2 ـ المجاز: في خاطرة سابقة لامس محك النقد عنصراً واحداً من العناصر الشعرية الكثيرة في لغتنا الشاعرة، وهو الايقاع بمعناه العام لا الخاص، وبصداه الفني لا العروضي، وبأبعاده الواسعة المحيطة بكل ما تصوغه لغة الضاد من شعر ونثر، لا ببعده الضيق المحصور بالبحور، وثبت له وللقاريء ان في هذه اللغة من التناغم الفطري ما يجعلها من اغنى اللغات بالنغمات، واحفلها بالاوزان وابرعها في ترتيب الافكار على الالحان وفي ترجمة الخلجات بالنبرات. وفي هذه الخاطرة ينتقل المحك من المسموع الى المرئي، أي: من الايقاع الذي يملأ الاسماع الى الخيال الكلف برسم الجمال، فالشعر ليس ايقاعاً خالصاً، وانما هو ايقاع وصور وأفكار ومشاعر، والصور قد تكون اعلقَ بالنفس لانها اعلق بالبصر، والعين قد تكون اقدر من الاذن على الاتصال بالجمال، لانها النافذة التي يطل منها الانسان على الكون، وتدخل منها الطبيعة الى النفس، ولهذا لم يكن بد من الوقوف على الطريقة التي تتبعها اللغات عامة، والعربية خاصة في تصوير المعاني وتجسيم المشاعر، لان هذه الطريقة المتبعة هي التي تصنع المجاز. وههنا لابد من الاشارة الى ان الشعر يسير باللغة في اتجاه معاكس لتطور الدلالات، والمقصود بما نزعم ان اللغة تنقل الدلالة من المحسوس الى المجرد، وان الشعر يعارض هذا التيار، فيصور المعاني المجردة تصويراً حسياً، ولولا هذا السير المعاكس لانطفأت وقدة الشعر، وبهتت الوانه، وتحول من لهب فني الى رماد فكري، يقنع ولا يمتع. ان اللغة تعمل عملها في تحويل الدلالات من الحس الى التجريد على نحو بطيء، يرافق تطور الشعب من البداوة الى الحضارة، ونحن ـ المتحضرين ـ نستعمل الدلالات الجديدة المجردة، ولا نفطن الى اصولها القديمة الحسية، لان هذه الاصول مغمورة تحت ركام الزمان، نستعمل العقل بمعنى الذهن، وننسى انه كان يدل على ربط الناقة بالعقال، والروح بمعنى النفس، ونغفل عن ارتباطها بالريح التي تملأ الآفاق، ونستخدم النفاق لابطان الكفر واظهار الايمان، ولا نعيده الى نافقاء اليربوع الذي يخادع عدوه بوكر متعدد المسالك والابواب. وانتقال الدلالة من الحس الى التجريد يصنع المجاز، وسمي هذا الانتقال مجازاً لان الكلمة تجوز أفق الحقيقة الى أفق آخر على اساس التشبيه او الاستعارة فاذا وصفت خطبة بالجزالة، فاعلم انك استعرت الكلمة من الحطب الى الخطب، لان الجزل في الاصل ما غلظ من الحطب. واذا وصفت الكلام بالاطناب، فاعلم انك شبهت الكلام بحبال الخيام لان طنب الخيام حبالها التي تشدها الى الاوتاد. وربما كان الشعراء اقدر الناس على العودة بالمعاني المجردة الى اصولها الحسية لكلفهم بالتصوير بغية المبالغة في التعبير، ولهذا يحرصون اشد الحرص على ان يصوروا افكارهم وعواطفهم تصويراً حسياً ملوناً مجسماً متحركاً، وعلى ان يبثوا فيما يصورون روح الاحياء، لتكون صورهم اجم واكمل، وافعل فاذا صور ابو ذؤيب الموت، وهو فكرة مجردة، جعله وحشاً ذا انياب واظفار: واذا المنية انشبت اظفارها الفيت كل تميمة لا تنفع واذا اعتز ابو الطيب بشهرته، والشهرة معنى مجرد، جعل الزمن واحداً من تلامذته وحفظة شعره: وما الدهر إلا من رواة قصائدي اذا قلت شعراً اصبح الدهر منشدا واذا خاف النابغة من النعمان بن المنذر رسم مخاوفه رسما مرعباً، فخيل اليه ان النعمان ليل يملأ الخافقين، وان سلطانه يلاحقه، فيمد لاصطياده حبالاً متينة متصلة بخطاطيف معقوفة تريد اختطافه: فإنك كالليل الذي هو مدركي وان خلت ان المنتأى عنك واسع خطاطيف حجن في حبال متينة تشد بها ايد اليك نوازع وهذه الصور المنسوجة من خيوط المجاز ليست من ابداع الشعراء وحدهم بل هي من ابداع اللغة الشاعرة اول الامر، ثم من ابداع الشعراء الملهمين آخره. ولولا التراث المجازي الضخم الذي كانوا ينهلون منه ما استطاعوا ان ينسجوا ما نسجوا على منوال العروض، وان يلونوا ما رسموا بأصباغ الخيال، لقد وجدوا الثمار الجنية تتدلى من فوقهم حيثما كانوا يتجولون في واحة المجاز، فقطفوا ما وجدوا، وجددوا ما لم يجدوا وهذا دأب الشاعر في كل عصر، يستلهم من عبقرية اللغة اجمل ما لديها، ثم يضيف اليها اجمل ما لديه، فينمو باللغة وتنمو اللغة به. والادلة على اتساع العربية في المجاز اكثر من