في عام 1924 ابرزت مجلة «راديو نيوز» الاميركية على غلافها صورة لمريض على سريره يتلقى النصائح من طبيب عبر جهاز بث الكتروني، وكانت تلك اللحظة بالفعل رؤية مستقبلية نافذة على نحو استثنائي، فهي لم تتنبأ بالطب الالكتروني فحسب بل باختراع التلفزيون بحد ذاته. واليوم بعد مضي 78 عاماً من هذه الواقعة هاهو الطب الالكتروني حاضر بقوة، بل ويشكل احد اسرع الميادين نمواً في الطب الحديث. والطب الالكتروني في جوهره هو نقل البيانات الالكترونية الطبية فائقة الوضوح من مكان الى آخر باستخدام طيف عريض متنوع من تقنيات الاتصالات، من خطوط الهاتف العادية الى الاقمار الصناعية ولخدمة تطبيقات متنوعة تتراوح من المحادثة الهاتفية البسيطة بين الطبيب والمريض الى استخدام الجراحة الهاتفية الروبوتية عن بعد. ومن المثير للاهتمام ان الطب الالكتروني اصبح ظاهرة عالمية تمتد من افقر العيادات في شبه القارة الهندية الى المواقع النائية في ألاسكا. وفيما يلي بعض الامثلة التي تعكس تنوع وأهمية تطبيقات هذا الميدان الطبي الصاعد. في بريطانيا التي ارتفع فيها متوسط العمر المتوقع للفرد بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية تضع ادارة الصحة الوطنية الآن في اعلى قائمة أولوياتها خطة «الرعاية الصحية الهاتفية» للمسنين الذين يزداد عددهم بصورة مطردة في البلاد. وفي شهر يناير الماضي اطلق البرنامج في بلفاست لمساعدة المرضى الضعفاء في العيش خارج دور الرعاية، وفي اطار البرنامج تجهيز منازل مصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات الطبية لكل شخص حسب طبيعة مرضه، وتم تكييف تلفزيون كل مريض بحيث يتضمن وصلة الى الاخصائيين الصحيين المعنيين عبر نظام خدمات الشبكة الرقمية. واستحدثت مستشفى جامعة اينتري برنامج رعاية صحية هاتفية منزلية للمرضى الذين يعانون من التهاب الشعب الهوائية المزمن، ويقوم الاطباء بمراقبة درجة حرارة ونبض وضغط دم المريض باستخدام جهاز ارسال واستقبال يغني عن وجود الطبيب جسدياً بجانب المريض. وفي الولايات المتحدة اصبحت الرعاية الصحية الهاتفية معتمدة على نطاق اوسع حيث تستخدم هناك تجهيزات مكيفة للاستعمال المنزلي قادرة على مراقبة القلب والرئتين والنبض والتنفس وضغط الدم عن بعد، حتى ان هذه التقنيات تقوم بدور الشقيق الاكبر حيث تذكر المريض بمواعيد تناول الدواء واجراء الفحوصات الذاتية، واذا لم يستجب المريض يرفع الجهاز الصوت الاصطناعي الذي يخاطبه به بشكل متزايد قائلاً المعذرة هل تسمعني ويكرر العبارة بصوت اعلى فاعلى، واذا لم تصدر عن المريض اية استجابة يتصل الجهاز تلقائيا بالممرضة المعنية بمتابعة اوضاع المريض. يتخذ الطب الالكتروني اهمية استثنائية بالنسبة للمرضى الذين يعيشون في مناطق نائية وعلى سبيل المثال، فإن المرضى في المناطق الريفية بولاية كنساس الاميركية لا يمكن الوصول اليهم إلا بالطائرة واذا سمحت الظروف الجوية. لذلك انشأ قسم الاورام في جامعة كنساس العديد من العيادات النائية، وهناك خطط لتقليد هذا النهج في 42 ولاية اخرى. يحضر المرضى جلسات علاجية اسبوعية في عياداتهم المحلية التي تديرها ممرضات. يجلس المريض امام شاشة عرض وكاميرا فيديو ويتحدث مباشرة الى اخصائي السرطان الموجود على بعد اكثر من 200 ميل. تستخدم العيادة سماعات طبية خاصة تنقل اصوات التنفس والنبض الى الطبيب الاخصائي، وكذلك الامر بالنسبة لجهاز