تتلألأ اشعة الشمس في الصباح الباكر على طرف الممر الضيق والعميق جداً المعروف باسم «الصدع الكبير»، الذي يشق طريقه عبر الجروف الجيرية في منطقة سيتزوان الواقعة وسط جنوب الصين. وفي اسفل هذا الصدع يجري نهر اليانجتسي ويندفع بقوة. وهو مخبأ في الظل، حيث ان جدران هذا الصدع تعتبر عميقة جداً بحيث لا تسمح لاشعة الشمس بالتغلغل اليها حتى في وضح النهار. وبعد مسافة سبعة كيلومترات في اتجاه مجرى النهر، يتسع الصدع الكبير مشكلاً هوّة مضاءة على نحو طبيعي يبلغ عمقها 220 متراً. ومن هذا المكان، يستمر النهر والصدع تحت الارض مشكلين كهفاً هائلاً وضيقاً من الصخر الجيري، وتمتد جدران ضخمة وملساء بفعل السيول الجارفة الى سقف يعلو كثيراً لدرجة انه لا يرى حتى باستخدام ضوء اقوى المصابيح التي تثبت بخوذة على الرأس، وتتسع ممرات جانبية غامضة لتشكل كهوفاً كبيرة وقديمة، تتألق بالهوابط والصواعد الكلسية، بينما يغوص الصدع الرئيسي بلا انتهاء. وعلى سطح الارض، وعلى بعد حوالي 10 كيلومترات عن بداية الصدع الكبير، توجد حفرة ضخمة في الارض او ما يسمى «دولاين». وتتشكل هذه الحفر بفعل انخساف الكهوف الجيرية، وفي بريطانيا، نادراً ما يزيد عرضها على متر او مترين. غير ان الحفرة هذه، والتي تعتبر الاكبر في العالم، تمتد بقطر 500 متر وبعمق 660 متراً، ولهذا فانها تسمى بـ «الدولاين العظيم» وهناك ممر متمعج في احد جدرانها يفضي، بعد هبوط حاد لمدة ساعة، الى عالم آخر مظلل من الكهوف يأمل المكتشفون بأن يكون متصلاً، عبر ممر واحد، بالصدع الكبير، وبالتأكيد، فانها تشكل مع بعضها اعظم اعجوبة جيولوجية في العالم. وادى وجود هذا الصدع وهذه الحفرة الى بروز علاقة تكافلية، مؤخراً، بين علماء الجيولوجيا الصينيين وعشاق رياضة استكشاف الكهوف الغربيين. وفي الوقت الذي كانت الصين محتجزة خلف ستارة من الخيزران في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لم يكن مسموحاً للغربيين استكشاف شبكة الكهوف الجيرية الرائعة، والتي كانت معروفة من خلال سمعتها فقط. ولكن في عام 1986، قام فريق يتألف في معظمه من مغامرين بريطانيين ويقوده اندي ايفيس، وهو مستكشف خبير بالكهوف لديه دافع قوي لايجاد اماكن جديدة للاستكشاف قام بزيارات حذرة للسلطات للحصول على ترخيص باستكشاف الصدع والحفرة اللذين لم يسبق استكشافهما. قبل سنوات عديدة، قام الصينيون ببناء سد على مدخل الكهف عند اسفل الحفرة. وهذا ادى الى تشكل بحيرة يتم تحويل الماء منها بواسطة نفق بطول 1.5 كيلومتر حفر عبر الجبل ليصل الى الوادي الواقع وراءه، حيث يقوم بتشغيل محطة كهربائية صغيرة، وقد سهّل هذا التحويل على المستكشفين عملية استكشاف مجرى النهر السابق. والساكن الوحيد في الحفرة الكبيرة يعيش في كوخ صغير عند قاع الحفرة، وهو متوفر على مدار اليوم لكي يقوم برعاية البوابات التي تتحكم بتدفق المياه. وهو موصول بالهاتف ولديه مصدر خاص للامداد بالطاقة الكهربائية. من محطة الكهرباء. لكن السلطات الصينية مهتمة بالاستخدام المحتمل للنظام في امداد مشروعات اضافية للطاقة الكهربائية المولّدة بقوة المياه. وافق مستكشفو الكهوف على العمل مع معهد جوبلين كارست، وهو اكبر معهد جامعي في الصين متخصص بالتشكيلات الصخرية الجيرية. وهذه تعتبر كتلاً صخرية منفصلة لها شبكات تحت ارضية غير مرتبطة ببعضها البعض. واصبح اسم المجموعة من المستكشفين «مشروع كهوف الصين». ويقول المصوّر جافين نيومان، وهو مستكشف متحمس للكهوف كان عضواً في فريق ايفيس منذ سنين: «ذهبت الى هناك اول مرة في عيد الميلاد من عام 1987. وحصلنا على اذن من معهد جوبلين كارست لاننا نعمل معهم ـ فنحن نستكشف الكهوف ونعطيهم جميع المعلومات التي نحصل عليها من المسوح التي نقوم بها. ان جميع الكهوف التي نهتم بها تشكلت من الصخور الجيرية والصين تضم كميات من الجير تفوق ما يوجد في باقي العالم مجتمعاً، وهو الامرالذي يفسر اهتمامنا بهذا البلد. والاختلاف هو ان المنظور الصيني هو منظور اقتصادي ـ مشروعات للطاقة الكهربائية، مصدراً للماء والمعادن والنيترات وما شابه ـ ونحن مهتمون بها من منظور رياضي، ولكن يمكننا العمل معاً بصورة جيدة لعدم وجود مستكشفين للكهوف لاغراض رياضية في الصين. لقد سارت العلاقة بين المستكشفين والعلماء بشكل جيد حتى الان. فعلماء معهد جوبلين كارست يستخدمون المسموح التي يقوم بها المستكشفون في حفر الانفاق للمشاريع الكهربائية المائية. وهم يتتبعون المصدر الذي جاءت منه المياه، ثم يحسبون كمية المياه التي سيخرجونها من الكهف وما اذا كانت تعتبر مصدراً يعتمد عليه. وقد اثبتت هذه الحسابات فائدتها للمستكشفين، حيث تعطيهم معلومات حول وضع المياه طوال العام. وهذا يساعدهم في تحديد انسب الاوقات لدخول الكهوف اعتماداً على معرفة منسوب المياه في الشهور المختلفة من السنة. وعلى الرغم من هذه الفائدة المتبادلة، الا ان العلاقة لا تخلو من معوقات اهمها عائق اللغة والاختلاف في المنهجية الفلسفية بين الغربيين والشرقيين بوجه عام. ضرار عمير