ان تحصيها خاطرة، وحسبك ان تقف على ثلاثة منها لتدرك مدى الخصب الذي يميز لغتك من لغات البشر كلها أو جلها. أول هذه الادلة انطواء النثر الجاهلي ـ وهو الشكل الفطري من نثر العرب ـ على مقادير لا تحصى من المجاز الفني، فلو استعرضت الامثال وحدها ـ وهي ابسط انواع النثر ـ لوقفت على ألوف من العبارات المجازية ترقى بها ـ وهي من جنس النثر ـ الى جنس الشعر، غير انك اذا دققت فيها النظر واذقتها السمع وجدت طائفة منها موزونة اما لان ملكة الرسم موصولة النسب بملكة الوزن فمن برع في المنظور برع في المسموع، واما لان بعض الامثال ابعاض من ابيات. فمن الامثال التي حفلت بالمجاز واعوزها الوزن: نعم المؤدب الدهر، الانام فرائس الايام، تاج المروءة التواضع، لا يجتمع سيفان في غمد، أذل من وتد، ركب جناحي النعامة. ومن الامثال الحافلة بالمجاز الموقعة على نغمات الخليل: عند النطاح يغلب الكبش الاجم، ان الحديد بالحديد يفلح، حلب الدهر اشطره، أكل الدهر عليه وشرب. وثاني الادلة ان الالفاظ العربية جلها لا كلها جازت افق الحقيقة الى افق المجاز، اي انتقلت من لغة الفكر الى لغة الشعر، وهذا الانتقال حمل الزمخشري على تصنيف «اساس البلاغة» وهو معجم من اعظم المعجمات الفنية، ولو تصفحت مادة من مواده لوجدت عرضها مشطوراً شطرين: شطراً تذكر فيه المعاني الحقيقية، وشطراً تذكر فيه الاوجه المجازية، ولوجدت نفسك كأنك تتجول بين الواح متقنة الرسم والتلوين في معرض من معارض الفنون التشكيلية. ولما كانت الدلالات المجازية تفتقر الى الدقة العلمية المألوفة في المعجمات الاخرى وتجنح الى الايحاء لا الى التفسير، والى التقريب لا الى التحقيق فإن الزمخشري مال عن شرح المعاني الى سرد التراكيب، وترك للقاريء ان يخمن المعاني اعتماداً على مواقع المفردات من التراكيب، فجاء معجمه لغوي المادة، فني الروح، فيه من الجمال والسحر والشعر فوق ما فيه من المعاني واللغة والفكر، وهذا المعجم وحده يثبت ان العربية لغة شاعرة بالفطرة. وثالث الادلة ناجم عن ثانيها، وهو ان الكلمة الواحدة من كلام العرب تكتسب مع كل استعمال دلالة مجازية جديدة، فاذا جمعت دلالاتها من استعمالاتها تجمعت حول كل كلمة اطياف من الالوان والظلال المجازية على نحو يصعب ضبطه، وحسبك ان تقرأ ما انطوت عليه كلمة واحدة من المجاز لتدرك ان في كل كلمة من لغة الضاد طاقة شعرية لاتنفد، وابعاد فنية لا تحدد، واليك ما قال الزمخشري في الشطر المجازي من حديثه عن مادة «خضر»: «ومن المجاز: ما تحت الخضراء اكرم منه، وكتيبة خضراء لخضرة الحديد، واباد الله خضراءهم: شجرتهم التي منها تفرعوا وشاب اخضر، وفلان اخضر كثير الخير. واخضر القفا: ابن سوداء أو صفعان، واخضر البطن: حائك، واخضر النواجذ: حراث لاكله البقول، واياكم وخضراءَ الدمن: اي المرأة الحسناء في منبت السوء، والامر بيننا اخضر، جديد لم يخلق والمودة بيننا خضراء، قال ذو الرمة: وقد يرى فيها لِعِين منظر أتراب مي، والوصال اخضر وكنت وراء الاخضر ووراء خضير وخضارة، وهو البحر، واستقى بالخضراء العربي: وهي الدلو، وجن عليه اخضر الجناحين، وطار عنا اخضر الجناحين وهو الليل..الخ». أرأيت الى هذا الحشد من أنواع المجاز واصناف التصوير، والى هذا السر من اسرار العبقرية العربية، كيف يفجر المعاني الشعرية من ثلاثة احرف مصبوغة بلون الخصب؟ فمرة يرسم منها العرب شجرة النسب، وثانية يجددون بها شباب الانسان كما يجدد الربيع الموسم كل عام، وثالثة يرمزون بها الى حيوية الصداقة، ورابعة يبسطونها على سعة البحر، وخامسة يريشون بها جناحي الليل.. وبقيت سادسة وسابعة وعاشرة، اغفلناها لئلا يثقل عليك السرد. ففي اي لغة تجد في كلمة واحدة ملامح الابداعية متمثلة في الهيام بالطبيعة وسمات الرمزية متمثلة في صبغ المعاني والعواطف بالالوان. فاذا كان اساس البلاغة معرضا لاهل الفن العربي مجتمعين، فإن كلمة واحدة منه معرض صغير لمصور واحد او مجموعة شعرية لشاعر واحد. وما أظنك بعد الذي وقفت عليه إلا خارجاً من حرم العربية بعد ان ملّكتك لغتك جوهر الشعر، وملأت عقلك وقلبك بمعانيه ومراميه، وراشت خيالك بقوادمه وخوافيه، فإذا انت شاعر ولو لم تنشد، كما كانت لغتك شاعرة، ولو لم ينتظمها الوزن