تخطيط الصدر البياني «الايكو» والكاميرا التي تمكن الطبيب من معاينة جلد المريض لرصد الشذوذات المرئية التي قد يكون لها علاقة بالمرض. واي صور تحتاج لمزيد من التحليل ترسل عبر الكمبيوتر الى خبراء صور الاشعة، ويمكن ايضا تسجيل كل جلسة علاجية بحيث يستطع الطبيب الرجوع اليها لاحقا لمقارنة النتائج بين الجلسات الاستشارية. احد اكبر فوائد الطب الالكتروني منح فرصة الاستفادة منه للجميع، وهذا يعني في المقام الاول ربط المرضى في المناطق النائية بالمراكز الصحية المدنية، لكن الدكتور ديفيد كوك، مدير المركز الطبي بجامعة كنساس الاميركية يقول ان الطب الالكتروني يستخدم الآن لتقليص الفجوة بين الاغنياء والفقراء. يشير كوك الى ان الاطفال في المناطق المحرومة بمدينة كنساس سيتي لا تتوفر لهم امكانية الاستفادة بشكل حسن من الرعاية الصحية بسبب «العوائق الاجتماعية الاقتصادية» وكان حل هذه المشكلة في برنامج «رعاية الطفل الهاتفية» حيث استحدثت خدمة طبية هاتفية تربط المدارس في كنساس سيتي بالمركز الطبي في جامعة كنساس. يعمل النظام بربط التلاميذ والممرضة التي تدير النظام مع الاطباء في جامعة كنساس وفي معظم الحالات يحضر آباء أو امهات التلاميذ للمدرسة وقت الجلسة الاستشارية او يتم ربطهم عبر الهاتف. ومن ضمن الحالات المرضية التي يتم التعامل معها عبر هذا النظام التهابات الاذن الشديدة والتهاب الشعب الهوائية والمشاكل السيكولوجية. ومنذ اطلاق النظام في عام 1998 جرت بواسطته 1300 استشارة طبية وهناك خطط الآن لتعميم التجربة على مدارس اخرى. يقول الدكتور ستيفن هيرون اخصائي العلاج السلوكي في مجموعة مستشفيات اولستر لا احد اكثر عزلة من الاشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة العقلية، وتماما كما استخدم الطب الهاتفي للوصول الى عزلتهم الجغرافيا او العوامل الاقتصادية، فإنه يستخدم الآن للوصول الى اشخاص ربما يكونون معزولين اجتماعياً أو عقلياً. وتظهر الدراسات انه بالامكان استخدام الطب الهاتفي لعلاج اضطرابات الهلع والخوف لدى المرضى، والحصر النفسي والاكتئاب وتشير التجارب الاكلينيكة الى ان الاشخاص الذين يعانون من اكتئاب متوسط الدرجة ويتلقون العلاج السلوكي والادراكي عن بعد عبر الانترنت يبدون قدراً من الاستجابة الايجابية لا يقل عن استجابة المرضى الذين يجلسون مع اطبائهم وجهاً لوجه. وفي مدينة جيروسي الاميركية تستخدم مؤتمرات الفيديو في احيان كثيرة للقيام بالاستشارات الطبية النفسية بدلاً من سفر المرضى لمسافات طويلة للوصول للاطباء المختصين الكفوئين. قريبا سيكون بالامكان مراقبة المرضى ذوي القلوب الضعيفة وهم في منازلهم فقد طور الباحثون في جامعة لافبورو البريطانية نموذجاً اولياً عن جهاز يرسل بيانات القلب مباشرة من المريض الى الطبيب الاستشاري الموجود على بعد مئات الاميال، توضع اقطاب كهربائية على صدر المريض لمراقبة القلب وتنتقل المعلومات الى جهاز الالكتروني معلق على حزام المريض يحول البيانات الى اشارات في الاشعة تحت الحمراء ويرسلها الى كمبيوتر الطبيب عبر الهاتف الجوال. تطبيقات متنوعة غنية وامكانيات مستقبلية مثيرة تشير جميعها الى ان الطب الالكتروني يبشر باحداث ثورة حقيقية في خدمات الرعاية الصحية، وفرص استفادة الناس فقيرهم وغنيهم قريبهم وبعيدهم من احدث التقنيات وابرع الكفاءات الطبية الموجودة في المراكز الصحية الكبيرة. علي محمد