليد الجدد في العام 1902 سيما في الأحياء الفقيرة جداً حيث يتوفى 50% من الأطفال قبل بلوغهم العام الأول. وأظهرت الدراسات ان الأمراض المعدية والالتهابات والتغذية الفقيرة لعبت دوراً في تقصير أعمار أجدادنا. ففي العام 1902 كان متوسط عمر الشخص يتراوح بين 40 و 4 عاماً في حين ان معظم الناس اليوم يعيشون حتى سن الثمانين. والشيء المؤكد الوحيد، على حد قول ويتيكار، هو اننا محظوظون لكوننا ولدنا في هذه المرحلة المزدهرة من العصر. وهذه هي بعض جوانب الاختلاف بين الجيل الذي عاش في مطلع القرن وبين جيلنا الحالي: ـ عانى كل من الرجال والنساء في العام 1902 من تساقط حاد بالشعر لأنهم لم يحصلوا على كفايتهم من العناصر الغذائية والفيتامينات من طعامهم، كما ان البشرات لم تكن صحية متوردة، فالغبار الخانق والدخان المنبعث من مواقد حرق الفحم والنظام الغذائي غير الصحي وساعات العمل الشاقة في المصانع والمناجم ساهمت في شحوب بشرات الجيل الماضي من الرجال والنساء. ـ في الماضي كانت أمراض التيفوئيد والسل والكوليرا والانفلونزا مسئولة عن وفاة 25% من الناس، أما اليوم فإن 1% فقط يموت من مرض معد. ولكن بعد ان طالت أعمار الناس زادت احتمالات اصابتهم بأمراض القلب التي أصبحت القاتل الوحيد في هذا العصر. ـ أما بالنسبة للخصوبة فإنها واحدة من جوانب التطور البشري التي لم تتغير على مدى القرن الماضي، وبالرغم من ان عدداً أكبر من الأزواج والزوجات الذين يواجهون مشاكل خصوبة تمكنوا من الانجاب بفضل تطور العلم والطب، إلا ان نسبة الأزواج والزوجات المصابين بالعقم تبقى نفسها وهي من 10 الى 15% من الناس. ـ كان الناس في الماضي أقل وزناً بحوالي 28 الى 42 رطلاً عن الجيل الحالي وهو التغير الذي يقلق الأوساط الطبية، فبعد أن كان الناس يعانون من سوء التغذية أصبحوا الآن يفرطون في الأكل. ورجال اليوم لا يتمتعون بأية لياقة بدنية حيث ان 63% منهم وهي الاحصائيات التي أجريت في أميركا هم بدينون أو لديهم زيادة في الوزن، وهو السبب الرئيسي لأمراض القلب والسكر وارتفاع ضغط الدم والوفاة المبكرة. وفيما يخص طول القامة فقد كان يبلغ طول المرأة في المتوسط في العام 1902 خمسة أقدام وبوصة واحدة، أما في عالم اليوم فإن طول المرأة يصل في المتوسط الى خمسة أقدام وخمس بوصات في حين ان متوسط طول الرجل اليوم يبلغ خمسة أقدام وعشر بوصات. كما كان هناك فارق كبير بين أطوال قامة الأثرياء والفقراء في مطلع القرن العشرين، والفتيات المراهقات من الطبقة العاملة كنّ أقصر بثلاث بوصات من بنات العائلات الثرية. أما بالنسبة للعظام فإن نقص الكالسيوم أدى الى تقوس سيقان الاطفال وضآلة بنيتهم في العام 1902 في حين ان أمراض الطفولة كالكساح لم نعد نسمع عنها اليوم. ونساء القرن الماضي كنّ يبذلن مجهوداً بدنياً أكبر بكثير عما هو حاصل اليوم، الأمر الذي ساهم في قوة عظامهن، لكن غياب فيتامين «دال» من أنظمتهن الغذائية أدى الى مشيهن بتثاقل أو جر أقدامهن على الأرض نتيجة اصابتهن بانبساط قاع القدمين. أما أطفال هذا العصر فهم أكثر مهارة في استخدام الأيدي بفضل ألعاب الكمبيوتر والضغط على أزرار لوحة الحاسوب. ابتسام أحمد